الحنبلي عزيز -تنوير-متابعة
أثار حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إمكانية إسناد مهمة التعامل مع حزب الله في لبنان إلى الرئيس السوري أحمد الشرع موجة واسعة من التساؤلات بشأن طبيعة الدور الذي تريده واشنطن لسوريا الجديدة، وحدود التحول الجاري في موقع دمشق داخل معادلات الشرق الأوسط.
فالطرح الأمريكي، وإن لم يرتق إلى مستوى اتفاق رسمي أو تفويض قانوني، يحمل دلالات سياسية وأمنية تتجاوز التصريح العابر. إنه يضع الرئيس السوري أمام فرصة للحصول على اعتراف أمريكي أوسع بدوره الإقليمي، لكنه يضعه في الوقت نفسه أمام واحدة من أخطر ساحات الصراع وأكثرها تعقيداً.
ومن هنا يبرز السؤال المركزي: هل يمثل العرض الأمريكي هدية سياسية لأحمد الشرع، تكرسه شريكاً إقليمياً موثوقاً وتمنح سوريا موقعاً جديداً بعد سنوات العزلة؟ أم أنه فخ يراد من خلاله نقل عبء المواجهة مع حزب الله من إسرائيل إلى دمشق، وإدخال السلطة السورية الجديدة في صراع قد يستنزفها عسكرياً وسياسياً ويهدد استقرارها الداخلي؟
من العزلة إلى الاعتراف الأمريكي
ينطوي كلام ترامب، في ظاهره، على إشادة كبيرة بالرئيس السوري وبقدرته على إدارة الملفات الصعبة. فمجرد اعتبار واشنطن أن دمشق قادرة على الاضطلاع بدور في لبنان يعني أن القيادة السورية الجديدة لم تعد تُعامل باعتبارها سلطة انتقالية منشغلة فقط بإعادة ترتيب أوضاع الداخل، بل باعتبارها طرفاً يمكن أن يسهم في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.
ويمثل ذلك تحولاً مهماً في موقع سوريا السياسي. فبعد سنوات من الحرب والانقسام والعزلة والعقوبات، تصبح دمشق محل مخاطبة أمريكية مباشرة بشأن ملف يتصل بالأمن اللبناني والإسرائيلي وبالنفوذ الإيراني في المنطقة.
ومن هذه الزاوية، يبدو العرض الأمريكي أشبه بهدية دبلوماسية؛ إذ يمنح الرئيس السوري اعترافاً ضمنياً بشرعيته السياسية، ويعزز صورته بوصفه قائداً قادراً على توحيد بلاده والتعامل مع القضايا الإقليمية الكبرى.
كما يمكن لدمشق أن تستفيد من هذا التقارب في ملفات أخرى، مثل تخفيف العقوبات، وجذب الاستثمارات، والحصول على الدعم اللازم لإعادة الإعمار، وتطوير علاقاتها مع الدول الغربية والعربية.
لكن الاعتراف الأمريكي لا يأتي عادة بلا مقابل. فواشنطن لا تقدم لسوريا دوراً إقليمياً مجانياً، بل تربطه بمهمة شديدة الحساسية تتمثل في الحد من نفوذ حزب الله، وضبط الحدود السورية اللبنانية، ومنع انتقال الأسلحة، وربما الضغط من أجل نزع سلاح الحزب أو تقليص قدرته العسكرية.
لماذا تريد واشنطن دوراً سورياً؟
يبدو أن الطرح الأمريكي يعكس رغبة في البحث عن بديل للعمليات العسكرية الإسرائيلية داخل لبنان، بعدما أثارت تلك العمليات انتقادات بسبب الخسائر البشرية والدمار الذي أصاب مناطق مدنية.
ومن وجهة نظر ترامب، قد تكون سوريا أقدر على التعامل مع الملف بحكم الجغرافيا والعلاقات التاريخية والامتداد الحدودي، فضلاً عن معرفة دمشق الدقيقة بالتركيبة السياسية والأمنية اللبنانية.
كما أن واشنطن قد ترى في السلطة السورية الجديدة طرفاً أقل كلفة من التدخل العسكري الإسرائيلي المباشر. فبدلاً من استمرار القصف والتوغلات وما تثيره من توتر دولي وإقليمي، يمكن الضغط على حزب الله عبر الحدود الشرقية والشمالية، وعبر إجراءات أمنية وسياسية تقودها دمشق.
وقد تراهن الإدارة الأمريكية أيضاً على أن الخلاف بين القيادة السورية الجديدة وإيران وحلفائها يجعل من دمشق شريكاً طبيعياً في مشروع إضعاف النفوذ الإيراني في المشرق العربي.
لكن نقل الملف إلى سوريا لا يعني بالضرورة حله. فحزب الله ليس تنظيماً عابراً يمكن تفكيكه بإغلاق الحدود أو تنفيذ عمليات أمنية محدودة، بل هو قوة لبنانية مسلحة تمتلك حضوراً سياسياً واجتماعياً ومؤسساتياً داخل البلاد، وترتبط بقواعد شعبية وتحالفات محلية وإقليمية.
ولذلك فإن مطالبة سوريا بـ«التعامل» مع الحزب قد تحمل معاني تتراوح بين ضبط الحدود، وقطع طرق الإمداد، وممارسة الضغط السياسي، وصولاً إلى التدخل العسكري. وبين هذه المستويات فروق كبيرة قد تحدد ما إذا كان الدور السوري فرصة دبلوماسية أم مغامرة مفتوحة.
الفخ العسكري والطائفي
أخطر ما في الطرح الأمريكي هو احتمال دفع سوريا إلى تدخل عسكري مباشر داخل الأراضي اللبنانية. فمثل هذا السيناريو قد يفتح مواجهة لا تستطيع دمشق التحكم في مسارها أو نتائجها.
سوريا الخارجة من سنوات طويلة من الحرب لا تزال بحاجة إلى توحيد مؤسساتها وإعادة بناء جيشها واقتصادها وإدارتها. وانخراطها في نزاع جديد خارج حدودها قد يبدد مواردها المحدودة ويحول أنظار السلطة عن أولويات الداخل.
كما أن المواجهة مع حزب الله لا يمكن فصلها عن حساسيات المنطقة الطائفية. فأي تحرك عسكري سوري ضد الحزب قد يُقدَّم من خصوم دمشق أو طهران باعتباره استهدافاً لمكوّن لبناني بعينه أو خدمة مباشرة للمصالح الإسرائيلية.
وقد يؤدي ذلك إلى توترات داخل سوريا نفسها، خصوصاً في ظل تنوعها المذهبي والإثني، وحاجة السلطة الجديدة إلى بناء الثقة بين مختلف مكونات المجتمع.
ولا يمكن تجاهل الذاكرة اللبنانية المثقلة بالتجربة السورية السابقة. فقد ظل الوجود العسكري والسياسي السوري في لبنان لعقود موضوعاً شديد الحساسية والانقسام، وانتهى بانسحاب القوات السورية سنة 2005.
لذلك فإن عودة قوات سورية إلى لبنان، حتى تحت عنوان مواجهة حزب الله أو حماية الحدود، قد تثير رفضاً واسعاً لدى قوى لبنانية تخشى عودة الوصاية السورية بصيغة جديدة.
ومن ثم، فإن أي دور سوري لا يستند إلى طلب رسمي من الدولة اللبنانية وإلى غطاء عربي ودولي واضح، قد يُنظر إليه باعتباره انتهاكاً للسيادة، مهما كانت المبررات الأمنية المقدمة.
هل تريد واشنطن استبدال إسرائيل بسوريا؟
يفتح كلام ترامب الباب أمام قراءة أخرى، مفادها أن الإدارة الأمريكية تبحث عن «متعهد جديد» لإنجاز مهمة تعثرت إسرائيل في حسمها.
فبدلاً من تحمل تل أبيب تكلفة الحرب والانتقادات الدولية، يمكن إسناد المهمة إلى دمشق، على أن تحصل القيادة السورية في المقابل على الاعتراف السياسي والدعم الاقتصادي وتخفيف الضغوط.
وهنا يتحول العرض من هدية إلى فخ؛ لأن سوريا قد تجد نفسها تنفذ أهدافاً أمريكية وإسرائيلية من دون أن تملك ضمانات حقيقية بشأن المكاسب التي ستحصل عليها.
وقد تنجح واشنطن في دفع دمشق إلى المواجهة، ثم تتراجع عن دعمها إذا ارتفعت الكلفة أو تغيرت الأولويات الدولية. كما يمكن أن تستخدم إسرائيل الدور السوري ذريعة للاحتفاظ بمواقعها داخل لبنان، بحجة انتظار تفكيك قدرات حزب الله أو التحقق من زوال التهديد.
وفي هذه الحالة، تصبح سوريا مسؤولة عن تحقيق شروط أمنية إسرائيلية، بينما تستمر إسرائيل في السيطرة على مناطق لبنانية أو تنفيذ عمليات عسكرية كلما اعتبرت أن دمشق لم تنجز المهمة المطلوبة.
وهذا السيناريو قد يضع الشرع في مواجهة مزدوجة: فمن جهة يتعرض لضغوط أمريكية وإسرائيلية لتصعيد تحركاته ضد حزب الله، ومن جهة أخرى يواجه اتهامات عربية ولبنانية بأنه تحول إلى أداة لتنفيذ مشروع خارجي.
المكاسب المحتملة لدمشق
رغم المخاطر، لا يخلو الطرح الأمريكي من فرص يمكن لسوريا استثمارها إذا تعاملت معه بحذر.
أول هذه المكاسب هو تعزيز الاعتراف الدولي بالقيادة السورية الجديدة. فإشادة رئيس الولايات المتحدة بقدرة الشرع على التعامل مع ملف إقليمي بهذا الحجم تمنحه ثقلاً سياسياً إضافياً.
وثانيها أن دمشق قد تستخدم الورقة اللبنانية لتحسين شروط تفاوضها مع واشنطن بشأن العقوبات وإعادة الإعمار والمساعدات الدولية ورفع القيود عن الاقتصاد السوري.
أما المكسب الثالث فيتعلق بفرض سيطرة أكبر على الحدود مع لبنان، بما يساعد الحكومة السورية على مكافحة التهريب وضبط الجماعات المسلحة وإعادة بناء سلطة الدولة في المناطق الحدودية.
كما يمكن لدمشق أن تقدم نفسها وسيطاً بين الأطراف اللبنانية، بدلاً من الانخراط في القتال. فالدور السياسي والدبلوماسي قد يتيح لها العودة إلى الإقليم من بوابة مقبولة، شرط احترام سيادة لبنان وعدم تكرار تجربة التدخل السابقة.
ويمكن للشرع كذلك أن يحول العرض الأمريكي إلى أداة ضغط، من خلال الإعلان عن استعداد سوريا للمساعدة في تثبيت الاستقرار، ولكن ضمن شروط واضحة، في مقدمتها انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان، ووقف الضربات، واحترام مؤسسات الدولة اللبنانية.
بهذه الطريقة، لا تظهر دمشق وكأنها تنفذ مهمة لصالح إسرائيل، بل كدولة تسعى إلى تسوية متوازنة تشمل إنهاء الاحتلال وحصر السلاح في يد المؤسسات الشرعية.
الموقف اللبناني هو الأساس
يغيب لبنان، في كثير من التصريحات الدولية، باعتباره صاحب السيادة والقرار الأول في هذا الملف. فواشنطن تتحدث عن دور سوري، وإسرائيل تضع شروطاً أمنية، وإيران تتابع مصير حليفها، بينما يفترض أن تكون الدولة اللبنانية هي الطرف المعني بتحديد شكل المساعدة التي تحتاجها.
