ثقافة و فن

الناظور تحتفي بذاكرة السلام في الدورة الـ14 لمهرجان سينما الذاكرة المشتركة

  الحنبلي عزيز -تنوير 

عرفت مدينة الناظور، مساء السبت 15 نونبر 2025، انطلاق فعاليات الدورة الرابعة عشرة لمهرجان سينما الذاكرة المشتركة، الذي ينظمه مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم، خلال الفترة الممتدة من 15 إلى 20 نونبر، تحت شعار مركزي هو “ذاكرة السلام”، في سياق دولي مطبوع بتنامي الأزمات والنزاعات وعودة أسئلة العدالة الانتقالية والمصالحة إلى واجهة النقاش العمومي.

وتسعى هذه التظاهرة السينمائية، التي أضحت محطة قارة في الأجندة الثقافية للمدينة والجهة، إلى جعل الفن السابع فضاء حيا للتفكير الجماعي حول قضايا حقوق الإنسان والتعايش، عبر ربط الصورة بالذاكرة، واستحضار تجارب الشعوب في بناء السلم وترميم الجراح، ضمن رؤية تعتبر أن الثقافة والسينما من الأدوات الأساسية لصون الذاكرة والعبور الآمن نحو المستقبل. 

عَرَفَت مدينة الناظور، يوم السبت 15 نونبر، انطلاق فعاليات مهرجان سينما الذاكرة المشتركة، الحدث الثقافي الذي أصبح موعداً ثابتاً في أجندة المدينة، لما يحمله من رسائل عميقة تربط بين السينما والتاريخ وقيم الانفتاح. دورة هذه السنة جاءت تحت شعار “دورة الوفاء للوفاء”، في اختيار رمزي يجدد التأكيد على أن الثقافة بوابة لصون الذاكرة الإنسانية واستحضار روادها.
الحفل الافتتاحي الذي احتضنه منتجع مارتشيكا جمع ثلة من الأسماء الفنية والفكرية من المغرب وخارجه، وسط أجواء اتسمت بروح الاعتراف بالمسارات التي خلّفت بصمتها في الفن والدفاع عن حقوق الإنسان والدبلوماسية الثقافية. الكلمات التي أُلقيت بالمناسبة أبرزت أن الوفاء لرموز الإبداع والفكر هو وفاء للقيم التي حملوها، وللرسالة التي دافعوا عنها رغم كل التحولات.
وشكّل اللقاء مناسبة للتذكير بالدور المتصاعد للمهرجان في تعزيز حوار الثقافات، باعتباره فضاءً يعيد بناء الذاكرة المشتركة على أسس التلاقي والانفتاح، لا على خلافات الماضي. وتم خلال الحفل استعراض محطات مشرقة من مسارات شخصيات تم تكريمها تقديراً لعطائها وتأثيرها الذي تجاوز حدود أعمالها الفنية أو الفكرية.
لحظات التكريم شهدت الكثير من المشاعر الصادقة، حيث عبّر المحتفى بهم عن فخرهم بارتباط أسمائهم بالناظور، وأكدوا أن الفن، حين يخلص لقيمه، يتحول إلى صوت حي يحفظ الذاكرة ويعزز ثقافة العيش المشترك.
وبهذا الافتتاح المميز، يواصل مهرجان سينما الذاكرة المشتركة في نسخته الرابعة عشرة تعزيز مكانته كمنصة تجمع بين الصورة والإنسان والتاريخ، ليؤكد مرة أخرى أن شعار الوفاء ليس مجرد عنوان، بل ممارسة تتجدد كل سنة، وترسم ملامح هوية ثقافية تسعى المدينة من خلالها إلى تثبيت موقعها كفضاء للحوار والتنوير.

إلى جانب شعار “ذاكرة السلام”، اختار المنظمون أن تحمل دورة هذه السنة البعد التكريمي لـ**”الوفاء للوفاء”**، من خلال الاحتفاء بشخصيات فكرية وثقافية وحقوقية طبعت مساراتها بمرافعة متواصلة من أجل الكرامة الإنسانية، في المغرب والعالم العربي ومناطق أخرى من العالم. 

وفي هذا الإطار، تَـوَّج حفل الافتتاح بمنح جائزة “ذاكرة من أجل الديمقراطية والسلم” في نسختها الثامنة لأحد أبرز الأسماء التي ساهمت في ترسيخ مسار العدالة الانتقالية بالمغرب، باعتبارها تجربة مرجعية قاريا ودوليا في المصالحة مع الماضي وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع. كما شهدت المنصة لحظات اعتراف مؤثرة بتكريم وجوه عربية ودولية، في مقدمتها الشاعرة والأميرة الدكتورة سعاد الصباح، إلى جانب شخصيات قانونية وأكاديمية مثل الأستاذ عبد القادر بحياتي، تقديرا لإسهاماتهم في ربط الإبداع بالدفاع عن حقوق الإنسان وثقافة الحوار. 

البرمجة الفنية للمهرجان تقترح على جمهور الناظور وزوارها باقة من الأفلام الروائية والوثائقية، الطويلة والقصيرة، القادمة من بلدان متعددة، من بينها المغرب ودول عربية وأوروبية وأمريكية لاتينية، تعالج موضوعات الذاكرة الفردية والجماعية، وحكايات الحروب والمنفى والمصالحة والبحث عن سلام عادل ودائم. كما تحتضن القاعات والفضاءات الموازية ندوات فكرية وموائد مستديرة وورشات تكوينية، يشارك فيها سينمائيون وباحثون وخبراء في العدالة الانتقالية وحقوق الإنسان، في تلاقٍ بين لغة الصورة ولغة البحث العلمي. 

ولا يقتصر رهان المهرجان على الاحتفاء بالأفلام والنجوم، بل يتجاوزه إلى بناء “ذاكرة مشتركة” بين ضفتي المتوسط، وبين الشمال والجنوب، عبر توسيع دائرة النقاش حول سبل تجسير الهوة بين الشعوب، وتعزيز ثقافة التسامح والإنصات المتبادل، في زمن تتصاعد فيه خطابات الكراهية والانغلاق. من هنا، تصبح الناظور، لأيام معدودة، عاصمة رمزية لصوت السينما الذي يدافع عن السلام، ويمنح للذاكرة البشرية فرصة جديدة كي تُروى من زوايا أكثر عدلا وإنسانية. 

بهذه الروح، يكرس مهرجان سينما الذاكرة المشتركة حضوره كأحد المواعيد السينمائية والإنسانية البارزة في المغرب، حيث تمتزج الاحتفالية الفنية بجدية السؤال الحقوقي والسياسي، ويتحول تكريم رواد الفكر والإبداع إلى لحظة جماعية لتجديد العهد مع قيم الوفاء والعدل والسلام، التي تتطلع الناظور، ومعها المغرب، إلى جعلها جزءا ثابتا من هويتها الثقافية والحضارية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى