متابعة سعيد حمان
أثارت بعض المظاهر التي رافقت السهرة الفنية المنظمة بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد نقاشاً حول واقع الممارسة الإعلامية بمدينة مراكش، خصوصاً مع بروز سلوكات لا تنسجم مع أبجديات العمل الصحفي ولا مع احترام الجمهور والفضاءات المخصصة للتظاهرات.
وبينما تميز الحفل بحسن التنظيم وتنوع فقراته الفنية والثقافية، اختار بعض الأشخاص التعامل مع المناسبة بمنطق الاستعراض، من خلال استعمال الهواتف وعصي التصوير وسط الجمهور، بما أثر أحياناً على رؤية الحاضرين وأعطى صورة لا تليق بمهنة يفترض أن تقوم أساساً على المسؤولية والاحترام والالتزام المهني.المشكل ليس في استعمال الهاتف أو وسائل التصوير، فالتكنولوجيا أصبحت جزءاً أساسياً من العمل الإعلامي، وإنما في الخلط بين امتلاك أداة للتصوير وامتلاك صفة الصحفي.فالصحافة ليست بطاقة اعتماد، ولا حضوراً في الحفلات، ولا صوراً مع الفنانين والمسؤولين، وإنما مهنة تقوم على التحقق من المعلومات، ونقل الوقائع، واحترام أخلاقيات المهنة، والقدرة على طرح الأسئلة وممارسة الدور الرقابي بكل استقلالية.وتزداد أهمية هذا النقاش في ظل دخول البلاد مرحلة انتخابية، وهي مرحلة تحتاج إلى إعلام محلي يقظ ومسؤول، لا يكتفي بتغطية الأنشطة الرسمية والمناسبات الاحتفالية، بل يواكب قضايا المواطنين، ويراقب تدبير الشأن العام، ويتابع المشاريع والوعود، ويطرح الأسئلة التي تهم المصلحة العامة.ومن هنا، فإن الحديث عن مبالغ مالية مقابل الحضور أو التغطية، ومنها مبلغ 200 درهم المتداول في بعض السياقات، يجب أن يكون مناسبة لفتح نقاش مهني مسؤول حول معايير الاعتماد والتعامل مع وسائل الإعلام، وليس وسيلة لتعميم الاتهامات أو الإساءة إلى الصحفيين المهنيين.المطلوب اليوم هو أن تكون هناك معايير واضحة وشفافة للاعتماد، تميز بين الصحفي المهني ومن يمارس التصوير بشكل عابر، مع احترام حق الجميع في التعبير، وفي الوقت نفسه حماية صورة المهنة من كل ما قد يسيء إليها.فمراكش، بما تمثله من ثقل سياحي وثقافي وفني، تحتاج إلى إعلام قوي ومستقل، يكون حاضراً في الميدان، قريباً من المواطن، ومراقباً لأداء المؤسسات، دون أن يتحول إلى خصم سياسي أو واجهة دعائية لأي جهة.
الصحافة لا تحتاج إلى كثرة الحضور بقدر ما تحتاج إلى قوة الموقف، ولا تقاس بعدد الصور المنشورة، بل بقيمة المعلومة ودقة الخبر ونزاهة التغطية.وفي سنة انتخابية، يصبح هذا الدور أكثر أهمية؛ لأن المواطن يحتاج إلى من ينقل صوته، ويفتح الملفات، ويسأل المسؤول، ويتحقق من المعطيات، ويضع الوقائع أمام الرأي العام.لذلك، فإن الدفاع عن مهنة الصحافة يبدأ أيضاً من داخلها: باحترام أخلاقياتها، والتمييز بين الممارسة المهنية والهواية، ورفض تحويل الاعتماد الإعلامي إلى مجرد وسيلة للحضور أو الاستفادة.مراكش تستحق إعلاماً يراقب ويسأل وينقل الحقيقة، لا إعلاماً يكتفي بالحضور عندما تشتعل أضواء المنصة.