حسن نجمي يحل ضيفا على النسخة الفرنسية لمجلة “زمان” بقبعة الباحث في فن العيطة (الجزء الثالث)

أحمد رباص ـ تنوير
في السؤال السابع أرادت المجلة أن تعرف ما إذا تأثرت العيطة فعلاً بالتأثيرات الأندلسية، أو حتى الإفريقية، أم أنها بقيت تعبيراً عن فن عروبي خالص.
في جوابه أيد حسن نجمي وصف السائل العيطة بكونها فنا عروبيا خالصا. حتى وإن كان الرجال يغنونها أيضاً، إلا أنها تبقى فناً نسائياً بامتياز، حيث استطاعت الشيخات أن تمنحنها مكانتها الرفيعة. هذا الفن يبقى جزءاً من نسيج المجتمع المرتبط بالبادية واللغة العربية. لكن هناك تداخلات وتأثيرات متبادلة، خصوصاً في المناطق الحدودية أو مناطق التماس بين المدينة والبادية، وبين العربية والأمازيغية، وهكذا. خذ مثلاً كلمة “بضاض” التي تعني (الحب) بالأمازيغية، والتي تتكرر في العديد من أبيات العيطة، مما يدل على أن الحدود ليست محكمة وهذا أمر جيد. أما التأثير الإفريقي، فيظهر في فن الگلاوي وبلا شك في فن السوسي أيضاً، من خلال استخدام المعادن خاصة في الإيقاعات. وفي فرقة عبيدات الرما أيضاً، من خلال استخدام المقصات.
بخصوص الكلمات التي تتغنى بها الشيخات، كان الهدف من السؤال الموالي معرفة مصادرها ومؤلفيها. جوابا عن هذا السؤال، قال الباحث في فن العيطة إن الكلمات المغناة تأتي من مصدر مجهول. لا أحد يعرف من كتبها بالضبط. القاعدة هي السرية وعدم الكشف عن الهوية، تماما مثل البلوز الأمريكي الأصلي. إنها في الأساس شعر شفهي. “الحبات” التي تنتشر تدريجياً تشكل أغاني يمكن لكل شخص أن يضيف إليها أو يغير كلمة أو لازمة أو نصف مقطع. يُفترض أن المؤلفين لم يكونوا دائماً مجرد شعراء أو ناس من البادية، بل كان بعضهم يشغلون مناصب رفيعة في المجتمع في ذلك الوقت. وبالنظر إلى الطابع الجريء لبعض النصوص، كان إخفاء الهوية إجراءً احترازياً من قبل هؤلاء المؤلفين الذين بقوا سريين ومجهولين.
جوابا عن السؤال التاسع: هل هناك توزيع جغرافي لمختلف أنواع العيطة؟ قال حسن نجمي إن المجال الجغرافي للعيطة المغربية يتوزع على تسع مناطق وتسعة أنواع. في الشمال، نجد العيطة الجبلية (طنجة، سبتة، تطوان، أصيلة، العرائش، القصر الكبير، شفشاون وصولاً إلى وزان). وفي منطقة الغرب، هناك العيطة الغرباوية (سيدي سليمان، مشرع بلقصيري، سيدي قاسم، دار الگداري، القنيطرة وصولاً إلى قبائل عامر شمال سلا)؛ وهو غناء مخصص بشكل عام للغابة، مع مقاطع أصبحت شهيرة مثل “مال الغابة مقلقة؟” (نوع من الاستعارة حيث ترمز الغابة إلى المزاج).
وفي منطقة زعير، يتابع ضيف المجلة، نجد العيطة الزعرية (الرباط، سلا) وهي شاعرية للغاية وتتميز بغناء ميلودي متقن القافية. وفي نواحي مرتفعات أزيلال والسهول المجاورة، توجد العيطة الملالية. أما في منطقة الحوز، فنجد العيطة الحوزية (مراكش، قلعة السراغنة، الرحامنة). وإلى الجنوب أكثر، في تافيلالت، نجد العيطة الفيلالية (الرشيدية، الريصاني، أرفود) مع شيوخ مثل “باعوت”، “الحمري” أو “عائشة الزكود”.
وفي منطقة الصويرة، لدينا العيطة الشيظمية التي تتميز بـ”البراول”، وهي أغانٍ قصيرة وسريعة. وفي منطقة آسفي، نجد العيطة العبدية التي قدمت لنا “شيخات” أسطوريات مثل فاطنة بنت الحسين، الحاجة الحمونية أو خديجة مرقوم. وأخيراً، هناك العيطة المرساوية التي تغطي مناطق الشاوية ودكالة وصولاً إلى سطات، وتسمى أيضاً “العيطة السطاتية”، والبعض يطلق على هذا النوع اسم “السعيدي”.
ويخلص أبو ريم إلى أن هذا التقسيم يمثل واقعاً ملموساً، لكنه ليس جامداً. فبإمكان الشيخة التي تنتمي إلى نوع معين من العيطة أن تستعير عناصر تنتمي إلى أنواع أخرى.
بعد أن لاحظت المجلة أن جغرافية الشيخات تتوقف عند حدود المغرب غير الصحراوي، تساءلت: وماذا عن الصحراء، إذن؟ فكان هذا الجواب الموجز: في كل أنحاء المغرب، تغني النساء. وربما أكثر في الصحراء، حيث المجتمع أميسي. لكنهن لا يُطلق عليهن اسم شيخات. في الشرق أيضاً، هناك نساء يغنين، دون الحديث عن أغان، حضرية هذه المرة. في هذه الحالة، نتعامل مع أنواع مختلفة أخرى مثل ‘العلاوي’، ‘الرگادة’، ‘الغرناطي، إلخ..
(يتبع)




