وجهة نظر

استقلال المهنة بين المعيار والوظيفة: فلسفة الحماية لا منطق الرقابة -مصطفى المنوزي

الصراع القانوني كاشف لحقيقة معركة الكرامة وبراءة الذمة، فلتكن الدولة في مستوى التعامل الإيجابي والنزاهة الأدبية .

   إن حكمة المشرع، متى استندت إلى فلسفة الحق لا إلى هاجس الوصاية، تقتضي توفير الحماية القانونية للخواص من المواطنين الذين يضطلعون بتقديم خدمات ذات نفع عام لفائدة المجتمع. ويستوجب ذلك، ابتداءً، التمييز بين العنصر المعياري والعنصر الوظيفي؛ فالعنصر المعياري يتعلق بالمكانة القانونية والقيم الدستورية التي تؤسس لاستقلال المهنة وتبرر ضماناتها، بينما يتعلق العنصر الوظيفي بطبيعة الخدمات التي تقدمها للعموم وآليات تنظيمها وضمان حسن أدائها.
ومن ثم، فإن الاعتراف بالوظيفة ذات النفع العام لا يبرر تحويلها إلى مرفق خاضع للوصاية أو الرقابة الإدارية، لأن المعيار الحاكم يظل هو استقلال المهنة باعتباره ضمانة لحقوق المتقاضين ولحسن سير العدالة. فالاستقلال عنصرٌ معياري، أما خدمة العدالة فهي عنصرٌ وظيفي، ولا يجوز الاحتجاج بالوظيفة لإهدار المعيار الذي يمنحها مشروعيتها الدستورية. لذلك، فإن حكمة المشرع لا تتجه إلى فرض الرقابة كما يزعم بعض أشباه الفقهاء المسخرين، وإنما إلى إقرار نظام للحماية والمسؤولية يوازن بين الاستقلال والمساءلة.
فالجزاء الذي يستحضره المشرع الرشيد ليس جزاءً عقابياً في المقام الأول، بل هو جزاءٌ عطائي يقوم على الاعتراف بالدور الاجتماعي للمهنة، وتوفير الضمانات القانونية الكفيلة بأداء رسالتها، مع ترتيب المسؤولية عند الإخلال بالواجبات. أما اختزال فلسفة التشريع في منطق الرقابة والتأديب، فإنه يخلط بين المعياري والوظيفي، ويحول القانون من أداة لحماية الحقوق والحريات إلى وسيلة للهيمنة على المهن المستقلة.

مصطفى المنوزي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى