أخر الاخبار

ملعب مراكش الكبير.. ورش تأهيل يسبق مونديال 2030 والرهان على هوية معمارية مغربية

متابعة سعيد حمان

مع اقتراب المغرب من استضافة نهائيات كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، تتجه الأنظار إلى الملاعب الوطنية التي ستحتضن مباريات هذا الحدث العالمي، ومن بينها الملعب الكبير بمراكش، الذي يفرض موقعه وأهميته التفكير في تأهيل شامل يرقى إلى مستوى التظاهرة الرياضية الدولية.ولا يتعلق الأمر فقط بإصلاحات تقنية مرتبطة بأرضية الملعب أو المدرجات أو مرافق استقبال الجماهير، بل ينبغي أن يشمل التأهيل مختلف مكونات المنشأة، من الداخل والخارج، بما يجعل الملعب أكثر جاهزية من الناحية الوظيفية، وأكثر تعبيراً عن المدينة التي يحتضنها.وفي الوقت الذي تستفيد فيه المشاريع الرياضية الكبرى من الخبرات الدولية والتجارب العالمية، يبرز نقاش آخر يتعلق بالهوية المعمارية. فالتعاون مع مكاتب وخبرات أجنبية يمكن أن يكون مفيداً تقنياً، لكن ذلك لا يعني بالضرورة استنساخ نماذج معمارية جاهزة من تجارب أوروبية أو غيرها.وتتداول بعض المقارنات بين التصورات المرتبطة بتأهيل الملعب الكبير بمراكش وبعض الملاعب الإيطالية، ومن بينها ملعب جنوى، وهو ما يفتح نقاشاً مشروعاً حول ضرورة أن تكون للمشروع بصمته الخاصة، وأن يستفيد من الخبرة الدولية دون أن يفقد خصوصيته المغربية والمراكشية.فمراكش ليست مدينة عادية في الخريطة السياحية والثقافية للمغرب، وإنما مدينة تحمل رصيداً معمارياً وفنياً كبيراً، من الأسوار الحمراء والأبواب التاريخية إلى الزليج والنقوش والأقواس والعناصر المستوحاة من العمارة المغربية التقليدية. ومن ثم، فإن الملعب الكبير يمكن أن يتحول إلى فضاء رياضي حديث يحمل في تفاصيله إشارات واضحة إلى هوية المدينة.

والرهان هنا لا ينبغي أن يكون مجرد الحصول على منشأة تستجيب لمعايير الاتحاد الدولي لكرة القدم، وإنما بناء ملعب قادر على الجمع بين الوظيفة الرياضية والمعايير الدولية من جهة، والخصوصية الثقافية والجمالية المغربية من جهة أخرى.

ومن الداخل، يمكن التفكير في حلول معمارية وتقنية تمنح الجماهير تجربة حديثة ومريحة، مع تحسين المداخل والممرات والمقاعد ومرافق الخدمات والإضاءة والشاشات وأنظمة السلامة. أما الواجهات الخارجية، فيمكن أن تستثمر عناصر مستوحاة من الطابع المراكشي، بطريقة عصرية لا تحول الملعب إلى نسخة من بناية تاريخية، بل تمنحه شخصية معمارية مستقلة.

كما أن محيط الملعب يحتاج بدوره إلى رؤية متكاملة، تشمل المساحات الخارجية، ومناطق استقبال الجماهير، والولوج والنقل، والتشوير، والفضاءات المخصصة للأنشطة المرتبطة بالمباريات. فنجاح الملعب في احتضان كأس العالم لا يقاس بما يحدث داخل المدرجات فقط، وإنما أيضاً بجودة التجربة التي يعيشها المشجع منذ وصوله إلى محيط المنشأة.

وفي هذا الإطار، فإن الاستعانة بالخبرات الأجنبية لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها تعارضاً مع الهوية الوطنية. بالعكس، يمكن للخبرة الدولية أن تقدم حلولاً تقنية وهندسية متقدمة، بينما يبقى القرار الإبداعي والثقافي مرتبطاً بالسياق المغربي وخصوصية مراكش.فالهدف ليس رفض التجارب الأجنبية، وإنما رفض فكرة النسخ الحرفي. المغرب اليوم يمتلك من الكفاءات والمهندسين والمصممين والمبدعين ما يسمح له بالمساهمة في صياغة تصور يحمل اسمه وهويته، مع الاستفادة من أفضل ما وصلت إليه التجارب العالمية.
ويشكل مونديال 2030 فرصة تاريخية لإعادة التفكير في الملعب الكبير بمراكش باعتباره أكثر من مجرد ملعب لكرة القدم. يمكن أن يصبح معلمة رياضية وسياحية تعكس صورة المغرب الحديث، وتجمع بين التكنولوجيا والوظيفة والجمالية والهوية.وبين متطلبات المنافسات العالمية وخصوصية المدينة الحمراء، يبقى التحدي الحقيقي هو الوصول إلى صيغة تجعل الملعب الكبير بمراكش مغربياً في هويته، عالمياً في معاييره، ومراكشياً في روحه. فالمغرب لا يحتاج إلى تقليد ملاعب الآخرين، بل إلى تقديم نموذج خاص به يثبت أن الحداثة يمكن أن تسير جنباً إلى جنب مع الأصالة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى