ثقافة و فن

فرانسيسكا ريفيتي باربو: “الحقيقة والحرية. من المعرفة العادية إلى الفلسفة “(الجزء الأول)

أحمد رباص ـ تنوير
من البصمات والآثار الدالة على قيامي بمحض إرادتي بجولة طويلة في قارة الفلسفة بحثا عن مفهومي الحقيقة والحرية، يسعدني أن أضع بين أيدي الأصدقاء شهادة كتاببة على بلوغي مرحلة حططت فيها الرحال عند الفيلسوفة البولندية فرانسيسكا ريفيتي باربو (1922-2009) لنتحلق حول أحد نصوصها الذي كرسته لما نحن بصدد البحث عنه. يتعلق الأمر بمقالها المترجم من اللغة البولونية إلى اللغة الفرنسية والمنشور في مطلع ألفتينا الحالية تحت عنوان: “الحقيقة والحرية. من المعرفة العادية إلى الفلسفة”.
من الناحية المنهجية والتنظيمية، وزعت الفيلسوفة باربو مقالها على بضعة محاور. في المحور الأول، تحدثت عن الأزمات التي تعاني منها المجتمعات الأوربية، وعن تعدد التصورات حول الحرية. وهكذا تبدأ بالإشارة إلى أن هناك اليوم العديد من المفاهيم عن الحرية مختلفة تماما عن بعضها البعض. هذه علامة على واقعة أن المجتمعات الغربية حاليا هي بلا شك متعددة الثقافات. تتوقف فكرة أننا نعيش الحرية، فعلا وتحديدا، على ثقافتنا: ذلك أن كل واحد منا يتقاسمها، عادة، مع مجموعة أو أخرى من الناس.
إن تعدد تصورات الحرية الذي تتميز به المجتمعات الغربية، هو أحد أعراض الأزمات الثقافية التي تتخبط فيها. وهو أيضاً أحد أسبابها: وربما هو سببها الرئيسي.
ما العمل؟ هل نشكل ثقافة جديدة للحقيقة؟ ما العمل إذن من أجل أن تتجاوز المجتمعات الغربية أزماتها الثقافية؟ يجب الكفاح، ولو ضد التيار، من أجل “ثقافة الحقيقة” جديدة ومتجذرة في الحكمة المسيحية لشعوب اوربا. إن “ثقافة الحقيقة” هذه قادرة بالضبط على تأسيس “مدنية المحبة”.
هذا الارتباط (بين هذه الثقافة ومدنية المحبة) يرجع قبل كل شيء إلى حقيقة أن الحرية الحقيقية في هذه المجتمعات مرتبطة ارتباطا وثيقا بالحقائق التي تمكنت من الاعتراف بها: يصبح ذلك واضحا بمجرد وصولها إلى مفهوم صحيح عن الحرية (كما سنرى لاحقا). إنها أولاً وقبل كل شيء حريتنا الداخلية الحقيقية: وهي الأكثر أهمية لأنه بدونها لن تكون هناك حرية خارجية حقيقية.
إذن، “ثقافة الحقيقة” هاته هي شرط أساسي للحرية الحقيقية وازدهارها. لذلك، من المهم للغاية أن تترسخ وتنتشر بفضل الجهود المبذولة إن أمكن من الجميع.
من بين أهم الحقائق إليكم ما يتعلق بحريتنا. في المقام الأول، هناك حقائق تجعلنا نفهم ماهية الحرية الإنسانية الحقيقية، الداخلية. باعتبارنا “فلاسفة”، يقع على عاتقنا تسليط الضوء عليها. إليكم بالضبط حجتي:
سأبدأ بوصف أحد أعمالنا الحرة، الذي يعطي لمحة عامة عن غنى مكوناته. هكذا أستطيع في ٱن واحد رسم الخطوط العريضة لتصور صحيح عن حريتنا، وبعض الطرق الأساسية (كل منها مختلف تماما عن الآخر) التي يستخدمها الناس للتفكير في حريتهم. على هذا الأساس سنسعى إلى معرفة أي الأسباب المبدئية للصعوبات التي نصادفها على هذا السبيل. يتعلق الأمر بنفس الأسباب التي هي أيضا أصل ما يسمى بالاختلافات بين تصورات الحرية، التي تبدو اليوم ملموسة وواسعة الانتشار.
ويمكن تقديم تفسيرات مختلفة لهذه الصعوبات، تقع على مستويين: من ناحية تفسيرات أكثر بساطة، من ناحية أخرى، أسباب أكثر عمقا. هذه الأخيرة هي الأهم: مع أنه يحدث أننا لا نلاحظها. هكذا سوف نصل إلى جوهر المشكلة، سوف نجد شيئا به نتجاوز كل عقبة ونوضح أسس حريتنا والسبب الرئيسي في اتساع مداها.
ما العمل لتعزيز حريتنا الحقيقية، هل بفضل “ثقافة الحقيقة”؟ نحن بحاجة للحديث عن ذلك للجميع، وخاصة لمن هم أصغر سنا بطريقة يفهمونها. لكننا لم نعد نفهم بعضنا البعض. هذا تعبير صحيح تماما اليوم؛ ما دام أن اللغة نفسها تغيرت. ولجعل المصطلحات مفهومة، لا بد من إعادة تقديمها مرة أخرى؛ ولهذا ليس هناك أفضل من الأمثلة.
هكذا نصل إلى المحور الثاني الذي يتناول بالشرح والتحليل المسند الحامل لوصف للحرية والمتخذ هنا كمثال أول. للقيام بذلك، بدأت الكاتبة بإحدى تجاربنا الأكثر شيوعا: يجب أن يكون هذا خطابا موجها للجميع. ماذا يحدث عندما نتخذ قرارا حرا؟ قبل كل شيء، كل قرار حر هو عمل حيوي، يقوم به كائن واقعي: جوهر حي، رجل-أو-امرأة، عارف ولديه ميول. قررت، بحرية، أن أتسلق هذا الجبل، مع هؤلاء الأصدقاء وهذا المرشد. لماذا قمت بذلك؟ لأن ذلك يجذبني، كإحدى أمنياتي. هذا في الواقع ما أتمناه لنفسي، أن أشاهد منظرا جميلا جدا من الأعلى جداً، أن أقضي يوما رائعا مع هؤلاء الأصدقاء وهذا المرشد.. انخرطت في هذا البرنامج بهدف الحصول على راحة مفيدة طوال حياتي، مع مراعاة وحدتها: بطريقة يستطيع معها كل ذلك أن يتناغم أيضا في وحدة لاحقة… هذا المرشد، هؤلاء الأصدقاء، هذه الراحة…، كل ذلك جيد حقا، بالإضافة إلى أن كل ما تم جرده حتى الآن، هو شيء ما (كائن).
الأشياء التي يقع عليها اختياري معقدة، متغيرة، متحدة بالروابط التي تشكل شبكاتها. لنر عن كثب كيف يقدم كل ذلك نفسه: ما أختاره (أي هذه الكائنات الجميلة جدا والحسنة جدا)، أمر معقد للغاية، وقابل للتغير. أكثر من ذلك، كل هذه الكائنات مرتبط بعضها ببعض (وبأشياء أخرى أيضا)، بطريقة تتشكل معها شبكات (هي أيضا معقدة للغاية ومتحركة).
مشاريعي تستهدف الواقع ولا يزيغ ناظري عن الإمكانات. أختار هذا المشروع أو ذاك، وأنا أتوقع أن يتحقق. في هذه الأثناء، هو احتمال واحد فقط: شيء ممكن. غايتي الأخيرة، قراراتي الحرة، لا أستطيع عزلها أبدا عن بقية حياتي: إنما إذن وأنا أتطلع دائما إلى تحقيق هدف عام معين أتخذ قراري.
بالنسبة إلى الصعوبات، فلسوء الحظ، يمكن لحادث سيئ أن يحدث دائما. وبالنسبة إلى تجاربي الداخلية؛ أي “ٱبيتوسي” (فضائل، رذائل، عادة التحكم في النفس أو سهولة فقدان السيطرة عليها..) لها تأثير ملحوظ على قراراتي الحرة. من أعماق باطني ينبعث صوت ضميري ليكون مسموعا.
كل ما أفكر فيه بهذا الصدد، أعرفه (بوضوح أكثر أو أقل). أقول في قرارة نفسي: صحيح أن هذا المرشد رائع حقا، أو: صحيح أن هذه النزهة مريحة حقا، إلخ… كل ذلك أريده من خلال أفعال إرادية. لكن، ماذا لو امتنعت عن اتخاذ القرار؟ أحيانا أقرر عدم اتخاذ أي قرار بخصوص أمر ما.
الخلاصة، إذن، هي أن حرية الإنسان تتكون من متواليات من أفعال التصرف (أو عدم التصرف) (أ) المقترفة من قبل رجل-أو-امرأة؛ (ب) المؤلفة من أفعال معرفة، وتطلع إلى، شيئ ما: بما في ذلك، على أية حال، أفعال التفكير والإرادة؛ (ج) المشروطة بما يتعلق بالفاعل. بالإضافة إلى أن (د) كل فعل من هذه الأفعال له تأثيره على الأفعال الحرة، المتعاقبة، لنفس الشخص. كل هذا يساهم إذن في تكوين شخصيته. هذه المكونات وهذه الخصائص موجودة مع أي فعل حر، بشري.
هناك أربع ملاحظات على مدى حريتنا: إما (1) على حسابنا، أو (2) لصالحنا؛ أو مع (3) حوافز على بلوغ المثل الأعلى، أو مع (4) “أحلام اليقظة” اللامحدودة. أما بخصوص الحرية الإنسانية في هذا العالم، يمكن إضافة العديد من الملاحظات الأخرى. سوف نتوقف عند الرابعة، وهي الأهم.
كل واحد حر تماما طوال حياته في هذا العالم بحيث، من ناحية، (1) يمكنه أن يدمر نفسه: يكفيه فقط أن يتعاطى للمخدرات.؛ لكن هذا فيه تزييف للحرية. من ناحية أخرى، (2) كل واحد يستطيع اتخاذ قرارات سليمة، وهكذا يطور شخصيته: هذه هي الحرية الحقيقية. فوق كل ذلك، ها هي رغبات لانهاية لها، كأن (3) ينطلق شخص ما نحو مثل أعلى، أو كأن (4) ننساق مع أحلام اليقظة: يتخيل شخص ما أيضا الجنة قائمة على أرضنا. لذلك هناك طرق مختلفة جدا في العيش بحرية. وبالتالي، هناك أيضا اختلافات جذرية بين الأفكار التي تتكون لدينا بهذا الصدد. علام يتوقف ذلك؟
(يتبع)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المرجع: FRANCESCA RIVETTI BARBO, LIBERTÉ ET VÉRITÉ
DU SAVOIR COMMUN À LA PHILOSOPHIE

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى