ثقافة و فن
السنة والإصلاح من منظورعبد الله العروي-المصطفى عبدون (الجزء الثاني )

صارت الحداثة في فكر “عبد الله العروي” الخيط الناظم والفكرة المحورية التي يدور حولها فكره كله والتي يتم فحصها وتقليب مختلف عناصرها وأوجهها. لقد أكد العروي على أهمية تنمية الحداثة كركيزة مركزية. يعتبر العروي أن الحداثة موجة كاسحة مكانيا أي كحركة دينامية ذات قدرة قوية على الانتشار أفقيا وعموديا داخل المجتمع الواحد وسيرورة تاريخية كونية متواصلة زمانيا لا يمكن إيقافها، وأن العوم ضدها مخاطرة، حيث “لا يمكن معارضة الحداثة إلا بتجاوزها ولا يمكن تجاوزها إلا باستيعابها.”(العروي، 2006، ص22) وعند طرح الأسئلة حول موقفه من ظاهرة ما بعد الحداثة كان جوابه صارما، بأنها ردة ضد الحداثة، وأن ما بعد الحداثة هدم للحداثة، حتى ولو نظرنا إلى ما بعد الحداثة على أنها تعميق لمسار الحداثة أو هي سرعة ثانية للحداثة، بمعنى أنها استمرار لمنطق الحداثة ولعمقها أو كتعد مستمر لذاتها.
يندرج كتاب “السنة والإصلاح” لعبد الله العروي ضمن مواصلة المشروع الحداثي المتمثل في إنهاض النهضة وتحديث الحداثة حتى لا نبقى مشدودين إلى هيمنة صنمية العقل الحداثي، وذلك عبر الانفتاح على فكر مغاير هو في طور الانتقال إلى حداثة نقدية وتأملية أوسع وأغنى من سابقتها، أي تلك الحداثة التي تتساءل عن ذاتها وتوسع مكوناتها لتشمل الآخربجانب الذات واللاعقل بجانب العقل، والمقدس بجانب الدنيوي. من هنا التوجه نحو نقد العقل التقليدي من حيث هيمنة التأويل السني.
يخرج عبد الله العروي هذا الكتاب من رحم الأسئلة المزعجة التي تؤرق المفكر العربي، دافعة إياه إلى لبس عباءة الفيلسوف/المتكلم/المؤرخ في محاورة ذهنية فريدة تسافر في ثنايا المجال الديني، على شكل جواب مفصل عن تساؤلات سيدة أجنبية مسلمة تجمع ثمان مواصفات: إنها امرأة تلقت تعليما علمانيا صرفا، لغتها الإنجليزية، تخصصها البيولوجيا البحرية، مطلقة من رجل شرقي، تعيش في محيط جد مختلط، لها ولد يقارب التاسعة وتشفق على مستقبله، والدته سيدة أجنبية. هذه المواصفات، مع ما تحمله من مدلولات في الزمن والمكان، جرت عبد الله العروي إلى إخراج عصارة تصوره الشخصي فيما يشبه حوار أديان هادئ، وعميق، ونافذ برحابة فكر أمين لمنهجه التاريخاني.
إن الغرض الأساسي من هذا الكتاب هو الدعوة إلى قراءة الدين قراءة متمعنة تليق بمقامه، فهذا يعني أن المؤلف من خلال أسئلة الكتاب وأجوبته قد صال وجال بشكل منهجي حول ما نسج حول النص-القرآن- من علم الحديث والسنة، وما انبنى حوله من علوم كعلم الكلام والفلسفة. ولم يغفل تلك الصلة التي تربط القرآن بما قبله من الكتب. فما هي الصورة التي رسمها الكاتب عن القرآن، وعن الإسلام، وعن السنة؟ وكيف ندخل الإصلاح، هل من باب السنة أم بتجاوزها؟
1) الدعوة المحمدية امتداد للتجربة الابراهيمية
مرت قرون على نداء إبراهيم، تعاقبت الأجيال، كل جيل خص بنبي يذكره وينذره. ومع كل هذا لم يتغير شيء، الفواجع لم تنته والإنسان لن يقلع عن غفلته وكبريائه. الديمقراطية اليونانية انهارت، والجمهورية الرومانية انتحرت. وكان الشرق قد حسم لصالحه المنافسة الروحية بينه وبين الغرب. وفوق هذا وذاك، فهذا الشرق هو موطن الثروة، والذوق، والحذق، والبراعة.
