وجهة نظر

تحالف اليسار بعد الانتخابات: من لحظة النجاح إلى بناء التراكم -د. اشرف بولمقوس

  لا ينبغي أن تُقرأ النتائج التي حققها تحالف اليسار في هذه الانتخابات باعتبارها مجرد أرقام تضاف إلى رصيده الانتخابي، أو باعتبارها لحظة عابرة في مسار عرف خلال السنوات الماضية الكثير من التراجع والانكماش. فالمعنى السياسي لأي نتيجة انتخابية لا يتحدد فقط بعدد المقاعد المحصل عليها، وإنما بقدرة القوى السياسية على تحويل هذه النتيجة إلى تراكم سياسي وتنظيمي ومجتمعي يمتد إلى ما بعد يوم الاقتراع.

ما حققه اليسار تحديدا تحالف اليسار في هذه المحطة يمكن أن يشكل نقطة انطلاق جديدة، شريطة ألا يتحول النجاح الانتخابي إلى غاية في حد ذاته. فالانتخابات تنتهي بإعلان النتائج، لكن السياسة تبدأ في اليوم الموالي لها. والتحدي الحقيقي أمام اليسار اليوم ليس فقط كيف يحتفي بما تحقق، وإنما كيف يحافظ عليه، وكيف يحوله إلى حضور سياسي أكثر رسوخا واتساعا.

أولى المهام تقتضي تحصين الدوائر التي نجح فيها اليسار انتخابيا وسياسيا. فالمقعد البرلماني لا ينبغي أن يبقى مجرد نتيجة مرتبطة بلحظة انتخابية محددة، وإنما يجب أن يتحول إلى قاعدة للعمل السياسي المستمر. وهذا يقتضي الحضور داخل الدائرة، والإنصات إلى المواطنين، وتتبع قضاياهم، وربط العمل البرلماني بالمجال الذي أفرز النائب. وفي المقابل، تحتاج الدوائر التي اقترب فيها اليسار من تحقيق النجاح إلى قراءة دقيقة للنتائج، بما يسمح بفهم نقاط القوة ومواطن الضعف، واستثمار ما تحقق من تراكم في الاستحقاقات المقبلة. فالعمل الانتخابي الجاد لا يبدأ من الصفر في كل محطة، وإنما يبني على الذاكرة الانتخابية والاجتماعية والسياسية للمجال.

لكن المحافظة على هذا الرصيد لن تكون ممكنة من دون عمل برلماني متميز. فالحضور العددي داخل المؤسسة التشريعية لا يكتسب دلالته السياسية إلا إذا صاحبه أداء نوعي، ومعارضة عقلانية وعلمية ومنطقية، قادرة على مساءلة السياسات العمومية وتقديم البدائل والدفاع عن الاختيارات التي يحملها اليسار. والمعارضة ليست رفضا دائما، كما أن المراقبة لا تعني التصادم المستمر؛ وإنما هي، في جوهرها، قدرة على إنتاج خطاب سياسي يستند إلى الحجة والمعرفة والمعطيات، ويقدم للمجتمع بديلا واضحا وقابلا للنقاش.

ومن هنا، سيكون من المفيد التفكير في إنشاء خلية علمية مساندة للنواب البرلمانيين عن اليسار، تضم باحثين ومتخصصين في القانون والاقتصاد والسياسات العمومية والمجالات الاجتماعية وغيرها من التخصصات المرتبطة بالعمل التشريعي والرقابي من بين المناضلين و الرفاقانفسهم. ولا يتعلق الأمر بهيئة موازية للعمل البرلماني، وإنما بإطار معرفي يساعد النواب على إعداد الأسئلة والمقترحات والتعديلات والمداخلات والمواقف على أساس من المعطيات والتحليل العلمي. والأهم أن هذا العمل ينبغي ألا ينتهي بانتهاء الولاية البرلمانية أو بتغير الأشخاص، بل أن يتم توثيقه وأرشفته بشكل مؤسساتي، بما يسمح ببناء ذاكرة برلمانية يسارية يمكن الرجوع إليها وتطويرها والاستفادة منها مستقبلا. فالقوة البرلمانية لا تُبنى فقط بعدد النواب، وإنما أيضا بما تنتجه من معرفة وما تتركه من تراكم مؤسساتي قابل للبناء عليه.

غير أن التحدي لا يوجد داخل البرلمان وحده. فاليسار، إذا أراد توسيع حضوره الاجتماعي والانتخابي، سيكون مطالبا أيضا بـ اقتحام المجال القروي والبوادي. فقد ارتبط جزء مهم من الحضور اليساري تاريخيا بالمدن وبالنخب والطبقات الوسطى، بينما شهد العالم القروي خلال العقود الأخيرة تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية عميقة. ولذلك لم يعد ممكنا بناء مشروع يساري واسع من دون استعادة الصلة بهذا المجال، ولكن ليس بالوسائل والأساليب نفسها التي اشتغل بها اليسار في مراحل تاريخية سابقة.

المطلوب اليوم هو ابتكار أشكال جديدة من التواصل والتنظيم والعمل الميداني، تستحضر خصوصيات البادية المغربية، وتقترب من قضايا الفلاحين والعاملين في العالم القروي والشباب والنساء، ومن إشكالات الخدمات العمومية والتنمية المجالية والعدالة الاجتماعية. فالعودة إلى البادية ليست مجرد خيار انتخابي، وإنما هي أيضا استعادة لمجال اجتماعي ظل اليسار يعتبره، في مراحل مختلفة من تاريخه، جزءا من مشروعه السياسي والاجتماعي.

وعلى المستوى التنظيمي، تفرض المرحلة كذلك إعادة بناء الجسور مع عدد من المناضلات والمناضلين الذين ابتعدوا عن اليسار لأسباب سياسية أو تنظيمية أو بسبب خلافات داخلية. وليس من مصلحة أي مشروع سياسي أن تظل الصراعات التنظيمية الضيقة أقوى من الرغبة في بناء مشروع مشترك. فالقوة السياسية لا تقاس فقط بعدد الموجودين داخل الهياكل، وإنما كذلك بقدرة التنظيمات على استيعاب الاختلاف وإدارة التعدد وفتح المجال أمام الطاقات الجديدة واستعادة الكفاءات التي ابتعدت في مراحل سابقة.

ولعل هذا يقتضي نوعا من المصالحة السياسية والتنظيمية داخل اليسار، لا بمعنى تجاوز الاختلافات الفكرية أو إلغاء التعدد، وإنما بتحرير النقاش من الحسابات الصغيرة التي تستنزف الطاقات وتبدد الإمكانات. فالمرحلة الجديدة تحتاج إلى جعل المشروع السياسي أكبر من الخلافات التنظيمية، وإلى إعادة الاعتبار للمناضل باعتباره جزءا من مشروع جماعي لا مجرد عضو داخل هيكل تنظيمي.

ثم إن الانتخابات التشريعية لا ينبغي أن تكون محطة يبدأ فيها العمل وينتهي معها. فإذا كان اليسار يريد تحويل نتائجه الحالية إلى مسار تصاعدي، فإن الاستحقاقات الجماعية المقبلة ينبغي أن تكون حاضرة منذ الآن في حساباته السياسية والتنظيمية. فالانتخابات المحلية توفر مجالا مختلفا لبناء العلاقة مع المواطنين، وتتيح اختبار قدرة التنظيمات السياسية على الاشتغال اليومي داخل المجالات الترابية، كما تمنحها فرصة لتكوين نخب محلية قادرة على حمل المشروع السياسي في الميدان.

ومن ثم، فإن الاشتغال منذ الآن على بناء حضور جماعي قوي يمكن أن يشكل أرضية لتحسين النتائج في الانتخابات الجماعية نفسها، وفي الانتخابات التشريعية اللاحقة. فالمقاعد البرلمانية لا تُصنع دائما في الحملات الانتخابية، وإنما تبدأ في كثير من الأحيان من حضور سياسي واجتماعي طويل داخل المجال، ومن علاقة مستمرة مع المواطنين، ومن تنظيم قادر على الاستمرار بين محطة انتخابية وأخرى.

وهنا تحديدا يمكن فهم الفرق بين النجاح الانتخابي والتراكم السياسي. النجاح قد يكون لحظة، أما التراكم فهو مسار. وقد تكون الانتخابات قد منحت اليسار فرصة جديدة لاستعادة جزء من حضوره، لكن تحويل هذه الفرصة إلى تحول سياسي فعلي سيظل رهينا بما سيفعله منذ الآن: داخل البرلمان، وفي الدوائر الانتخابية، وفي المدن والبوادي، وفي تنظيماته، وفي علاقته بمناضليه وبالمجتمع.

لقد أعطت هذه الانتخابات لليسار مساحة جديدة للحضور، وربما فتحت أمامه نافذة سياسية لم تكن متاحة بالوضوح نفسه في محطات سابقة. لكن الحفاظ على هذه المساحة وتوسيعها لن يكونا مهمة انتخابية فقط، بل سيكونان اختبارا لقدرة اليسار على الانتقال من منطق الدفاع عن الوجود إلى منطق بناء المشروع.

فالعودة السياسية لا تُقاس فقط بعدد المقاعد التي تم الحصول عليها، وإنما بمدى القدرة على تحويل الأصوات إلى ثقة، والمقاعد إلى فعل سياسي، والفعل السياسي إلى تراكم، والتراكم إلى تنظيم، والتنظيم إلى مشروع..

حتى التهنئة الحقيقية للرفاق في اليسار ولكل من صوت لتحالف اليسار لا ينبغي أن تتوقف عند الاحتفاء بالنتائج، بل يجب أن تبدأ من السؤال عما سيأتي بعدها، فالانتخابات ليست نهاية المعركة، وإنما بداية اختبار سياسي جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى