قراءة عاشقة وناقدة في كتاب “كنت اتحاديا” لعبد الجليل باحدو (الجزء العاشر)

أحمد رباص ـ تنوير
في الصفحة (303)، تحدث الكاتب باختصار عن “عبد الكريم مطيع: من الإلحاد إلى التأسلم”، حيث قال إنه تعرف عليه سنة 1965، وكان مفتش اللغة العربية منذ 1961 في الدار البيضاء. يذكر سي باحدو أن مطيع كان شخصية مثقفة ذات اطلاع واسع على الفكر العلمي، خاصة الاشتراكي، وعلى التراث الإسلامي والكتب المترجمة. في تلك الفترة، كان مطيع ملحداً يؤمن بالمادية الجدلية والفكر العلمي، وكان يناقش مع مجموعة من المثقفين والسياسيين موضوعات مثل السياسة، الفلسفة، التاريخ، والدين، مع اهتمام خاص بالنقد الديني وفكر الملاحدة المسلمين القدامى.
كان بيت مطيع مركزاً للنقاشات الفكرية والسياسية، حيث كان يجتمع فيه أساتذة ومثقفون ونقابيون. كان مطيع يتميز باللياقة وأدب الحديث، وكان ذا أفكارا تقدمية، وعصرياً في ملبسه وحياته، كما كان كريماً معطاء.
رغم إلحاده القوي في تلك المرحلة، كان مطيع يظهر تفضيلاً لما ورد في القرآن من آيات تتعلق بالنساء، وكان يستغل سلطته الإدارية والتربوية على النساء العاملات تحت إمرته، وهو أمر قد يُعتبر اليوم تحرشاً واستغلالاً وظيفياً.
لا ينكر إلا جاحد أن الكاتب أبرز هنا تحول مطيع من الإلحاد إلى التأسلم، مع تصوير دقيق لفترة إلحاده ونقاشاته الفكرية والاجتماعية في تلك المرحلة من حياته.
في الصفحتين المواليتين (304’و305)، يتحدث باحدو عن العلاقة بين عمر بنجلون وعبد الكريم مطيع باسطا خلفيتها، حيث أشار إلى نشاط مطيع السياسي والنقابي. فقد كان عضواً نشيطاً في الحزب واتحاد كتاب المغرب، وشارك في الصراع النقابي داخل الاتحاد المغربي للشغل، وانتخب في لجن التنسيق واللجن الثنائية التي مهدت لتأسيس النقابة الوطنية للتعليم. كان طموحاً لتولي مناصب قيادية في الحزب والنقابة.
تطرق الكاتب للخلاف مع عمر بنجلون الذي كان يدعم أحمد ضمضومي الذي أصبح كاتباً عاماً، بينما كان مطيع منافساً له، مما أدى إلى نشوء عداوة بين عمر ومطيع. شهد مؤتمر 1970 شجاراً وسباباً بينهما، وأصبح مطيع يتبنى خطاباً دينياً وانتقادياً للاشتراكية والمادية، متحولاً من خطاب ماركسي إلى خطاب ديني إسلامي.
وقف الأستاذ عبد الجليل باحدو عند التحول الفكري لعبد الكريم مطيع. فبعد انقطاع علاقته بالحزب والنقابة، بدأ بالتركيز على القرآن والإسلام والشريعة، وانتقد الاشتراكية والمادية الجدلية، واعتبر أن الإسلام هو الحل، متبنياً خطاب حسن البنا وسيد قطب بدلاً من ماركس ولينين.
حاول مطيع استقطاب الآخرين لتنظيم جديد أطلق عليه لاحقاً “الشبيبة الإسلامية”، وكان يستخدم الدين كأداة سياسية وانتقامية ضد اليسار ورفاقه القدامى. كما أبرز الكاتب العداء والحقد اللبن كان يكنهما مطيع لعمر بنجلون، وبين كيف أصبح “كتلة من الحقد والدسائس” ضد اليسار وضد عمر بنجلون بشكل خاص، حسب شهادة محمد الفقيه التايب، أحد مريديه، الذي وصفه بالمكر والدهاء والخداع والكذب والحقد، واعتبره محمد الفقيه البصري “تاجر دين بامتياز”.
مطيع أمر بإحراق جزئي لمسجد في ثانوية محمد الخامس، وأطلق إضراباً عاماً لاختبار استجابة تنظيمه الوليد.
ولم ينس سي باحدو التطرق لدور الدولة والشبيبة الإسلامية في عملية إغتيال عمر بنجلون. فها هو الأستاذ عبد الله العماري، أحد قادة الشبيبة الإسلامية، بعد سجنه لعشر سنوات، لا يعترف بأن الشبيبة الإسلامية كانت أداة للدولة لتصفية الأصوات المعارضة، ويقول إن دم عمر بنجلون كان سبباً في توقف الشبيبة الإسلامية كتنظيم.
على مستوى الاستنتاج، أبرز الكاتب أن الخلاف بين عمر بنجلون وعبد الكريم مطيع كان خلافاً سياسياً عميقاً، تحول إلى عداء شخصي وحقد، خاصة بعد تحول مطيع إلى خطاب ديني إسلامي انتقامي.