على غرار إبراهيم وعلى أثره يختزل الوحي المحمدي (الإسلام) الماضي بهدف نفيه، تجاوزه مع الحفاظ عليه كمرحلة، كخطوة تمهيدية، كغواية تقود إلى الهداية؛ ذلك أن الإسلام -كوحي انكشف لفتى عربي سكن مكة وحمل اسما يؤدي معنى الحمد- يعد خاتمة مسيرة الرؤيا الإبراهيمية (العروي، 2008، ص88)، وبالتالي فهو يحيي فينا تجربة إبراهيم القابلة للتجديد والتكرار، إذ يجدد خاتم الرسل والأنبياء التجربة الإبراهيمية، في براءتها الأولى ولا يحيد عنها يستخلص منها العبر كاملة (العروي، 2008، ص71)، يذكر هذا النبي العربي بنداء إبراهيم ويدعو إلى سيرته، يقلده فيقف مثله على العتبة، عتبة الإمبراطورية وعتبة التاريخ (العروي، 2008، ص111)، الشيء الذي جعله وريثا شرعيا لتجربة جده إبراهيم.
يذهب صاحب “السنة والإصلاح” أبعد من ذلك، حينما يعتبر أن صفة الأمية التي كان يوصف بها النبي محمد، هي في الواقع تعود إلى جده إبراهيم، يقول في هذا الصدد: “محمد أمي، ومفروض عليه أن يكون أميا، لأن إبراهيم كان، بل اختار أن يكون، أميا”(العروي، 2008، ص74)، ويعرض أيضا مسألة أخرى تلتقي فيها الدعوة المحمدية بالتجربة الإبراهيمية، وتتعلق بمسألة الكتابة؛ فكلاهما لم يكتبا الوحي، بل اكتفيا بالإصغاء إلى الصدى الإلهي “ليس القرآن كتابا كالكتب [السماوية الأخرى] (…) [فهو] لا يكون ذِكرا إلا حينما يُقرأ ويُتلى، عندما يعاد لفظه وسمعه. وهذا هو الموقف البديهي والضروري لمن يُقلد إبراهيم، [الذي] ينادي ليجاب، يدعو ليُدعى. لا يكتب، لا يملك الوقت ولا الإذن ليكتب، حتى لا يغفل شيئا مما يُلقى إليه،(…) وما التشبه بإبراهيم، وإحياء تجربة إبراهيم في صورتها الأولى، تلك التي انتهى إليها عهد وبدأ عهد، إلا العودة إلى ذلك الموقف المتميز، موقف الإنسان ما بعد الوعي وما قبل الكتاب”(العروي، 2008، صص73-74)
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو كيف وصلت التجربة الإبراهيمية إلى شبه الجزيرة العربية مكان تواجد النبي محمد وقومه؟ للإجابة عن هذا الإشكال يأخذ الكاتب في البحث في السياق التوحيدي الإبراهيمي للعرب، فيؤكد أن العرب (شعب النبي محمد) ليسوا شعبا بدويا، رحالا معزولا في الصحراء، إذ يصحّ أن يقال ذلك عن عرب الوسط. أما عرب الشرق، المندمجون في العالم الفارسي، وعرب الجنوب، المتصلين مع العالم الإفريقي، فأقل بداوة. بينما يظل “عرب الشمال الغربي أكثر تحضراً، وفيهم ظهرت الرسالة. هؤلاء ارتبطوا منذ قرون بعلاقات وثيقة ومنتظمة بمؤسسي الحضارة القديمة في الشام ومصر، وهؤلاء هم شعب النبي، الشعب التاريخي العريق”(العروي، 2008، ص96).
يتساءل عبد الله العروي عن هذا الشعب: لا أحد يعرف من أين جاؤوا؟ ما موطنهم الأصلي؟ ما سرّ إعرابهم، بلاغتهم؟ لغتهم المُبِينَة المتينة كالمنسوخة عن مكتوب، حتى قبل أن تكتب؟ شعرهم؟ حِرَفهم؟ أخلاقهم. (العروي، 2008، ص91). كل هذا لا نعرفه، ولكننَّا نعرف فقط أنهم عاشوا طوال ألف سنة يتذكرون جدهم إبراهيم وتجربته، ثم رافقوا الإمبراطورية الرومانية طوال قرون، في عهديْها الوثني والمسيحي، تارة داخل الحدود، وتارة على الهامش، وقد شاركهم النبي هذه التجربةَ التاريخية ثلثي حياته قبل أن، يتبرأ منهم ويعتزلهم كما فعل قبله جده إبراهيم.”(العروي، 2008، ص94)
يأتي الإسلام في خاتمة هذا التطور العام، كما جاءت تجربة إبراهيم الخليل خاتمة لتطور مماثل أثناء حقبة طويلة سابقة، فجاء محمد ليجدد “تجربة إبراهيم، في براءتها الأولى، ولا يحيد عنها” (العروي، 2008، ص70)، سار محمد على نفس منهج إبراهيم وتضمنت دعوته نفس منطق السنة الإبراهيمية، أي القطع مع تعدد الآلهة وتفضيلالواحد الدائم الذي ينكشف للفؤاد وللسمع وللعين وللمس وللذوق”(العروي، 2008، ص68). فجاء محمد يحركه نفس الهم وسار على نفس خطى إبراهيم وسنته في محاولة الإصلاح، “على غرار إبراهيم وعلى أثره يختزل الإسلام الماضي بهدف نفيه، تجاوزه مع الحفاظ عليه كمرحلة، كخطوة تمهيدية، كغواية تقود إلى الهداية”.(العروي، 2008، ص71)
وبهذا فالإسلام يحيي فينا تجربة إبراهيم.”الإسلام لا يكون إسلاما حقا إلا إذا وضع نفسه في خاتمة المسيرة الإبراهيمية، إلا إذا غالب وغلب كل نزعة تجسيدية، مادية، طبيعية بدعوى إقناع الإنسان البئيس التعيس، الذي لم يبلغ حد التعقل. الإسلام إسلام عندما يتوخى بصدق وصراحة إحياء تجربة إبراهيم من خلال محنة محمد أثناء الأمد المقرر.” (العروي، 2008، ص72)
الإسلام بما أنه آخر القائمة، يتحمل التطور كله ويفخر به. يعتز أنه وارث، متمم، خاتم الرسالات، يعترف أن هناك يهودية تاريخية (قديمة)، سابقة على الإسلام مستقلة عنه، وهناك يهودية مجردة يتحملها ولا ينفيها، كما أن هناك نصرانية (بمختلف فرقها) تاريخية حاربها باللسان وبالقلم وبالسيف للرجوع للتجربة الأصل وهي التجربة الإبراهيمية. “إبراهيم هو الدعامة، هو الأصل، هو الضمان. وتجربة محمد صادقة مادامت إحياء، تجديدا وتصديقا لنداء إبراهيم. يذكر النبي العربي بنداء إبراهيم ويدعو إلى سيرته. خطابه موجه إلى الفرد الواحد وإلى الكافة، إلى كل فرد ضمن الجماعة، إلى كل نفس مستقلة عن الأهل والأسرة والقبيلة”.(العروي، 2008، صص110-122)
يرى العروي أن الواحد في الإسلام لا يحضر، لا ينكشف، لا يتجسد لا في الطبيعة ولا في شعب مميز، بل في كلمة تسمع، تقرأ، تتلى. فالقرآن، “في منحاه العام، ترجيعة متجددة، متسارعة، متنامية لنغمة واحدة، ردة عنيفة على صدمة مروعة، وكشف مذهل. الكشف عن إخفاق الإنسان. الصدمة عن عقوق الإنسان وعناده، الردة على أنانية الإنسان وغروره”.(العروي، 2008، ص61) فالوحي هو التمام والختام، هو ما يبيح للأخلاق السابقة أن تكتمل.
إحياء تجربة إبراهيم في صورتها الأولى، هي العودة إلى ذلك الموقف المتميز، موقف إنسان ما بعد الوعي وما قبل الكتابة. نبي لا يقرأ ولا يكتب؟ نبي لغير أهل الكتاب؟ نبي الأمم والقبائل؟ في كل الأحوال الإشارة إلى معنى واحد، الرحيم، الأصل والمنبت. “ماذا يعني لفظ أمي الذي طال النقاش حوله إن لم يفد هذه الحال بالذات. محمد أمي، مفروض عليه أن يكون أميا، لأن إبراهيم كان، بل اختار أن يكون أميا. إذ هجر الحضارة ووضع إبراهيم نفسه حتما قبل الكتابة.” (العروي، 2008، ص74)
بفضل الحدث الإبراهيمي الذي دشن انفصال الإنسان عن الكوسموس، أي عن الوثنية التعددية، واكتشافه الوحدة الإلهية المتعالية من جهة ثانية، ربط عبد الله العروي بزوغ الحضارة الغربية بالإسلام وإعادة الاعتبار للإسهام الوسطوي، الإسلامي والمسيحي واليهودي، في بناء الحضارة الحديثة. هكذا يكون العروي، من جراء اكتشافه الأصلَ الديني للحداثة الغربية، مدعوا للبحث عن حداثة بديلة من داخل الإسلام، لكن لا الإسلام المتبلور في سُنّة محددة مطوَّقة بجملة من القواعد الفقهية والضوابط الكلامية الصارمة، بل الإسلام الصافي السابق على السُّنة.
2) الإصلاح تجاوز للسنة وعودة إلى أصل الأصول
لقد تجلى الوحي في اللغة في ظروفه التاريخية وإحداثياته الزمانية والمكانية، فالمتعالي لا يتجلى إلا في التاريخ وأن المقدس لايظهر إلا عبر الدنيوي وأن الوحي لايقرأ إلا بلغة مخصوصة، ولهذا يرى بعض الدارسين من القدماء والمعاصرين أن النص القرآني يتسم بكل صفات النص، فقد رأى الجرجاني أن “للكتابة القرآنية خصائص لم تعرف قبل نزول القرآن، ويرى أنها لا تكمن في الكلمات المفردة في جمال حروفها وأصواتها وأصدائها ولا في معاني الكلمات المفردة، التي هي لها بوضع اللغة، ولا في تركيب الحركات والسكنات، ولا في المقاطع والفواصل، وإنما تكمن هذه الخصائص في النظم والتأليف اللذين يقتضيان الاستعارة والكناية والتمثيل وسائر ضروب المجاز فمن هذه يحدث النظم والتأليف، وبها يكونان”(الجرجاني، 1981، ص300).
يؤكد عبد الله العروي أن القرآن ليس كتابا كالكتب، وإنما قراءة الكتاب الأم عبر صيغه المختلفة وتشكيلاته المتوالية. لا يكون ذكرا إلا عندما يقرأ ويتلى، عندما يعاد لفظه وسمعه. وهذا هو الموقف البديهي والضروري لمن يقلد إبراهيم. ينادي ليجاب، يدعو ليدعى، لا يكتب حتى لا يغفل شيئا مما يلقى إليه. ويعتبر عبد الله العروي أن القرآن تحول إلى مدونة “كمصحف يتصفح، كمجموع حروف وكلمات وعبارات، وثيقة مادية كباقي الوثائق. لا اعتراض على إخضاعها لجميع أنواع النقد المعاصر. الأمر مشروع لأن النتائج، مهما تكن، لا تمس في شئ…تجربة النبي الوجدانية. ولا مانع كذلك من أن نخضع للنقد نفسه كل ما تولد عن القرآن في التاريخ، أعمالا وأقوالا وأحكاما، إذ بحلول النبي في المدينة، بانغماسه في مشاغل الدنيا، بوقوعه في حبال التاريخ.”(العروي، 2008، ص125). ورغم أنه كان مازال يسمع ما يُلقى إليه من وحي، لكنه في الوقت نفسه أصبح يصغي لأصوات أخرى، أصوات من حوله من رجال وأصحاب رأي وتجربة.(مزوز، 2018، صص173-174)
يذهب عبد الله العروي إلى أننا أمام دعوتين متباينتين أو لنقل أمام إسلاميين؛ إسلام أول داخلي الذي يحيي التجربة الإبراهيمية ويسير على خطاها، وهو إسلام الوحي، وإسلام ثانٍ خارجي/تاريخي، آفاقي، نسميه إسلام الهجرة، تأخر فيه إبراهيم الخليل تاركا الواجهة لموسى الكليم، وفيه وقع النبي في التاريخ أو لنقل في السياسة وفيما يواكبها من عنف ومكر وخديعة. فالهجرة كانت منعطفا حاسما في تاريخ الإسلام، إذ إنها تبين حسب العروي، كيف أن الدعوة وحدها لا تجدي؛ فالخطاب وحده لا يشرح صدر أحد، ذلك أن الإنسان عنيد، لا يسمع ولا يرى، يستخدم حرية الاختيار التي منحت له فيما يضره لا فيما ينفعه. والمدينة مكان مختلف، فهي في حاجة إلى قائد حاكم أكثر من مصلح مهذِّب.(بنضو، 2019)
وسيتعمق مسار الإسلام التاريخي أكثر فأكثر بعد موت النبي وانقطاع الوحي، ومع حلول الخلفاء محله في مركز القيادة ستنشب صراعات على الحكم وسيتضخم الإسلام السياسي، ليبلغ ذروته مع الدولة الأموية. وفي هذه المرحلة، ستنشأ معضلة السنة والتقليد التي سيبدأ العروي معالجتها وفحصها ونقدها في الفصل السابع من هذا الكتاب، وذلك من خلال تتبع المسار التاريخي الذي تكونت إثره السنة، وتحديد الجهات والشخصيات التي جمعتها وهدفهم من تكوينها، ويرصد كيف أنها رسخت إيديولوجية التقليد وجعلت منه مبدأها الأساس وقطب الرحى الذي تدور حوله كل الأحكام الفقهية.(بنضو، 2019)
يعتبر عبد الله العروي أن “السُّنة تعمل منذ قرون على طي للزمن ولا تشجع أبدا على تمديده وإبرازه”(العروي، 2008، ص196)، فهي تشكل العقبة أمام تحرر العرب من ماضيهم والانخراط في رهان الحداثة، ذلك أن تحول الدين إلى سُنة معناه أنه يتكلس كل مرة في نظام مغلق مناهض لكل البدائل سواء جاءت باسم الاجتهاد أو التحديث، وهكذا تم اختزال الزمن في التكرار والاجترار اللانهائي للماضي، “إذ التكرار عادة في كل منا وفي كل البشر. من هنا تعطشنا على إحياء الموتى. يحلو لكل جيل أن يجدد الولاء لأحد شيوخ الماضي”.(العروي، 2008، ص12)
مما يترتب عنه رفض السنة لكل تعدد أو اختلاف على صعيد الأفراد والجماعات، فتقف بذلك ضد العقل، والحرية، والتاريخ، أي ضد التقدم وكل ما يبعث روح التحدي في الذات. وفي تشبيه بليغ يقول العروي: “السنة دائما حذرة، دائما متأهبة. تخشى باستمرار إما هجمة الخارج وإما مروق الداخل، فتتصرف كالسلحفاة، كلما استشعرت الخطر تقوقعت لتستمسك وتصمد”(العروي، 2008، ص169). إذا كان الزمن هو منبع كل المفارقات، فإن المذهب السني يستمر في الزمن حاملا معه، في كل لحظة، أثار هذه التناقضات. لكن السنة، على ما يبدو لا تعترف بالحدث، لا تقول به، أو لا تعيه على وجه الأصح.
