افتتاحية

برشيد قبل انتخابات 2026: صراع الأسماء يتصاعد والمواطن خارج الحسابات

الحنبلي عزيز -متابعة

 في برشيد، لا أحد ينتظر انطلاق الحملة الانتخابية رسميًا. المعركة بدأت فعلًا، لكن بعيدًا عن المنصات والخطب والشعارات. ما يجري اليوم داخل الأحزاب ليس نقاشًا حول البرامج ولا حول انتظارات الساكنة، بل هو سباق محموم حول من يضع يده على التزكية ومن يُنتزع منه حق قيادة اللائحة قبل الوصول إلى يوم الاقتراع. فحين يُحسم اسم رأس اللائحة، يكون نصف الطريق إلى المقعد قد رُسم، والباقي مجرد تدبير للحملة وتعبئة للآلات الانتخابية. هذا التسابق المبكر تغذيه أيضًا الأجواء الوطنية التي دخلت منذ 2025 في مرحلة التهييء السياسي والقانوني لانتخابات 2026.

برشيد لا تدخل هذا الموعد من موقع الهدوء، بل من موقع الارتباك وإعادة تركيب النفوذ. فالإقليم عاش خلال الأشهر الأخيرة على وقع هزات سياسية وإدارية قوية: المحكمة الإدارية قضت في نونبر 2025 بتجريد رئيس جماعة برشيد، الاستقلالي طارق القادري، وعدد من نوابه ومستشارين من مهامهم، قبل أن تنتقل رئاسة الجماعة في دجنبر 2025 إلى منال بادل عن حزب التجمع الوطني للأحرار. وبعد أسابيع فقط، فاز الحزب نفسه أيضًا برئاسة جماعة الدروة في يناير 2026، في سياق سبقه توقيف رئيس الجماعة هناك. هذه التحولات ليست تفاصيل تدبيرية معزولة، بل مؤشرات على أن ميزان القوة المحلي يعاد تشكيله قبل أشهر من الاستحقاق التشريعي.

لهذا السبب تحديدًا، تبدو التزكيات في برشيد أخطر من الحملة نفسها. داخل عدد من الأحزاب، الصراع لم يعد بين مشروعين سياسيين بقدر ما صار بين شبكات نفوذ محلية: منتخبون يريدون ترجمة حضورهم الترابي إلى تمثيل برلماني، برلمانيون سابقون يرفضون التقاعد السياسي، وأعيان جدد يحاولون شراء مكان لهم في الصف الأول عبر منطق “الجاهزية الانتخابية” أكثر من منطق الشرعية النضالية. تقارير محلية حديثة تحدثت صراحة عن اشتعال سباق التزكيات داخل الإقليم، وخصوصًا داخل الاستقلال والأصالة والمعاصرة، مع حركية متسارعة لحسم من سيقود اللوائح. هذه المعطيات تبقى أقرب إلى قراءة الكواليس منها إلى إعلان رسمي نهائي، لكنها تعكس حجم التوتر داخل البيوت الحزبية.

المفارقة أن الخطاب الحزبي العلني ما زال يتحدث عن “الكفاءة” و”تجديد النخب” و”ربط المسؤولية بالمحاسبة”، بينما ما يجري ميدانيًا يوحي بشيء آخر: من يملك القابلية الانتخابية يقترب، ومن يملك فقط التاريخ الحزبي يتراجع. هذا التناقض ليس خاصًا ببرشيد وحدها، بل يظهر أيضًا في النقاش الوطني الأوسع، حيث تحدثت تقارير عن سباق أحزاب الأغلبية وغيرها نحو استقطاب وجوه شابة ونافذة، وعن عودة أسماء مألوفة إلى الواجهة في أكثر من دائرة انتخابية. في برشيد، يأخذ هذا المنطق شكلًا أكثر حدة لأن الإقليم يجمع بين الثقل الديمغرافي، والقرب من الدار البيضاء، والتنافس بين المدينة ومحيطها القروي وشبه الحضري.

