الحنبلي عزيز -برشيد
مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر 2026، يدخل إقليم برشيد على إيقاع حركية سياسية متسارعة، عنوانها الأبرز التنافس المحتدم داخل حزب الاستقلال حول نيل تزكية “الميزان”، في سباق انتخابي لا يبدو عادياً بقدر ما يعكس تحولات أعمق في بنية النفوذ السياسي المحلي.
تشير المعطيات المتداولة داخل الأوساط الحزبية إلى أن لائحة المتنافسين على التزكية تشهد توسعاً ملحوظاً، مع دخول اسم الشاب محمد لحريزي، عضو المجلس الجماعي لبرشيد، كوجه جديد يسعى لفرض حضوره ضمن خريطة التنافس، إلى جانب أسماء وازنة مثل خالد الإبراهيمي، رئيس جماعة سيدي المكي، والنقيب رضوان مفتاح، فضلاً عن البرلماني طارق قديري.
كما برز في الآونة الأخيرة اسم خالد الإبراهيمي كأحد أبرز المرشحين المحتملين لقيادة اللائحة البرلمانية بالدائرة، في مؤشر على قوة حضوره داخل دواليب الحزب، وعلى مستوى علاقاته داخل اللجنة التنفيذية.
هذا التعدد في الأسماء لا يعكس فقط حيوية داخلية، بل يكشف أيضاً عن غياب توافق مبكر، ما يجعل السباق مفتوحاً على جميع السيناريوهات، بين الحسم التوافقي أو فرض مرشح من المركز.
لا يمكن قراءة هذا التنافس بمعزل عن السياق السياسي المحلي الذي تعيشه برشيد، والذي اتسم خلال الأشهر الأخيرة باضطرابات قوية، كان أبرزها قرار المحكمة الإدارية في نونبر 2025 القاضي بتجريد رئيس جماعة برشيد، طارق القادري، وعدد من المنتخبين من مهامهم.
هذا القرار أحدث فراغاً سياسياً نسبياً، وأعاد خلط أوراق النفوذ داخل الإقليم، ما فتح المجال أمام بروز فاعلين جدد، وساهم في رفع منسوب التنافس داخل الأحزاب، وعلى رأسها حزب الاستقلال.
في خضم هذا التنافس، يبرز نقاش داخلي حول آلية اختيار المرشح، حيث يدعو عدد من المتتبعين ومناضلي الحزب إلى اعتماد مقاربة ديمقراطية تقوم على إشراك القواعد المحلية والتنظيمات الموازية في عملية الاختيار.
في المقابل، لا يستبعد آخرون سيناريو الحسم المركزي، عبر تدخل القيادة الوطنية للحزب، في ما يوصف داخل بعض الأوساط بـ”الإملاءات الفوقية”، خاصة في ظل حساسية الدائرة انتخابياً.
ويعتبر أنصار المقاربة التشاركية أن المرشح الأقوى يجب أن يحظى بدعم الفروع المحلية، بما يضمن وحدة الصف الداخلي ويعزز حظوظ الحزب في المنافسة، في حين يرى المدافعون عن الحسم المركزي أن المرحلة تتطلب اختيار شخصية قادرة على تمثيل الحزب وطنياً وليس فقط محلياً.
يتركز الصراع، وفق المعطيات المتوفرة، بين اسمين بارزين: خالد الإبراهيمي ورضوان مفتاح، في مواجهة تعكس اختلافاً في الرهانات والخلفيات.
فالإبراهيمي، البرلماني السابق ورئيس جماعة سيدي المكي، يعتمد على شبكة علاقاته داخل الحزب، ودعم عدد من القيادات الجهوية، إضافة إلى رغبته في “رد الاعتبار” بعد حرمانه من التزكية في الانتخابات الجزئية لسنة 2017.
في المقابل، يراهن رضوان مفتاح على مساره المهني كأحد أبرز وجوه المحاماة بالمغرب، بصفته نقيباً للمحامين ونائب رئيس جمعية هيئات المحامين، إلى جانب حضوره في المحافل القانونية العربية والدولية، ما يمنحه صورة “الكفاءة التقنية” القادرة على مواكبة تحديات المرحلة.
هذا التباين بين “السياسي المجرب” و”الخبير القانوني” يعكس صراعاً ضمنياً حول طبيعة التمثيلية المطلوبة: هل هي تمثيلية قائمة على النفوذ السياسي، أم على الكفاءة المهنية؟
المعطى الأكثر إثارة يتمثل في دخول فاعلين من خارج حزب الاستقلال على خط التنافس، حيث أفادت مصادر محلية بأن منتخبين ينتمون إلى حزبي الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار شرعوا في التواصل مع قيادات استقلالية، سعياً لنيل تزكية “الميزان”.
هذا التحرك يعكس تحولات في الولاءات السياسية، ويطرح تساؤلات حول حدود الهوية الحزبية، خاصة إذا ما تم منح التزكية لوجوه “وافدة”، وهو ما قد يثير ردود فعل داخل القواعد الحزبية.
في نهاية المطاف، يبقى القرار النهائي بيد الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، الذي سيحسم في اسم المرشح، في ظل توازنات معقدة تجمع بين الاعتبارات التنظيمية، والرهانات الانتخابية، وضغوط الفاعلين المحليين.
ومن المرتقب أن يتم الإعلان عن اللائحة النهائية خلال الأسابيع المقبلة، في سياق استعداد مبكر للانتخابات، وسط ترقب واسع من قبل الفاعلين السياسيين والساكنة المحلية.
لا يبدو الصراع حول تزكية “الميزان” ببرشيد مجرد تنافس انتخابي عادي، بل يعكس تحولات أعمق في بنية الحقل السياسي المحلي، حيث تتقاطع رهانات النفوذ، وإعادة تشكيل التوازنات، مع أسئلة الديمقراطية الداخلية والشرعية التمثيلية.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو برشيد أمام اختبار سياسي حقيقي: هل ستفرز هذه الدينامية مرشحاً توافقياً قادراً على توحيد الصفوف، أم ستعمّق الانقسامات داخل الحزب وتؤثر على حظوظه الانتخابية؟