يقرُّ محمد مزوز بأنَّ الغلو الذي يتبدى لنا اليوم في التفسيرات المقدمة للمعتقدات ليس بالعابر أو الزائل، وإنَّما هو مستمر في زماننا الحاضر، وحتى في المستقبل، فبالرغم من خفوته في لحظات معينة، فإنَّه سيعاود الانكشاف من جديد في أشكال وصور مختلفة ومتعدِّدة. وهذا ما يتضح لنا حينما نعود إلى التفاسير المقدَّمة للعقيدة الإسلاميَّة، إذ نجد هناك غلوا لا سواء من قبل التفاسير السنيَّة، أو التفاسير الشيعيَّة، كلاهما سقطا في الغلو، ولا أحد منهم يريد الاعتراف بذلك، وهذا الغلو ما يزال حاضرا وبقوَّة في الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة، وما ينطبق على العقيدة الإسلاميَّة، ينطبق أيضاً على العقيدة اليهوديَّة والمسيحيَّة.(مزوز، 2018، ص9).
فإذا كانت الفلسفة تفكير في الزمن، فإن السنة تسفه علم الكلام، كما سفهت الفلسفة من قبل، بتهمة الفضول والوقاحة. وهي بذلك (أي السنة) معرضة للتلاشي، لأنها “اختزال مستمر. اختزال الوحي في الشرع، ثم اختزال الشرع في عمل مجموعة محدودة من الأفراد. فتأتي القاعدة الصارمة: الطريق السوي هو تقليد هذه الجماعة، في الكبيرة والصغيرة، والمداومة على التقليد جيلا بعد جيل دون ميل أو حيد… تصل السنة إلى هذه الخلاصة مرغمة، تجنبا للمفارقات… إلا أن هذا الموقف، إن كان مبررا داخل المجتمع الإسلامي، لا قدرة له على الصمود في وجه التحديات الخارجية.”(العروي، 2008، ص101)
يجمل عبد الله العروي منطلقات الموقف السني التقليدي في اعتبارات أربع: أولها أن القرآن هو كلام الله الذي يدلنا وحده على ما يريد الله منا ولنا، وثانيها اعتبار النبي وحده هو الترجمان بيننا وبين الله. وثالثها اعتبار الصحابة وحدهم المؤهلون لإبلاغنا التوضيحات. وأخيرا أن العرب وحدهم، هم الذين يدركون تلقائيا معنى الكلمات والعبارات والتشبيهات الواردة في القرآن، وفي الحديث، وفي شهادة الصحابة (العروي، 2008، ص133). وهذه الاعتبارات كانت لها انعكاسات بالفعل في كل مجالات الفكر، والمجتمع والدولة. لقد تراجع الرأي لصالح الحديث، وتراجع العقل لصالح النقل، وتراجع الباطن لصالح الظاهر.
وهكذا – يقول عبد الله العروي- نرى حقولا معرفية واسعة تهمل تدريجيا الواحد بعد الآخر أثناء مسيرة تراجعية دامت سبعة قرون. ولا يفوت عبد الله العروي أن ينتقد تصور الفكر السني للعلم. إذ على الرغم من أن كتب السنة تخصص فصولا طويلة للعلم، إلا أن الغرض منها هو حصره فيما هو شرعي. من هذا المنظور، فإن العلم كالإيمان كامل، ثابت، جاهز، وموهوب. لعل السؤال الذي حركه للتفكير على هذا المنوال هو كيف الانفلات “من سجن الزمنية السنية” لإخراج الإسلام من مآزقه وتناقضاته، وعلاجه من أمراضه الذاتية والعرَضية؟
حسب محمد المصباحي يقدّم عبد الله العروي، وَصْفة قائمة بالضبط على أصول الأصول حفاظا منه على هويتها وضمانا لمستقبلها. لقد مارس صاحب كتاب (السنة والإصلاح) نوعا من الحفر وراء “الأصولية” المحافظة، لاكتشاف أصول أخرى وراءها، أصول محرَّرة ومحرِّرة للأفراد والجماعات من جبروت الزمن السني. والتحرر من زمن السنة معناه الانفتاح على زمن الحدَث. لا يمكن فهم، أو بالأحرى، شفاء الإسلام من الأمراض التي يعاني منها إلا بالعودة إلى الأصول، لكن لا الأصول الثانية التي شذبتها السُّنة، وإنما الأصول الأولى، الأصول السابقة على التشذيب. وهذا يعني الرجوع إلى اللحظة البريئة الفطرية السابقة للسُّنة أي التأسي بالتجربة المحمدية التي هي صدى أصيل للتجربة الإبراهيمية من خلال “استعادة اللحظة الإبراهيمية كما تجسدت في الإسلام قبل السنة “مستغنيا عن كل الوسائط من شراح ومفسرين ومؤولين”(العروي، 2008، ص9)، حيث اعتبر محمد المصباحي أننا “أمام تاريخانية من طراز جديد، تاريخانية ما بعد حداثية، تفتح الباب أمام لقاء غير مشروط بين اللوغوس والميثوس في لحمة لا تنفصل.”المصباحي،2014)
فقد كان عبد الله العروي، يروم من ورائه فهم الأزمة الخانقة التي يعيشها الإسلام، وتقديم بديل يتمثل في إسلام صاف لا تحجبه سُّنة أو مذهب صارم. منطق التفكيك قاده إذن إلى الوقوف على ما قبل السُّنة، ليُقيم مصالحة بين العقل الحداثي والعقل الإيماني، كما فعلت “ما بعد الحداثة” مع تراثها ما قبل السقراطي الذي عملت الأفلاطونية والأرسطية على نسيانه، أو مع التراث الوسطوي الذي أنسته النهضة والحداثة. وبالمثل أراد عبد الله العروي أن يفكر في الأزمة بالرجوع إلى ذات “ما قبل السنة”، لاكتشاف أعراض وأسباب أمراضها وتقديم وصفة لشفائها. فالعقل “ما بعد السني”، كالعقل “ما قبل السني” لا يمكن أن يكون بطبيعته إلا منفتحا على البدائل الأخرى وله قدرة على إثبات قوته وجدارته وقابليته للتفاعل مع الحداثة، “علينا إذن، لكي نتحرر فكريا، لنواجه مشاكلنا في العمق، أن نتخطى، على الأقل نظريا، منظور الغير، أي علينا أن نقفز فوق حدود الزمن والمكان”.(العروي، 2008، ص205)
هذا وكان لدى عبد الله العروي، هاجس وحدة ثقافة البحر الأبيض المتوسط قويا، حتى لا تكون هناك ذريعة لأي كان للتبشير بمعاداة غير مبَرّرة من الضفتين، بين الحداثة والإسلام، بين العرب والغرب. وقد تمكّن عبد الله العروي من تكريس هذه الوحدة بين الضفتين بفضل إثباته اشتراك الضفتين في السجلين الأساسيين الإبراهيمي والهلستيني. يؤكد العروي على سريان السجل الهلستيني في ثقافات البحر الأبيض المتوسط الدينية والحداثية، وسريان الدعاء الإبراهيمي في الديانات الثلاث. وهذا معناه أن العروي لا يؤسس تاريخه الحضاري على روحانية الأنبياء فقط، بل وأيضا على عقلانية الفلاسفة والمتكلمين والفقهاء. لعل الأفق الصوفي الذي وضعه نهاية لكتابه هو الذي سمح له باستشفاف البديل، حيث مكّنه من الانفلات من “سجن الزمنية السنية… وإعادة تركيب العقائد البديلة… بالرجوع إلى المسائل، نقاط الخلاف، وإليها وحدها”.(العروي، 2008، صص175-176)
على هذا المنوال يمكن نزع فتيل التصادم بين الإسلام والحداثة، وفتح الطريق نحو تطوير الإسلام للحداثة وتطوير الحداثة للإسلام، في إطار ثوابت الحداثة العقلانية والعلمانية والليبراليةنراه يبشر بتاريخانية أسطورية “تنهض بخاصة على أساس راموز إبراهيم القائم على زمن وتاريخ رمزي حكائي بدل التاريخ الفعلي، والزمن المعاش. فعندما كان يتكلم مثلا عن النبي إبراهيم، لم يكن يهمه إبراهيم التاريخي، وإنما إبراهيم “الراموز”، الذي يفسر رفض العرب اعتناق اليهودية والمسيحية، أملا منهم في مجيء نبي يؤكد الوعد الإبراهيمي بتأسيس دولة تملأ الدنيا والزمن شرقا وغربا.”(المصباحي،2014)
ويضيف محمد المصباحي، أن عودة العروي إلى ما قبل السُّنةشبيهة بعودة كل من نيتشه وهيدغر إلى الفلسفة السابقة على سقراط، لأنه يعتبر كل ما جاء بعد التجربة المحمدية هو مجرد تحريف لها، أي تجميد للحدث الإسلامي بإفراغه من طاقته الفعالة وصبه في قالب السُّنة الجامد. وكما نجد هيدغر يعود إلى الفلسفة ما قبل السقراطية ليكشف عن الحقيقة الأصلية للعلم والفلسفة، أي عن العناصر التي تشكل البديل الذي يقترحه لحل معضلة الحداثة، فإننا نجد العروي يعود إلى ما قبل السنن الدينية، أي إلى النداء الإبراهيمي، ليثبت بأن الرسالة الإسلامية هي التي فهمت نداء إبراهيم الخليل فهما حقا. أما الرسالتان اللتان سبقتاها، اليهودية والمسيحية، فهما مدعاة للسخرية والاستهجان إما بسبب طابعهما التجسيدي، أو بحكم طابعهما اللاعقلاني. وبالتالي فإن حل أزمة الحداثة قد يكون بالرجوع إلى الإسلام الجامع بين الحدثين الإبراهيمي والهلستيني.
3) خاتمة
اعتبر عبد الله العروي “أن الظرف التاريخي يفرض علينا فرضا أن نغامر ونتقدم في الحقول الملغومة”(العروي، 2008، ص163)، الغاية من وراء ذلك هو إخراج الإسلام من المأزق الذي يتخبط فيه وتحرير الحداثة المعطوبة من طريقها المسدود عبر التخلص من عائق التسنن الذي أرهق كياننا وشوه ذاتنا ورهن هويتنا وأقعدنا عن التحدي والفعل. “لا سبيل إلى العلم الموضوعي دون طرق باب التاريخانية.”(العروي، 2008، ص159)، يتعلق الأمر هنا ب”ما بعد التاريخانية” التي تسعى للتحرر فكريا من حبائل السنة من خلال فك الارتباط بينها وتجليات الحياة المختلفة وتخطي قلاعها التي طوقت الدين، والفلسفة، والعلم والتصوف، والنظر إلى هذه الفضاءات بدون حجاب، من غير مشيخة، ولا مرجعية، ولا نظيم أو أنظوم.
حسب محمد المصباحي، فإن عبد الله العروي ذهب أبعد من ذلك، عندما اعتبر الإسلام هو الوريث الشرعي للحدَث الإبراهيمي في قوته وصفائه الذي يؤرخ لميلاد فكر الوحدة والواحد، وللحدث الهلستيني في شموليته وعقلانيته والمتمثل خاصة في الانتباه للزمن ولعالم الكون والفساد، ليستخلص بأن الحداثة الغربية هي بالضبط بنت الحضارة الإسلامية، وليس اليهودية والمسيحية، إذ هي التي حملت في أحشائها بذور الإنسية والحرية والعقلانية. بهذا النحو يكون العروي قد قدّم الإسلام بوصفه الخيط الناظم الجديد للحداثة وما قبل الحداثة ولحضارات البحر الأبيض المتوسط.
المصادر والمراجع:
-
الجرجاني، عبد القادر.1981. دلائل الإعجاز في علم المعاني، تحقيق محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت.
-
المصباحي، محمد.2014.”صراع الحدث والسنة في كتاب السنة والإصلاح لعبد الله العروي”. مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.
-
مراد، بنضو. 19 يونيو 2019. قراءة نقدية لإشكالية الوحي بين الذّاكرة والزّمن في كتاب السّنة و الإصلاح .https://www.mominoun.com/articles
-
العروي، عبد الله. 2008.الإصلاح والسنة، المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء.
-
لوزيير، هنري. 2018.صناعة السلفية: الإصلاح الإسلامي في القرن العشرين، أسامة عباس وعمرو بسيوني، ابن النديم للنشر والتوزيع ودار الروافد الثقافية ــ ناشرون، بيروت، الجزائر، الطبعة الأولى.
-
مزوز، محمد. 2018.فلسفة الدين بين التجربة الباطنية والتأمل النظري، مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع، الرباط، الطبعة الأولى.