مطيع استغل الدين كأداة سياسية وانتقامية، مما أدى إلى تصاعد العداوة بينه وبين عمر بنجلون، وانتهى الأمر بمشاركته في اغتيال عمر بنجلون.
هناك نقد واضح لمطيع من قبل رفاقه السابقين، الذين يرونه شخصاً انتهازياً ومخادعاً، استغل الدين لتحقيق أهدافه الشخصية والسياسية.
باختصار،قدم سي باحدو سرداً تاريخياً وتحليلياً للعلاقة المتوترة بين عمر بنجلون وعبد الكريم مطيع، موضحاً كيف تحولت خلافاتهما السياسية إلى عداوة شخصية وحقد دفين، مع تحول مطيع الفكري من اليسارية إلى الإسلام السياسي، واستخدامه الدين كأداة انتقامية ضد اليسار وخصومه، مما ساهم في تصاعد الصراع الذي انتهى باغتيال عمر بنجلون. كما أشلر إلى دور الدولة في استغلال تنظيم الشبيبة الإسلامية كأداة سياسية.
تناولت سطور الصفحة (306) نقدًا وتحليلًا لمرحلة تاريخية مرتبطة بالشبيبة الإسلامية في المغرب، مع تركيز خاص على شخصية عبد الكريم مطيع ودوره المثير للجدل.
هكذا نحاط عاما بانضمام الأستاذ العمري للشبيبة الإسلامية عام 1979 بعد أن “أنهت المهمة الأساس التي أنشئت من أجلها”.
انتقد الكاتب الأستاذ العمري لأنه، رغم حبه للتاريخ، لم يعترف بالحقيقة حول الشبيبة الإسلامية، بل لجأ إلى السفسطة ومحاولة التعتيم على حقيقة استغلال الشبيبة الإسلامية من قبل النظام.
ودافع الأستاذ العمري عن فكرة أن كل الأحزاب والتنظيمات تم توظيفها من قبل النظام، ويشبه وجود شبيبة مطيع بتلك الحركات الماركسية اللينينية التي سمح بوجودها النظام.
وصف الكاتب الأستاذ العمري بأنه مشبع بالحقد على اليسار، وأن سنوات سجنه لم تفده في فهم واقع النظام وطبيعة الحركات الإسلامية التي احتضنها الدكتور الخطيب.
وأشار إلى أن الأستاذ العمري لم يقدم حقائق واضحة عن اغتيال الشهيد عمر بنجلون. فما كان منه إلا أن نصح العمري بالاستماع إلى شهادات قياديين سابقين في شبيبة مطيع، مثل مصطفى معتصم وعبد الكريم فوزي، لتنوير رؤيته.
تحت عنوان “من العمالة المحلية إلى العمالة الدولية”، كتب عبد الجليل إنه بعد فرار عبد الكريم مطيع من المغرب، سعى لأن يصبح عميلًا للمخابرات العسكرية الجزائرية، عبر استقطابه من قبل المحامي القاسمي المعروف بالقندوسي في الجزائر. ترتب عن ذلك محاولة القيام بعمل مسلح داخل المغرب.
مع انتشار الثورة الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي، انكشف أمر عبد الكريم مطيع كمرتزق وعميل.وتبن للذين صدقوا أكاذيبه أنهم أضاعوا سنوات في ملاحقة سراب ثورته.
ويورد الكاتب شهادة عبد الكريم فوزي، الذي رافق مطيع لسنوات ثم افترق عنه، وؤكد فيها أن مطيع عميل مرتبط بالمخابرات الأمريكية (CIA) والبريطانية (MI6).
مستقر مطيع الأخير في بريطانيا، ومستقر أبنائه في أمريكا، وهذا ليس صدفة. وفشل مطيع في اختراق الثورة الإيرانية بسبب تحذيرات من المناضلين الاتحاديين والحركة الإسلامية.
من حيث السياق التاريخي والسياسي، كانت الشبيبة الإسلامية حركة شبابية إسلامية في المغرب، ارتبطت بفترة سياسية معقدة شهدت صراعات بين النظام المغربي وحركات إسلامية ويسارية. ويعتبر عبد الكريم مطيع، مؤسس الشبيبة الإسلامية، شخصية مثيرة للجدل، حيث اتهم بالتعاون مع أجهزة استخبارات أجنبية ومحاولة القيام بأعمال مسلحة.
إن اغتيال عمر بنجلون، وهو شخصية يسارية بارزة، يعتبر نقطة حساسة في تاريخ المغرب الحديث، والنص يشير إلى غموض وعدم وضوح في تقديم الحقائق حول هذه القضية.
انتقد باحدو بشدة عبد الكريم مطيع وكشف عن اتهامات له بالعمالة والاستخبارات الأجنبية، كما انتقد الأستاذ العمري لعدم اعترافه بحقيقة استغلال الشبيبة الإسلامية من قبل النظام. كما دعا إلى الاستماع لشهادات قياديين سابقين لتنوير الرأي حول هذه المرحلة التاريخية.
(يتبع)




