ثقافة و فن

«لم نكن أحراراً بما يكفي».. فاطمة الإفريقي تقدم كتابها وتوقّعه في مكتبة بنعدادة بفاس

كانت جلسة ثقافية ماتعة، أدارها الأستاذ نجيب طلال برؤية إخراجية أضفت عليها بُعداً احتفالياً. افتُتح اللقاء بوصلة موسيقية أدّتها الأستاذة والطالبة خديجة سالك ، شدّت فيها أوتار آلة القانون انتباه الحاضرات والحاضرين. بعد ذلك، تحدثت الأستاذة فاطمة الإفريقي عن دوافع تأليف الكتاب وخلفياته، ثم قُدّمت قراءتان لمضمونه، من طرف الدكتور محمد الزوهري والدكتور مصطفى اللويزي. وقد استعرضت القراءتان مشاهد الكتاب بدقة وتفصيل، وتناولتَا في مجملهما قيمة الحرية بأبعادها المختلفة. واختُتم اللقاء بتفاعل الحاضرين ومداخلاتهم، قبل أن توقّع الكاتبة نسخاً من  كتابها.

 تنوير | متابعة

سبع وسبعون حكاية عن الحرية… شكراً فاطمة الإفريقي

سعيد بتقديم كتاب الإعلامية المتألقة فاطمة الإفريقي «لم نكن أحراراً بما يكفي…»، أمس بفاس، بدعوة من مكتبة بنعدادة.

عنوانٌ مصوغ بطريقة تكشف عن حرفة صحفية وعن قدرة على تطويع اللغة لصناعة المعنى. يبدأ بحرف النفي «لم»، لينقل الفعل المضارع إلى الماضي، نافياً تحقق الحرية «بما يكفي». كما ينطوي على قدر من النقد الذاتي واللوم؛ فالكاتبة تتحدث بضمير «نحن»، معبّرة عن جماعة تعرفها وتكشف عنها عبر أسطر الكتاب وفقراته. وكأن فاطمة الإفريقي تقول لنا: عنونوا أنتم كتابكم بـ«لنكن أحراراً بما يكفي…».

يسعدني أن الكتاب، الواقع في 208 صفحات والمقسّم إلى خمسة مشاهد أو فصول، يحتفي بالحرية بوصفها تيمة جوهرية تربط بين مقالاته السبعة والسبعين، المكتوبة بين عامي 2012 و2026، بخيط ناظم يمنحها وحدة موضوعية واضحة. غير أن فاطمة الإفريقي لا تكتب عن الحرية فحسب، بل تمارسها أيضاً في اختيار اللغة، وبناء الحكاية الصحفية، واتخاذ الموقف.

ويسعدني كذلك أن فاطمة الإفريقي من الصحافيات القلائل جداً في المغرب اللواتي يكتبن وفق مقومات «الصحافة السردية»، كما عرفناها مع توم وولف في الولايات المتحدة، وألبير لوندرز في فرنسا، وريشارد كابوشينسكي. فهي تبني قصصها في قوالب سردية محكمة، بلغة واضحة وسلسة ومعجم قريب من فهم عامة الناس، فيما تظل شخصيات حكاياتها وأحداثها حقيقية ومرتبطة بوقائع وأزمنة وأمكنة محددة. كما تستحضر الأدب العالمي للتعبير عن أوضاعنا العامة، من قبيل رواية «1984» لجورج أورويل، ومسرحية «في انتظار كودو» لصامويل بيكيت.

ويسعدني أن فاطمة الإفريقي تكسر الصور النمطية في كتابة المقال الصحفي. فهي، نعم، امرأة ذات صوت رقيق وعذب وجذاب، وذات طلّة بهية على شاشة التلفاز؛ لكنها تفاجئ قراءها بمواقف صلبة وبقدرتها على قراءة الأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية، مستندة إلى خلفية نقدية قوية. أليست مقالاتها مقالات رأي؟ إنها تبدي رأيها بجرأة وحرية، أو في حدود ما تسمح به الرقابة.

كما يسعدني أنني قدّمت كتاباً لسيدة لا تحصر نفسها في الخانات التقليدية للراغبين في التغيير. إنها مواطنة تمارس مهنة الصحافة، وتكتب بنَفَس نقدي، وتحاول التقاط مظاهر الفساد ومواطن ضعف السلطة، وتنتقد القرارات السيئة، وتكسر الأفكار الجاهزة، وتسخر من أصحاب القرار. أما الموقع الوحيد الذي تتبناه فاطمة الإفريقي علناً، فهو موقع النزاهة الفكرية.

لذلك، يمكن قراءة عنوانها مرة أخرى على خلفية «نحن» الحالمة بغد أفضل وبمغرب آخر. فالاعتراف بماضٍ لم تتحقق فيه الحرية بما يكفي، كما يعبّر عنه حرف النفي «لم»، يمكن أن يتحول، بجرعة من الأمل والجرأة، إلى دعوة مفتوحة إلى المستقبل: لنكن أحراراً بما يكفي…

الدكتور مصطفى اللويزي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى