بقلم:حميد قاسمي-تنوير
لم يكن الجدل الذي أثاره الفنان حسن الفد حول لفظة “تهرݣويت” جدلًا بريئًا في جوهره، بقدر ما كان كاشفًا عن ميلٍ متجذر إلى محاكمة الكلمات بدل مساءلة الوقائع. كثيرون سارعوا إلى التنديد، واستسهلوا تسفيه الفكرة، وكأنهم وجدوا في اللفظ فرصة للهرب من مواجهة مرآةٍ صادقة تعكس عطبًا يوميًا يتكرر في صمت. والحقيقة أن أخطر ما في هذا النقاش ليس ما قيل، بل ما تم التغاضي عنه؛ لأن اللفظة، في عمقها، لم تكن سوى مفتاحًا لقراءة واقع يئنّ تحت وطأة سلوكيات فقدت بوصلتها الأخلاقية.
قد نختلف مع هذا الفنان في اختياراته الفنية، وقد نتحفظ على بعض المواد الذي ينتجها، غير أن النزاهة الفكرية تفرض الإقرار بأن كلمة “تهرݣويت” ليست زلة لسان، بل توصيف شعبي كثيف الدلالة، يختزل حالة من الانفلات السلوكي الذي بات مألوفًا حدّ الابتذال. وليس من الحكمة أن نلقي بهذا المصطلح في سلة الإدانة، قبل أن نطرح السؤال الأهم: من الذي يمنحه كل هذا الامتداد في واقعنا؟
ليس الحديث هنا عن الفئات التي أنهكها الفقر، وأعياها الجهل، وغابت عنها شروط التأطير؛ فهذه فئاتٌ تُعذر بقدر ما تُدان السياسات التي أنتجت هشاشتها. إن اللوم وكل اللوم، في وجهه الأعمق، يعود إلى الدولة بمؤسساتها التربوية والإعلامية والتدبيرية، التي لم تنجح في ترسيخ منظومة قيمية صلبة تحمي الفضاء العام من الانحدار. غير أن المفارقة الصادمة، والتي ينبغي التوقف عندها بصرامة، هي أن “التهرݣويت” لا يقف عند حدود الهشاشة، بل يجد له امتدادًا داخل فئاتٍ تدّعي الوعي، وتتباهى بالانتماء إلى دوائر “الثقافة” و”المسؤولية”.
في الإدارة العمومية على سبيل المثال، حيث يفترض أن تُصان كرامة المواطن، تتكرر مشاهد تليق بوصفٍ أشد من النقد، تجد بعض الموظفين وليس الكل لكي لا أسقط في خانة التعميم، تجد موظف جالس خلف مكتبٍ بارد، يتعامل بفظاظة، ويُمعن في تعطيل مصالح الناس، أو يفتح أبوابًا خلفية عنوانها الرشوة والابتزاز. أليس هذا من “تهرݣويت”؟ حين يتحول القانون إلى أداة انتقائية، ويُختزل الواجب في مزاجٍ شخصي، فإننا نكون أمام انهيار صامت لفكرة المرفق العمومي.
وفي الفضاء الحضري، حيث يُفترض أن تنتظم الحياة وفق هندسةٍ تحترم الإنسان، نصطدم بفوضى تفتقر إلى الحد الأدنى من الحس المدني: أعمدة الكهرباء تُغرس في الأرصفة بلا تخطيط، ولافتات إشهارية تُزاحم المارة، وحاويات نفايات تُثبت في غير موضعها، حتى يُدفع المواطن دفعًا إلى السير في قارعة الطريق. أليست هذه من “تهرݣويت”؟ إنها ليست مجرد أخطاء تقنية، بل تعبير عن غياب رؤية تُقدّم الإنسان على العشوائية.
أما الطرقات، فهي مسرحٌ يومي لفوضى معلنة: سائق يحرق الضوء الأحمر، وآخر يناور بلا قانون، وثالث يقود وكأن الشارع ملكٌ خاص به. أليست هذه من “تهرݣويت”؟ إن الاستهتار هنا لا يُقاس بعدد المخالفات، بل بعدد الأرواح التي تُهدد كل يوم باسم اللامبالاة.
وفي قطاع الصحة، حيث ينبغي أن يكون الإنسان في صدارة الأولويات، تتجلى مفارقات مؤلمة: مريض يُترك في الانتظار بلا مبرر، أو يُستقبل بجفاء، أو يُعامل كرقمٍ عابر في منظومة باردة. أليست هذه من “تهرݣويت”؟ إن الأزمة، في جوهرها، ليست فقط نقصًا في الإمكانات، بل خللٌ في الضمير المهني الذي يفترض أن يسمو على كل اعتبار.
وإذا نزلنا إلى تفاصيل الحياة اليومية، وجدنا أن “تهرݣويت” تتسلل إلى أبسط السلوكيات: شخص يقتني تذكرة القطار في الدرجة الأولى يا حسرة ثم يستولي على مقعد غير مقعده؛ آخر يحتل الملك العمومي دون وجه حق؛ وثالث يرمي نفاياته في الشارع بلا اكتراث. أليست هذه من “تهرݣويت”؟ إنها مظاهر تبدو صغيرة، لكنها تكشف عن تصدع عميق في منظومة القيم.
إن الخطورة الحقيقية لا تكمن في انتشار هذه السلوكيات فحسب، بل في اعتيادها، وفي تحويلها إلى أمرٍ عادي لا يستدعي الاستنكار. وهنا تحديدًا تتحول “تهرݣويت” من حالة فردية إلى ثقافة جماعية، تُعيد إنتاج نفسها بصمت، وتُقوّض أسس العيش المشترك.
من السهل أن نُدين الكلمة، وأن نُحمّل قائلها ما لا يحتمل، لكن الأصعب والأكثر ضرورة هو أن نُدين الواقع الذي جعلها ممكنة. فالمجتمع الذي يرفض تسمية أعطابه، إنما يؤجل لحظة الإصلاح، ويُراكم أسباب الانهيار. أما الذي يملك شجاعة الاعتراف، فإنه يفتح بابًا ولو ضيقًا نحو التغيير.
“تهرݣويت” ليست مجرد لفظة دارجة عابرة؛ إنها اختزال فادح لخللٍ ممتد، وصرخة ساخرة في وجه واقعٍ جادّ في أخطائه. وبين من يرفضها لأنها تجرح صورته، ومن يقرّ بها لأنه يرى انعكاسها في يومياته، يبقى السؤال معلقًا بإلحاح: هل نملك الجرأة لنُصلح ما نعرفه، أم سنواصل معاقبة من يجرؤ على تسميته؟