وإذا كان حزب الاستقلال يدخل هذا الموعد وهو مثقل بتداعيات عزل رئيس جماعة برشيد، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط من سيكون مرشحه، بل: هل يستطيع الحزب تسويق صورة جديدة بعد ضربة سياسية بهذا الحجم؟ فالعزل القضائي ليس مجرد حادث عابر في الذاكرة الانتخابية المحلية؛ إنه نقطة ضعف ستُستعمل ضده بقوة في أي مواجهة مقبلة، خصوصًا إذا راهن مرة أخرى على منطق الاستمرارية أو على تدوير الوجوه نفسها. في المقابل، يبدو التجمع الوطني للأحرار أكثر استفادة من التحولات الأخيرة، بعد تمكنه من الإمساك برئاسة جماعة برشيد ثم الدروة، وهو ما يمنحه موقعًا تفاوضيًا أقوى في أي نقاش داخلي حول رأس اللائحة ومَن الأحق بقيادة المعركة.

لكن التقدم التنظيمي لا يعني الحسم السياسي. فالأحرار أنفسهم، على المستوى الجهوي والوطني، دخلوا مبكرًا في أجواء التحضير للاستحقاق وعينهم على الصدارة، غير أن هذا النوع من الأحزاب يواجه عادة معضلة معروفة: كثرة الطامحين إلى التزكية قد تتحول إلى بؤرة انقسام إذا شعر أكثر من قطب محلي بأنه الأحق بقيادة اللائحة. وكلما ارتفعت قيمة المقعد، ارتفع معه منسوب التوتر الداخلي. هذا ما يجعل سؤال “من سيكون رأس اللائحة؟” أخطر من سؤال “من سيفوز؟”.

أما الأصالة والمعاصرة، فصورته في برشيد تبدو أقرب إلى حزب ينتظر لحظة الانقضاض إن أحسن اختيار واجهته الانتخابية. الحزب حاضر في النقاش الوطني حول القوانين الانتخابية وشروط الأهلية للترشح، ويحاول التموقع كفاعل قوي في 2026، لكن محليًا يظل رهانه رهينًا بقدرته على تقديم اسم قادر على جمع المتفرقين داخل الحزب وطمأنة الكتلة الناخبة المترددة. تقارير محلية أشارت إلى احتدام النقاش حول التزكيات داخله أيضًا، ما يعني أن الحزب ليس خارج لعبة الشد والجذب التي تحكم برشيد حاليًا.

في الخلفية، هناك عنصر آخر لا يقل أهمية: السلطة التنظيمية والقانونية المحيطة بانتخابات 2026. وزارة الداخلية باشرت منذ 2025 مشاوراتها مع الأحزاب للتحضير للاستحقاقات، فيما أثارت مشاريع القوانين الانتخابية نقاشًا حول أهلية الترشح، وشروط المنافسة، والضبط القانوني للعملية الانتخابية. هذا يعني أن الأحزاب في برشيد لا تختار فقط مرشحيها، بل تختبر أيضًا أي الأسماء قادرة على عبور غربال القانون والصورة العامة والقدرة التعبوية في آن واحد.

والأخطر في كل هذا أن المواطن في برشيد قد يجد نفسه مرة أخرى أمام مسرحية التقديم المتأخر للبرامج والتقديم المبكر للأسماء. فالذي يتحرك الآن في الكواليس ليس ملف التشغيل ولا الصحة ولا النقل ولا البنيات الأساسية، بل خرائط الولاء، وحسابات التوازنات، ومن يضمن “الكتلة التصويتية” ومن يملك مفاتيح الأحياء والدوائر والعلاقات. هنا بالتحديد تكمن المفارقة المؤلمة: المدينة التي تحتاج نقاشًا سياسيًا جديًا حول التنمية، تُدفع مرة أخرى نحو انتخابات تُدار من باب الأشخاص أكثر مما تُدار من باب التصورات.

ما يجري في برشيد اليوم ليس مجرد استعداد عادي لانتخابات قادمة، بل حرب مبكرة على التزكيات. الأحزاب تتحرك، لا لأنها حسمت مشاريعها، بل لأنها تخشى أن يتأخر الحسم في الأسماء. ومع كل يوم يمر، يتأكد أن المعركة الأولى ليست مع الناخب، بل داخل الحزب نفسه. ومن سيربح رئاسة اللائحة أولًا، قد يكون قد ربح المعركة الأهم قبل أن تبدأ الحملة أصلًا. أمّا الأسماء النهائية لرؤساء اللوائح، فلا يبدو أنها حُسمت علنًا بشكل موثق بعد، لكن المؤكد أن برشيد دخلت بالفعل مرحلة الفرز السياسي المبكر تحت عنوان واحد: من يملك التزكية يملك أفضلية السبق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى