صورة وتعليق: تنازع مظاهر وجواهر الرسائل الرمزية بين الصناعة التقليدية وتكريس التقليدانية

مصطفى المنوزي
يثير إهداء صليب خشبي مصنوع بمدينة الصويرة المغربية، بما تحمله المدينة من رمزية تاريخية مرتبطة بالتعايش بين المسلمين واليهود المغاربة، نقاشًا يتجاوز المجاملة الدبلوماسية الظرفية نحو أسئلة أعمق تتعلق بتدبير الرموز وحدود التأويل. فبين من يرى في هذه المبادرات تعبيرًا عن ثقافة الاحترام المتبادل والانفتاح الحضاري، وبين من يتوجس من تحوّلها إلى مدخل لتوسيع معنى “الاعتراف” خارج حدوده الإنسانية والأخلاقية، يبرز التحدي الحقيقي المرتبط بكيفية حماية التوازن بين التعايش والوضوح المرجعي.
فالإسلام، من حيث المبدأ، لا ينفي وجود الآخر ولا يمنع حسن المعاملة أو الاعتراف بحقه في الاعتقاد، لكنه في الآن نفسه يحتفظ بخصوصيته العقدية الواضحة. لذلك فإن الإشكال لا يكمن في احترام أتباع الديانات الأخرى أو تقدير رموزهم ضمن منطق التعايش، بل في احتمال تضخيم التوظيف الرمزي والسياسي لهذه المبادرات إلى درجة إنتاج التباس هوياتي أو تأويلات تتجاوز مقصدها الأصلي.
ومن هنا يصبح التحذير مشروعًا من الانزلاق التدريجي من “التعايش” بوصفه قيمة مدنية وإنسانية، إلى استعمال الرموز الدينية في سياقات سياسية وإعلامية قد تخلط بين الاحترام المتبادل وبين إعادة تشكيل المعاني الجماعية والمرجعيات الثقافية. فبعض الرموز ليست محايدة بالكامل، بل تحمل شحنات تاريخية ولاهوتية وسياسية تجعل توظيفها يحتاج إلى حساسية عالية ودقة في التواصل.
إن قوة النموذج المغربي تاريخيًا لم تكن في تذويب الفوارق أو محو الخصوصيات، بل في تدبير التنوع داخل وحدة مجتمعية وحضارية حافظت على التوازن بين الانفتاح والمرجعية. لذلك فإن صيانة هذا التوازن تقتضي عدم تحويل الرموز إلى أدوات للاستقطاب أو المزايدة أو إعادة هندسة الوعي الجماعي تحت عناوين فضفاضة، وفي المقابل أيضًا عدم السقوط في رفض مرضي لفكرة التعايش نفسها.
فالمطلوب ليس إلغاء الاعتراف بالآخر، بل ترشيده؛ وليس رفض الحوار، بل تحصينه من الالتباس؛ وليس توظيف الذاكرة المشتركة لإنتاج اصطفافات جديدة، بل استثمارها لتعزيز الثقة المدنية دون المساس بالثوابت أو تحميل الرموز أكثر مما تحتمل.




