تنوير -متابعة
لم يعد الخلاف المغربي الإسباني حول سبتة ومليلية مقتصراً على التصريحات السياسية وأمن الحدود والهجرة، بل بدأ يستحضر بصورة متزايدة رموزاً دينية وتاريخية، في تطور أعاد البعد الهوياتي إلى واجهة النقاش حول المدينتين.
فبعد الجدل الذي أثارته كلمة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربي أحمد التوفيق، خلال حفل ديني رسمي بالقصر الملكي في الرباط يوم 24 غشت، جاء رئيس أساقفة أوفييدو خيسوس سانز مونتيس ليستحضر مفهوم «الاسترداد» في سياق حديثه عن سبتة ومليلية وما وصفه بـ«المطامع المغربية».
وكان التوفيق قد استحضر، في معرض حديثه عن التراث الديني المغربي، علماء ارتبطوا تاريخياً بمدينة سبتة، من بينهم القاضي عياض وأبو العباس العزفي، كما تطرق إلى الدور التاريخي لكتاب «دلائل الخيرات» في تعبئة المغاربة لتحرير مدن كانت خاضعة للاحتلال على الساحل الأطلسي.
وقد قرأت وسائل إعلام إسبانية هذه الإشارات في ضوء التوتر الحالي بين الرباط ومدريد، وربطتها بملف سبتة ومليلية، رغم أن مضمون كلمة التوفيق لم يتضمن دعوة مباشرة ومعاصرة إلى «الجهاد» من أجل المدينتين.
وفي المقابل، نشر رئيس أساقفة أوفييدو خيسوس سانز مونتيس، في الثالث من شتنبر، رسالة على منصة «إكس» أشاد فيها بالتضامن مع سبتة ومليلية، مستحضراً كوفادونغا باعتبارها «مكاناً للاسترداد»، وداعياً إلى استعادة «ما يستحق أن يُستعاد» في مواجهة ما وصفه بـ«المطامع المغربية»، بالتوازي مع انتقادات حادة وجهها للحكومة الإسبانية.
وتكتسب كوفادونغا رمزية خاصة في الذاكرة الإسبانية، إذ ترتبط في الرواية التاريخية التقليدية ببداية ما يعرف بـ«الاسترداد»، أي المراحل التي توسعت خلالها الممالك المسيحية في شبه الجزيرة الإيبيرية، وصولاً إلى سقوط غرناطة سنة 1492.
غير أن تصريحات سانز مونتيس لا تمثل موقفاً رسمياً للحكومة الإسبانية، كما لا يمكن اعتبارها موقفاً موحداً للكنيسة الكاثوليكية في إسبانيا، رغم مكانته البارزة داخل المؤسسة الدينية.
كما لا توجد معطيات تثبت أن كلامه جاء رداً مباشراً على أحمد التوفيق. لذلك، فإن الأدق هو الحديث عن خطابين متوازيين أعادا إدخال الدين والتاريخ في النقاش حول سبتة ومليلية، وليس عن مواجهة دينية مباشرة بين المغرب وإسبانيا.
وتكمن حساسية هذا التطور في أن الخلاف حول المدينتين لم يعد مرتبطاً فقط بقضايا السيادة والهجرة والتعاون الأمني، بل أصبح يستدعي الذاكرة التاريخية والهوية والرموز الدينية.
وبين استحضار «المدن المحتلة» في الذاكرة المغربية، وعودة مصطلح «الاسترداد» في خطاب رجل دين إسباني بارز، تبدو أزمة سبتة وقد اكتسبت بعداً رمزياً جديداً قد يزيد من تعقيد العلاقات بين الرباط ومدريد، خصوصاً عندما تتحول الخلافات السياسية إلى نقاش حول التاريخ والهوية والدين.