1 – شهدت مدينة طنجة (أقصى شمال غرب المملكة المغربية) في العقدين الأخيرين، تحولا استراتيجيا على مستوى بلورة مشاريع حيوية بالغة الأهمية، من قبيل ميناء المتوسط العملاق ، وتقوية إمكانات مطار ابن بطوطة الدولي، وتوفير مختلف وسائل النقل الحديثة، فضلا عن مد شبكة طرق سيارة وإنجاز عدد محترم من المؤسسات الاستشفائية والتعليمية، والمناطق الصناعية ذات الجودة العالمية، ومركبات رياضية استثنائية علاوة على ما تتوفر عليه من رأس المال غير المادي من شواطئ ومنتزهات طبيعية خلابة ومآثر تاريخية نوعية، مما حولها إلى وجهة محورية بالنسبة للباحثين عن العمل والعيش الكريم من داخل المغرب وخارجه. والواقع الذي لا يرتفع هو أن زوار “عروس الشمال” العرب منهم والأجانب، يندهشون لجمال المدينة ويسقطون في حبها “لأول نظرة”، وهذا ما نترقب أن يحدث في باقي المدن والجهات المغربية العزيزة. لكن السؤال الذي يجب طرحه في سياق هذا الحديث الإيجابي والبناء عن راهن “طنجة الكبرى”، هو إلى أي مدى عاد هذا التغيير المادي الملموس والمتنوع على ساكنة طنجة بالخير والنماء؟ هل استفاد قاطنو المدينة اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا، أم أنهم ظلوا خارج الاهتمام والرعاية؟ وما هي الآثار المقلقة والمزعجة على حال ومآل هذه الساكنة من الإقلاع التنموي غير المسبوق وطنيا؟
2 – لقد أصبح العيش في مدينة طنجة أشد كلفة وأكثر مشقة، مقارنة بالمدن المغربية المرجعية: الرباط والدار البيضاء ومراكش وأكادير، دون أن تشهد الرواتب والأجور أي ارتفاع ولو في حالة نسبية! إن انتقالها من مجرد مدينة ساحلية تقبع بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، ناعمة بالهدوء والسكينة، إلى قطب اقتصادي وخدماتي ضخم، ينافس بقوة وثبات الدار البيضاء (العاصمة الاقتصادية للمملكة)، يفترض أن تتمكن من خلق فرص للشغل بالنسبة للعاطلين عن العمل من أصحاب الشهادات وغيرهم، لكن شيئا من هذا لم يحدث، بل أكاد أقول بأن مظاهر “الرقي والمدنية” لم تتجاوز وسط المدينة، أما المحيط الذي يلفها فهو يئن تحت وطأة التخلف والتأخر في كل الميادين، نتيجة الهجرة غير النظامية والسكن البدائي (العشوائي)، وانتشار كوارث اجتماعية مخيفة من قبيل السرقة والتحرش والتسول وتهديد الأمن العام، وسيطرة المظاهر والأعراف والعادات غير المطابقة لواقع المدينة العالمية، أقلها تدني المستوى المعرفي وسقوط عدد من المواطنين في حمأة النزعات الدينية الغريبة، مثل توالد “الطرق والمدارس والنحل” الصوفية، لا بل هناك من مال ميلا إلى “التشيع العرفاني والعقل المستقيل” تأثرا بزعيم “حزب الله” الراحل حسن نصر الله، و رموز الدول الإيرانية الشيعية ومحتويات مواقع التواصل الاجتماعي المنتكسة.. مما أحال مدينة طنجة لقمة سائغة وفضاء وطنيا، خصص لتنظيم وقفات و تجمعات ومسيرات “ليلية”، نصرة “للشأن القومي الإسلامي”، وليس دفاعا عن المصالح الوطنية الحيوية، وفي غياب شبه تام للقدرة على التعاطي مع إشكالات المغرب والعالم، عبر مستلزمات الثقافة الراقية والفكر النقدي والمنهجية العقلانية الواقعية.
3 – وبناء على ماسبق، لا يمكن بحال من الأحوال، أن تصبح مدينة طنجة القريبة إلى قلوب كل المغاربة، قطبا حضاريا تقدميا، وقاطرة في اتجاه التنمية الشمولية، والتقدم الهيكلي والرقي الاجتماعي والثقافي .. إلا عبر حيثيات وعي سياسي ديمقراطي فعال، يتمثل في وضع “الرجل المناسب في المكان المناسب” ومحاسبة المسؤولين الكبار قبل الصغار، ومحاربة الفساد بأنواعه وأطيافه. جميل أن تصبح مدينة طنجة رافعة اقتصادية عالمية تنافس مثيلتها: مدن إسبانيا وفرنسا وبريطانيا .. لكن الأجمل أن تكون أيضا فضاء سليما من السذاجة وقلة النضج، مليئا بقيم العقلانية والمدنية والوعي الرفيع!
* كاتب مغربي – باحث في قضايا الفكر والسياسة