ثقافة و فن

ألكسندرا رو: “ما تدين به الحرية للحقيقة في الفلسفة الأخيرة لشيلينغ” (الجزء الأول)

أحمد رباص ـ تنوير
ألفت ألكسندرا رو مقالة ونشرتها في “المجلة الفلسفية لفرنسا والخارج” منذ فبراير 2014 تحت عنوان”ما تدين به الحرية للحقيقة في الفلسفة الأخيرة لشيلبنغ”.
في تعريف مختصر بالكاتبة، نجد أنها خريجة الفلسفة (1993) وحاصلة على دكتوراه في الفلسفة (أكتوبر 2000). كما أنها محاضرة في الفلسفة بجامعة بواتييه منذ عام 2007، وأستاذة باحثة في مركز أبحاث هيغل والمثالية الألمانية بجامعة بواتييه منذ عام 2000.
افترضت الكاتبة في بداية دراستها عنوانًا مختلفًا تمامًا: “ما تدين به الحقيقة للحرية”، معلنة أن هذا العنوان كان سيعكس جانبًا واحدًا فقط من العلاقة الدقيقة بين العقلانية ومصدر جميع الأفعال، عند شيلينغ الأخير، أي الحقيقة والحرية الإلهية. وحددت هدف دراستها في كون شيلينغ ارتبط في كتاباته الأخيرة، ليس فقط بالتفكير في ما هو غير قابل للاختزال في الحرية كما هي، بل بالتفكير أيضا في ما تدين به الحرية للحقيقة.
وإذا كان هذا الجانب الأخير لا يعني أن العقلانية الخالصة تنتصر سرا في فلسفة شيلينغ “الإيجابية”، فإنه يساهم مع ذلك في حمايتها من اللاعقلانية.
اعتدنا بالفعل، تتابع رو، على الإصرار على فكرة أن شيلينغ، في فترته الأخيرة، كان يروج للحرية على حساب العقل، بحيث يمكن لنا أن نعتقد أنه بالنسبة للفيلسوف الذي يضع الحرية الإلهية فوق كل شيء آخر، فإن الحقيقة تصبح مدينة لها: كيف يمكن أن تكون الحرية في الواقع مدينة للحقيقة نفسها إذا كان الحق معادلاً للعقلاني على نحو خالص، وإذا كانت الحرية، من جانبها، تتجاهل العقلانية؟ نحن لا نرى أن الحرية يمكن أن تدين بأي شيء لعالم الحقائق. ومع ذلك، فإن شيلينغ في كتاباته الأخيرة، بعيد عن كونه مروجا لفلسفة، مثل فلسفة ديكارت، تجعل العقلانية معتمدة على الله. إن كون الحرية أولية وسيادية لا يعني أنها تقرر العقلانية. إنها مفارقة الفلسفة التي، وهي تنقسم إلى قسمين، تنفصل لتتحد من جديد، تحتفظ بمكان منفصل لما هو حر، لغير المتوقع، وغير المتنبئ به، لتزاوجه بالحقيقي. ما هو حر منعزل، لكنه غير منفصل عن الحقيقة نفسها؛ إنه يضع نصب عينيه عالم الحقائق، الذي يدين له على الأقل بأن يكون حرا لأجل الآخر، أن يكون حرا في إنتاج شخص آخر غير نفسه. كيف، والحالة هاته، يمكننا أن نتحدث عن “ما تدين به الحقيقة التي تدين للحرية”؟ لنشر دون تأخير إلى أنه لا يمكن أن يكون هناك شك في أن الحقيقة أو الحرية تدين بما هي عليه لأي شخص آخر غير نفسها: ما يمكن أن تدين به الحقيقة للحرية على وجه التحديد ليس وضعها كحقيقة؛ وما يمكن أن تدين به الحرية للحقيقة ليس على وجه التحديد وضعها كحرية.
من أجل فك الارتباط بين هاتين الفكرتين المركزيتين في كتابات شيلينغ الأخيرة، اختارت الكاتبة أن تلفت الانتباه إلى حقيقة ينبغي أن تفاجئنا والتي تدخل في مناقشة ذات صلة وثقى، وإن كانت ضمنية، مع التقاليد ومع التحكيم الذي اقترحه لايبنتز. هذه الحقيقة هي دافع مزدوج نجده في نصوص شيلينغ الأخيرة: سيكون هناك قانونان، يوصفان بـ “ساميين” ولا يمكن لأي واقعة أو حقيقة أن تحيد عنهما، قانون العدالة وقانون الوحدة بين الوجود والفكر. عندئذ تطرح علينا ثلاثة أسئلة لا أقل ولا أكثر:
أولا، مسألة المنافسة المحتملة بينهما: كيف يمكن لقانونين أن يكونا متساويين في السيادة؟ ألا ينبغي أن يكون أحدهما أكثر أساسية؟
ثانيا، مسألة تصالحهما مع الحرية: كيف يمكن أن تكون لهما أيضا قوة القوانين حيال الإله الحر دون أن تكون حريته مقيدة بذلك؟
ثالثا وأخيرا، مسألة أصلهما: إذا كان هذان القانونان مفروضين على الله نفسه، فمن أين يأتيان بالضبط؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة ستمكن من توضيح العلاقة الضرورية التي تربط الحرية بما يسميه التقليد منذ العصور الوسطى “مصدر الحقائق الأبدية” والذي يعتبره شيلينغ العقلانية. سوف تتعامل الكاتبة مع هذه الأسئلة واحدا تلو الآخر. ولن تجيب عنها منذ البداية، بل ستبدأ بتوضيح المعنى الذي يمكن أن تأخذه عند شيلينغ صيغة عنوانها: “ما تدين به الحقيقة للحرية” (1). وانطلاقا من هنا ستوضح قانون أو قاعدة العدالة (2)، وسوف ترى بأي معنى يمكننا أن نقول إن هذا القانون هو قانون خارجي (3). وسوف تكون قادرة بعد ذلك على تأسيس وظيفة وسيادة قانون الحقيقة (4). ولكن بعد ذلك، سينشأ السؤال حول كيف يمكن للحرية الإلهية أن تتكيف مع ضرورتها؛ ستبين بعد ذلك أنه من خلال مواجهة مسألة مصدرها، اعتقد شيلينغىأنه يستطيع الجمع بين الحرية الإلهية وضرورة قانون الحقيقة؛ وسوف نرى شيلينغ يتجادل مع لايبنتز، ومن خلاله، مع التقليد حول الأصل الدقيق لعالم الحقائق (5).
في الخطوة الأخيرة، سنرى أن شيلينغ يقترح حلاً غير مسبوق على الأقل، والذي يتكون من التفكير في الدين الذي تعاقدت عليه الحرية نفسها باعتباره الارتباط الدقيق للهبة الذاتية لعالم الحقائق (6).
1 – ما تدين به الحقيقة للحرية: ثيمة الحياة الزائفة
ركزت الكاتبة في البداية على أصالة شيلينغ عندما تحدث عن الزيف ليس لوصف أي عبارة، بل لوصف أسلوب وجود أو أسلوب حياة. ذلك أن الحياة الأخلاقية لها عنده جذور تسبق الأخلاق، وهي جذور ميتافيزيقية. إن الواجب في النهاية هو دائما أمر لا بد منه، وهو ضروري يتضمن توازنا معينا بين الطاقات والقوى المتناقضة. وقيمة الحياة الطيبة تكمن في هذا التوازن، وقيمة الحياة الزائفة تكمن في عكسه. ولا يمكن قياس أي قيمة أخلاقية دون الإشارة إلى صراع القوى التي تشكل الحياة كلها. ولا يمكن تصور التوازن المعني على أنه مساواة حسابية بحتة، ولا حتى على أنه تناسب. إنه ينطوي على قوى متميزة حقا من الناحية النوعية.
القوة الأولى أساسية في تناقضها، ولا يمكن أن يحدث شيء إذا لم نجعل أساسا هذا الغموض الذي يميزها. لأن القوة الأولى هي كذلك بحيث تميل من تلقاء ذاتها إلى الموضوعية ولا يجب أن تميل إليها. إنها تريد أن تكون لأجل ذاتها رغم أنها يجب أن تكون لأجل الآخر. إنها تتحول بشكل أعمى من القوة إلى الفعل بينما يجب أن تظل قوة خالصة وبسيطة. إنها تميل إلى أن تأخذ مكانها في الموضوعية بينما يجب أن تكون بمثابة دعم وركيزة لموضوعية القوة الثانية. التوليفة الوحيدة التي يمكن التفكير فيها لا يمكنها التضحية بميلها الأعمى إلى أن تريد ذاتها أو بتوجهها إلى محو ذاتها من أجل الآخر. بمجرد ما تريد ذاتها، بمجرد ما تتحول إلى فعل، تجد نفسها مقدرا لها أن يتم إلغاؤها من قبل القوة الثانية. وبالتالي، فإن نفي القوة الأولى هو التوليفة النشطة لاتجاهها الخاص وواجب وجودها.
بيد أن مثل هذه التوليفة تتضمن راهنية القوة الثانية، وبالتالي، من باب أولى، الجوهر النوعي لهذه القوة الثانية. من السهل أن نفهم أن هذه هي القوة الثانية: لأنها لا تفعل إلا من أجل الاستجابة للقوة الأولى. عملها، بهذا المعنى، ثانوي منطقيا. ذلك لأن قدرها احتلال مكان الموضوعية. لذا فإن مكانتها تُغتصب بكل بساطة عندما تصبح القوة الأولى راهنة، ويحدث كل شيء بعد ذلك كما لو أنها وجدت نفسها مطرودة من المكان الذي ينبغي أن تنتمي إليه. من هنا نشاطها كتفاعلية، كمجهود لاستعادة التوازن المتأثر، لتأكيد حقها في الموضوعية. بدلا من أن نكون أمام ميل، نكون أمام مجهود لمقاومة الفعل المقاوم للقوة الأولى. ولأن القوة الأولى بميلها تقاوم القوة الثانية، فإنها لا تسمح لنفسها بأن تُهزم، أو تُهزم بضربة واحدة؛ إنها لا تفسح مكان الموضوعية للقوة الثانية بطريقة مباشرة: لكي تكون ما يجب أن تكون عليه، دعما أو أساسا، نقطة انطلاق أو مسند قدم، يجب أن تصبح كذلك ، يجب أن يكون ميلها إلى الموضوعية على هذا النحو مستنفذا، معبرا عنه بالكامل.
إذن ما هي الحياة الزائفة؟ حياة تدوم ولكنها، كما هي، ليست لها الكلمة الأخيرة. إنها حياة تفسر بمصادرة الموضوعية من قبل القوة الأولى. الحياة التي لا تستجيب لواجب وجود القوى. إنها حياة تثيرها القوة الأولى بمجرد أن تحقق ميلها نحو الموضوعية. حياة كما لو كانت في الاتجاه المعاكس، حيث يتم عكس النظام. إنها حياة تتأثر بالضبط بما يسميه شيلينغ بالشر. إنما في أشهر كتابات شيلينغ تكون المقاربة الميتافيزيقية للوجود الأخلاقي أكثر لفتا للانتباه: يتعلق الأمر ب “أبحاث حول جوهر الحرية الإنسانية” (1809). فيها أثبت شيلينغ أن الانقلاب يكون من قدرة الإنسان وحده بقدر ما يكون حرا لأجل الخير والشر. الحياة الزائفة ليست سوى حياة ممزقة، أو حياة نجت من تقطع الرابط الذي يضمن توازن القوى المنظم. هذا الرابط ليس حلقة تربط بين القوى المتساوية في الحقوق، بل هو رابط يوحد بالتبعية، بإخضاع الإرادة الذاتية للإرادة الكونية. والإرادة الإنسانية هي، في جوهرها، هذه الرابط الذي ينظم القوى، وبالتالي يوحدها. فإذا أنكرت الإرادة الذاتية خضوعها أو تبعيتها للوحدة التي تشكلها مع نقيضتها، تنزل الأخيرة إلى ما دون صفتها الخاصة، الأمر الذي يتعارض مع نظام المبادئ.
إن واجب الوجود هو النظام، أي وحدة المبادئ المنظمة. وطالما ظلت هذه الوحدة دون عائق، يكون الوجود وواجب الوجود غير متمايزين: باستخدام صورة شهيرة للمسيحية، مثل الإنسان الذي خرج من يدي الخالق، فإن الوحدة تُعطى ولكن دون أن تعاش، دون أن تكون واعية بذاتها، دون أن يقع التفكير فيها. إن الحياة الإنسانية حقًا تتطلب المزيد: أن يضطرب النظام، وأن تترك القوة الأولى المكان للذات وتستنفد نفسها رغما عنها لتحتل هذا المكان الذي لا يناسبها – هكذا تعمل، تتفق بشكل أعمى، مع توجهها.
إن الحياة الزائفة تتعارض بلا شك مع واجب وجود القوى الحاضرة. ولكن بدونها لن تكون الحياة الحقيقية فعالة: يتم التغلب على الحياة الحقيقية، والوحدة حية لأنها أعيد تأسيسها، وتبرز الحياة الطيبة ضد الحياة السيئة، إنها الحياة التي تخرج منتصرة من المعركة ضد غزو الإرادة الذاتية. وبما أن الحياة الزائفة تعتمد على الفعل الحر (وهو فعل الإنسان)، فكذلك الحياة الحقيقية.
إن ما تدين به الحقيقة للحرية هو أن تكون فعالة، وأن تكون لنفسها، وأن تنعكس في شخص الإنسان. وهكذا، فإن الكذب والصدق، كصفتين للحياة الفعالة، يفترضان وجود فجوة بين الوجود وما ينبغي أن يكون. يكمن زيف الحياة في هذه الفجوة، وحقيقة الحياة في امتثال الوجود لواجب الوجود الذي يجب التغلب عليه في هذه الفجوة. والباطل هو ما لا يتفق مع واجب وجود القوتين الأوليين. إن ما يخرج منتصرا من الصراع لصالح الباطل هو الحق: إن دينه للباطل هو ما يتوسط دينه للحرية.
(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى