الحنبلي عزيز
لم تكن الانتخابات التشريعية المغربية ليوم 23 شتنبر 2026 مجرد محطة لإعادة توزيع مقاعد مجلس النواب، بقدر ما أفرزت معطيات سياسية تستحق التوقف عندها: تصدر جديد لحزب الأصالة والمعاصرة، تراجع واضح للتجمع الوطني للأحرار، عودة قوية لحزب العدالة والتنمية، واستمرار حزب الاستقلال ضمن المربع الأول، مقابل تسجيل نسبة مشاركة منخفضة مقارنة باستحقاقات 2021.
وبين الأرقام الانتخابية وحسابات الأغلبية، بدأ سؤال المرحلة المقبلة يفرض نفسه: من سيقود الحكومة؟ وما التحالف القادر على توفير أغلبية برلمانية؟ وهل يمكن أن تفتح النتائج الباب أمام فاطمة الزهراء المنصوري لتكون أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب؟
15,8 مليون مسجل.. ونحو ستة ملايين مشارك
بحسب المعطيات الرسمية، بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية العامة 15 مليونا و801 ألفا و162 ناخبا وناخبة.
أما المشاركة، فأعلنت وزارة الداخلية عند إغلاق مكاتب التصويت نسبة 38,02 في المائة، فيما أورد وزير الداخلية خلال تقديم النتائج المؤقتة نسبة 38,08 في المائة، أي ما يقارب ستة ملايين ناخبة وناخب. والفرق بين الرقمين طفيف ويرتبط بتوقيت تجميع المعطيات المعلنة.
لكن الرقم السياسي الأهم يظل هو التراجع مقارنة بانتخابات 2021، حين تجاوزت نسبة المشاركة 50 في المائة. وتشير معطيات منشورة حول استحقاقات 2021 إلى تسجيل أكثر من 17,5 مليون ناخب، مع مشاركة قاربت 50,35 في المائة.
وهنا ربما تكمن إحدى الرسائل الأساسية لاقتراع 2026: فالتنافس الحزبي كان قويا، لكن جزءا كبيرا من الهيئة الناخبة لم يتوجه إلى صناديق الاقتراع. ولذلك فإن السؤال الذي سيواجه الأحزاب خلال الولاية المقبلة لن يتعلق فقط بمن فاز ومن خسر، بل أيضا بكيفية استعادة ثقة المواطنين الذين ظلوا خارج العملية الانتخابية.
«البام» أولا بـ97 مقعدا
حسب النتائج المؤقتة التي أعلنها وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، جاء ترتيب الأحزاب على الشكل التالي:
حزب الأصالة والمعاصرة: 97 مقعدا
التجمع الوطني للأحرار: 66 مقعدا
حزب الاستقلال: 65 مقعدا
حزب العدالة والتنمية: 54 مقعدا
الحركة الشعبية: 29 مقعدا
الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية: 26 مقعدا
حزب التقدم والاشتراكية: 19 مقعدا
الاتحاد الدستوري: 17 مقعدا
الحركة الديمقراطية الاجتماعية: 8 مقاعد
تحالف اليسار: 8 مقاعد
جبهة القوى الديمقراطية: مقعدان
حزب الإنصاف: مقعدان
حزب الديمقراطيين الجدد: مقعد واحد
حزب الوحدة والديمقراطية: مقعد واحد.
وبذلك يكون حزب الأصالة والمعاصرة قد أصبح القوة البرلمانية الأولى بـ97 مقعدا من أصل 395.
لكن الحصول على المرتبة الأولى لا يعني امتلاك الأغلبية البرلمانية، لأن الأغلبية المطلقة في مجلس النواب تحتاج إلى 198 مقعدا على الأقل، ما يجعل التحالفات ضرورة حسابية وسياسية في الوقت نفسه.
ماذا تغير مقارنة بانتخابات 2021؟
المقارنة مع انتخابات 2021 تكشف عن تحول واضح في موازين القوى.
ففي انتخابات 2021 تصدر التجمع الوطني للأحرار النتائج بـ102 مقعد، متبوعا بالأصالة والمعاصرة بـ87 مقعدا، ثم الاستقلال بـ81 مقعدا. وكان الاتحاد الاشتراكي رابعا بـ34 مقعدا، ثم الحركة الشعبية بـ28، والتقدم والاشتراكية بـ22، والاتحاد الدستوري بـ18، فيما لم يحصل العدالة والتنمية سوى على 13 مقعدا.
أما في 2026، فالمعادلة تغيرت.
الأصالة والمعاصرة انتقل من 87 إلى 97 مقعدا، أي زيادة بعشرة مقاعد، وانتقل إلى المرتبة الأولى.
في المقابل تراجع التجمع الوطني للأحرار من 102 إلى 66 مقعدا، بخسارة 36 مقعدا.
وتراجع الاستقلال من 81 إلى 65 مقعدا.
أما التحول الأكبر فجاء من حزب العدالة والتنمية، الذي انتقل من 13 مقعدا فقط سنة 2021 إلى 54 مقعدا سنة 2026، أي بزيادة 41 مقعدا.
كما تراجع الاتحاد الاشتراكي من 34 إلى 26 مقعدا، والتقدم والاشتراكية من 22 إلى 19، فيما حافظت الحركة الشعبية تقريبا على حجم تمثيليتها، بالانتقال من 28 إلى 29 مقعدا.
إذن نحن أمام خريطة سياسية أكثر توازنا مما كانت عليه سنة 2021؛ فلا حزب اقترب منفردا من الأغلبية، كما أن الفارق بين الحزبين الثاني والثالث لا يتجاوز مقعدا واحدا.
«البام» ورئاسة الحكومة.. ماذا يقول الدستور؟
بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة، ينتقل النقاش من صناديق الاقتراع إلى المقتضيات الدستورية.
الفصل 47 من الدستور واضح في هذه النقطة، إذ ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها.
وبالتالي، إذا تأكدت النتائج الحالية بصورة نهائية، فإن رئاسة الحكومة ستكون من حزب الأصالة والمعاصرة.
لكن هناك تفصيلا دستوريا مهما: النص لا يقول إن رئيس الحكومة يجب بالضرورة أن يكون الأمين العام أو المنسق الأول للحزب، وإنما يشترط أن يكون من الحزب المتصدر.
وهنا يبدأ النقاش حول الأسماء.
هل تكون فاطمة الزهراء المنصوري أول امرأة على رأس الحكومة؟
من بين الأسماء التي دخلت بقوة إلى النقاش السياسي والإعلامي خلال الحملة الانتخابية اسم فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة.
والحديث عن المنصوري ليس وليد إعلان نتائج 24 شتنبر؛ إذ كانت فرضية وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة مطروحة في الصحافة قبل موعد الاقتراع، خصوصا في حال تصدر «البام» للانتخابات.
كما سبق للمنصوري أن أعلنت أن حزبها يطمح إلى تصدر الانتخابات، وهو ما تحقق، وفق النتائج المؤقتة الحالية.
وقبل الانتخابات، أعلنت أيضا موقفا شخصيا لافتا عندما قالت إنها لن تشارك في حكومة يقودها التجمع الوطني للأحرار إذا تصدر الأخير الانتخابات.
لكن تصدر «البام» قلب المعادلة: لم يعد السؤال هو هل سيشارك الحزب في حكومة يقودها منافس آخر، وإنما من سيقترح الحزب لقيادة الحكومة، وكيف سيبني الأغلبية.
اسم المنصوري يبقى لذلك أحد السيناريوهات المطروحة في النقاش العام، إلى جانب أسماء أخرى داخل حزب الأصالة والمعاصرة. ولا تسمح النتائج الانتخابية وحدها بالجزم بالشخص الذي سيُعين، لأن الفصل 47 يحدد الحزب الذي يجب أن يأتي منه رئيس الحكومة، ولا يحسم الاسم مسبقا.
وفي حالة اختيار فاطمة الزهراء المنصوري، سيكون المغرب أمام سابقة سياسية تتمثل في وصول امرأة لأول مرة إلى رئاسة الحكومة.
لأغلبية.. تركيبات متعددة وحسابات أكثر تعقيدا
يمتلك حزب الأصالة والمعاصرة 97 مقعدا، بينما تتطلب الأغلبية المطلقة في مجلس النواب الوصول إلى 198 مقعدا على الأقل. وهذا يعني أن الحزب المتصدر يحتاج إلى حلفاء لتشكيل أغلبية برلمانية قادرة على دعم الحكومة.
وتتيح الخريطة الانتخابية عددا كبيرا من التركيبات الحسابية، دون أن يعني ذلك بالضرورة أنها ستكون مطروحة سياسيا خلال المفاوضات.
من أبرز السيناريوهات إعادة تشكيل أحزاب الأغلبية السابقة، ولكن بقيادة حزب الأصالة والمعاصرة هذه المرة:
الأصالة والمعاصرة 97 + التجمع الوطني للأحرار 66 + الاستقلال 65 = 228 مقعدا.
وهي أغلبية مريحة عدديا، غير أن إعادة إنتاج تحالف 2021 ستبقى مرتبطة بطبيعة المفاوضات والعلاقات السياسية بين مكوناته بعد تغير موازين القوى.
كما تسمح النتائج بتركيبة تجمع:
الأصالة والمعاصرة 97 + الاستقلال 65 + العدالة والتنمية 54 = 216 مقعدا.
أو:
الأصالة والمعاصرة 97 + التجمع الوطني للأحرار 66 + العدالة والتنمية 54 = 217 مقعدا.
لكن الحركة الشعبية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب التقدم والاشتراكية يمكن بدورهم أن يصبحوا عناصر مؤثرة في بناء الأغلبية، خصوصا إذا اتجه الحزب المتصدر إلى تشكيل تحالف أوسع أو إلى الاستغناء عن أحد الأحزاب الثلاثة الكبرى.
فمن الناحية الحسابية، يمكن تصور تركيبة تضم:
الأصالة والمعاصرة 97 + الاستقلال 65 + الحركة الشعبية 29 + الاتحاد الاشتراكي 26 = 217 مقعدا.
وفي هذه الحالة يستطيع «البام» والاستقلال تجاوز عتبة الأغلبية بالتحالف مع الحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي، دون الحاجة إلى التجمع الوطني للأحرار أو العدالة والتنمية.
كما يمكن نظريا تشكيل أغلبية من:
الأصالة والمعاصرة 97 + التجمع الوطني للأحرار 66 + الحركة الشعبية 29 + الاتحاد الاشتراكي 26 = 218 مقعدا.
وهناك تركيبة أخرى تجمع «البام» والاستقلال والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية:
الأصالة والمعاصرة 97 + الاستقلال 65 + الحركة الشعبية 29 + التقدم والاشتراكية 19 = 210 مقاعد.
كما يمكن لحزب الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية أن يدخلا معا ضمن إحدى المعادلات، مثل:
الأصالة والمعاصرة 97 + الاستقلال 65 + الاتحاد الاشتراكي 26 + التقدم والاشتراكية 19 = 207 مقاعد.
أو:
الأصالة والمعاصرة 97 + التجمع الوطني للأحرار 66 + الاتحاد الاشتراكي 26 + التقدم والاشتراكية 19 = 208 مقاعد.
ومن أكثر التركيبات إثارة للاهتمام حسابيا تلك التي تجمع حزب الأصالة والمعاصرة بحزب العدالة والتنمية والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية:
الأصالة والمعاصرة 97 + العدالة والتنمية 54 + الحركة الشعبية 29 + التقدم والاشتراكية 19 = 199 مقعدا.
أي إنها تتجاوز الأغلبية المطلقة بمقعد واحد فقط، ما يجعلها أغلبية ضيقة جدا من الناحية العددية.
أما جمع «البام» بالأحزاب الثلاثة، الحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، فلا يكفي وحده لتشكيل الحكومة:
97 + 29 + 26 + 19 = 171 مقعدا فقط.
وهو ما يعني أن هذه الأحزاب، رغم وزنها البرلماني، تحتاج ضمن هذا السيناريو إلى حزب إضافي أو أكثر لتجاوز عتبة 198 مقعدا.
وتكشف هذه الحسابات أن الاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية قد تكون لها أدوار مهمة في هندسة الأغلبية المقبلة، بحسب الاختيارات السياسية التي ستتخذها قيادة حزب الأصالة والمعاصرة وردود باقي الأحزاب.
غير أن الرياضيات البرلمانية تظل أسهل من السياسة. فالتحالف الحكومي لا يقوم فقط على جمع المقاعد، بل على التقارب في البرامج، وتوزيع المسؤوليات، والاتفاق حول أولويات الولاية الحكومية المقبلة، فضلا عن العلاقات بين قيادات الأحزاب.
لذلك فإن النتائج تسمح بعدة أغلبيات ممكنة حسابيا، بينما ستحدد المشاورات السياسية أي منها يمكن أن يتحول فعليا إلى تحالف حكومي.