تنوير -متابعة
يستعد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون للقيام بزيارة إلى إسبانيا خلال شهر أكتوبر المقبل، في خطوة ينتظر أن تمنح دفعة جديدة لمسار التقارب بين الجزائر ومدريد، في وقت تمر فيه العلاقات الإسبانية-المغربية بمرحلة حساسة على خلفية تداعيات أزمة الهجرة الأخيرة في سبتة والجدل المتجدد بشأن وضع سبتة ومليلية.
وبحسب ما أوردته صحيفة «أفريكا إنتليجنس»، فإن فريقي الرئيس الجزائري ورئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز يجريان مشاورات لتحديد الموعد النهائي للزيارة ومضمونها، بعد المصالحة التي شهدتها العلاقات بين البلدين خلال زيارة سانشيز إلى الجزائر في 20 يوليوز الماضي.
وكانت تلك الزيارة قد دشنت مرحلة جديدة في العلاقات الجزائرية-الإسبانية بعد سنوات من الفتور والتوتر، حيث اتفق الجانبان على تعزيز الحوار السياسي والتعاون في ملفات الهجرة والطاقة والأمن والاستثمارات، إلى جانب التحضير لاجتماع رفيع المستوى بين الحكومتين خلال الخريف.
وتكتسب زيارة تبون المرتقبة أهمية خاصة بالنظر إلى الظرف الإقليمي الذي تأتي فيه، إذ تواجه مدريد تداعيات أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة نهاية يوليوز، وما رافقها من جدل سياسي وأمني واسع داخل إسبانيا بشأن أسباب التدفق الجماعي للمهاجرين ودور السلطات المغربية.
وكان بيدرو سانشيز قد أكد أمام مجلس النواب الإسباني، الخميس، أنه لا توجد، إلى حدود الآن، أدلة قاطعة تثبت أن السلطات المغربية خططت أو نظمت عملية الدخول الجماعي إلى سبتة، مشدداً في الوقت نفسه على أن حكومته ستتصرف بحزم إذا ظهرت معطيات تثبت عكس ذلك.
وتزامنت هذه التطورات مع الكشف عن استدعاء الحكومة الإسبانية، في 21 غشت الماضي، السفيرة المغربية في مدريد كريمة بنيعيش، احتجاجاً على تصريحات صدرت عن وزيرين مغربيين بشأن سبتة ومليلية ووصفتها مدريد بـ«غير المقبولة». وبسبب غياب السفيرة حينها، حضر القائم بالأعمال نيابة عنها.
ويعكس هذا التحرك استمرار حساسية العلاقات بين الرباط ومدريد، رغم تأكيد الحكومة الإسبانية حرصها على الحفاظ على التعاون مع المغرب في عدد من الملفات الاستراتيجية، وفي مقدمتها الهجرة والأمن ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر.
وفي المقابل، تبدو العلاقات الجزائرية-الإسبانية في طريقها إلى تجاوز الأزمة التي اندلعت عقب إعلان مدريد، في مارس 2022، دعمها مقترح الحكم الذاتي المغربي للصحراء باعتباره أساساً لتسوية النزاع، وهو الموقف الذي أثار غضب الجزائر ودفعها آنذاك إلى تعليق معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون مع إسبانيا.
ومع زيارة سانشيز إلى الجزائر في يوليوز 2026، شرع البلدان في إعادة بناء قنوات الحوار السياسي والاقتصادي. وأعلنت الحكومة الإسبانية حينها أن البلدين يرغبان في إطلاق «مرحلة جديدة» من العلاقات الثنائية، مع تعزيز التعاون في تدبير الهجرة ومكافحة الإرهاب والتبادل الاقتصادي والثقافي.
ومن شأن زيارة تبون إلى مدريد، إذا جرت وفق البرنامج المرتقب خلال أكتوبر، أن تشكل محطة بارزة في تثبيت هذا التقارب وإعادة العلاقات الجزائرية-الإسبانية إلى مستوى أكثر استقراراً بعد سنوات من الخلاف.
غير أن توقيت الزيارة يمنحها بعداً إقليمياً إضافياً، إذ تأتي في الوقت الذي تحاول فيه مدريد إدارة علاقاتها مع الجارين المغاربيين بصورة متوازنة، وسط التنافس المستمر بين المغرب والجزائر، وأهمية البلدين بالنسبة إلى المصالح الإسبانية في مجالات الطاقة والأمن والهجرة والتجارة.
ولا يعني التقارب بين مدريد والجزائر بالضرورة تغيراً في السياسة الإسبانية تجاه المغرب، لكنه يضع حكومة سانشيز أمام معادلة دبلوماسية دقيقة، تقوم على تعزيز المصالحة مع الجزائر وفي الوقت نفسه احتواء التوتر مع الرباط والحفاظ على مستوى التعاون القائم معها.
وبذلك، تبدو زيارة تبون المرتقبة إلى إسبانيا واحدة من أبرز المحطات الدبلوماسية المنتظرة في غرب المتوسط خلال الخريف المقبل، في ظل إعادة ترتيب العلاقات بين مدريد وكل من الجزائر والرباط.