ولا يمكن لأي تسوية قابلة للاستمرار أن تنجح من دون مؤسسات لبنانية قوية وجيش قادر وقرار سياسي داخلي يحظى بقدر كاف من التوافق.
فإذا تم تجاوز الحكومة اللبنانية، فإن أي تدخل سوري سيضاعف الأزمة بدل حلها. وسيمنح حزب الله مبرراً لتقديم نفسه مدافعاً عن السيادة اللبنانية في مواجهة تدخل خارجي.
أما إذا جاء الدور السوري في إطار اتفاق رسمي مع بيروت، يقتصر على مراقبة الحدود والتعاون الأمني ومنع التهريب، فقد يكون أكثر قبولاً وأقل خطورة.
ومن المهم أيضاً أن يرتبط أي مسار لنزع السلاح أو دمج القوى المسلحة بحوار لبناني داخلي، لا بعملية تفرضها دولة مجاورة أو قوة أجنبية.
كيف يستطيع الشرع تجنب الفخ؟
يتوقف تحول العرض الأمريكي إلى فرصة أو فخ على الطريقة التي ستتعامل بها دمشق معه.
أولاً، ينبغي على القيادة السورية رفض أي تدخل عسكري أحادي داخل لبنان، والتأكيد أن احترام سيادة الدول جزء أساسي من سياسة سوريا الجديدة.
ثانياً، يمكن قبول التعاون الأمني في ضبط الحدود، ولكن من خلال تنسيق رسمي مع الحكومة والجيش اللبنانيين، وبمشاركة عربية أو دولية عند الضرورة.
ثالثاً، يجب ربط أي دور سوري بوقف العمليات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي اللبنانية، حتى لا تبدو دمشق وكأنها تستكمل ما بدأته إسرائيل.
رابعاً، على سوريا تجنب الخطاب الطائفي، والتعامل مع حزب الله باعتباره قضية سياسية وأمنية لبنانية مركبة، لا باعتباره ممثلاً لطائفة أو جماعة دينية.
خامساً، يمكن لدمشق استخدام العرض للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية واضحة، لكن من دون تقديم التزامات عسكرية مفتوحة أو الدخول في مواجهة لا تعرف نهايتها.
هدية مغلفة بشروط خطرة
يمكن القول إن حديث ترامب يمثل هدية سياسية من حيث الاعتراف بمكانة أحمد الشرع ومنحه فرصة للظهور شريكاً للولايات المتحدة في صناعة النظام الإقليمي الجديد.
لكنه في الوقت نفسه يحمل بذور فخ حقيقي، لأن المهمة المقترحة قد تجر سوريا إلى مواجهة مع حزب الله وإيران، وتعيد إحياء المخاوف اللبنانية من النفوذ السوري، وتعرض استقرار الداخل السوري لاختبارات قاسية.
الفارق بين الهدية والفخ يكمن في تعريف المهمة. فإذا اقتصر الدور السوري على الوساطة وضبط الحدود ودعم مؤسسات الدولة اللبنانية، فقد يتحول العرض إلى فرصة لإعادة دمشق إلى محيطها العربي والدولي.
أما إذا كان المطلوب من سوريا دخول لبنان عسكرياً، ونزع سلاح حزب الله بالقوة، وتحمل مسؤولية تنفيذ الشروط الإسرائيلية، فإن الأمر سيكون أقرب إلى فخ استراتيجي يراد منه استبدال حرب إسرائيلية بحرب سورية–لبنانية.
والتحدي الحقيقي أمام أحمد الشرع هو أن يستفيد من الاعتراف الأمريكي من دون أن يتحول إلى وكيل أمني لواشنطن أو تل أبيب. فسوريا تحتاج اليوم إلى إعادة بناء الدولة، لا إلى فتح جبهة جديدة؛ ولبنان يحتاج إلى استعادة سيادته، لا إلى انتقال الوصاية عليه من طرف إقليمي إلى آخر.