استرجاع أقاليمنا الصحراوية محطة أساسية في مسلسل استكمال وحدتنا الوطنية ومنطلق لتحقيق التنمية المستدامة ومناسبة أبرزت حسد جيراننا

أحمد رباص
قبل الدخول في صلب الموضوع، أرى أنه من المناسب تبيان سائر عناصر الخطاطة المنهجية التي يتأسس عليها هذا العرض والتي حاولت إدماجها في عنوان الموضوع. هكذا تكون الخطوة الأولى عبارة عن إطلالة سريعة على مراحل الكفاح الوطني منذ فرض الحماية على بلادنا سنة 1912، أما الخطوة الثانية فتتمثل في الحديث عن المشاريع التنموية التي تحتضنها أقاليمنا الجنوبية، فيما تتجسد الخطوة الثالثة في قراءة في مقال رأى النور حديثا على النت بعنوان: وصايا العروي” بشأن قضية الصحراء وتدبير “العلاقة المعقدة” مع الجزائر وبقلم فوزي بوخريص أستاذ السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا -جامعة ابن طفيل بالقنيطرة
1) معارك وبطولات وتضحيات في سبيل نيل الاستقلال
يحتفل المغرب هذه السنة بعيد الاستقلال في سياق خاص تميز أساسا بالقرار الأممي رقم 2797 الذي لا يسمح المغرب بالتفاوض مع الطرف المعني سوى في إطار الحكم الذاتي. يأتي هذا الاحتفال بعد 70 عاما من التلاحم بين العرش والشعب.
يحتفل الشعب المغربي هذه الأيام، بكل فخر واعتزاز، بالذكرى السبعين لعيد الاستقلال، وهو حدث مجيد يرمز إلى تتويج ملحمة نضالية طويلة من أجل الدفاع عن وحدة المملكة وسيادتها وثوابتها المقدسة، بفضل تلاحم العرش والشعب.
يعتبر يوم الاستقلال (18 نونبر)، المنحوت في سجلات تاريخ المملكة والمنقوش في قلوب جميع المغاربة، فرصة لاستحضار السياق التاريخي لهذا الحدث الجلل، الذي يُمثل انتصار الإرادة المشتركة للعرش والشعب، المنخرطين جنبا إلى جنب في كفاح طويل لتحرير البلاد من الحكم الاستعماري ووضع أسس مغرب موحد ومستقل، على موعد مع مستقبل مشرق. وكانت لحظة محورية في هذا النضال الوطني من أجل الاستقلال تلك الزيارة التاريخية لأب الأمة وبطل التحرير، جلالة الملك محمد الخامس، إلى طنجة يوم 9 أبريل 1947، والتي أكدت من جديد التزام المغرب، ملكا وشعبا، بحريته ووحدة أراضيه وهويته. وكان من أعظم إنجازات الحركة الوطنية تحولها، في أوائل الثلاثينيات، نحو النشاط السياسي من أجل إحياء الروح الوطنية في جميع شرائح المجتمع المغربي، وخاصة بين الشباب. كما عملت الحركة الوطنية على توعية الرأي العام الدولي بالقضية المغربية، مما أثار استياء السلطات الاستعمارية، التي ردّت بإجراءات قمعية قضت على مشروع الاستقلال، الذي وُضع بالتنسيق الوثيق مع أب الأمة، جلالة الملك محمد الخامس، رحمه الله. ورغم النفي الذي فرضه المستعمر على جلالته والعائلة المالكة الجليلة، بدايةً في كورسيكا، ثم في مدغشقر، لم يضعف زخم النضال الوطني، بل على العكس، أشعل فتيل انتفاضة عامة في جميع مدن وقرى المغرب.
شهد كامل التراب الوطني العديد من المعارك البطولية والانتفاضات الشعبية التي جسدت مقاومة الشعب المغربي ضد الوجود الأجنبي والسيطرة الاستعمارية. وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى معارك الهري وأنوال وبوغافر وجبل بادو وسيدي بو عثمان، وكذلك انتفاضة قبائل آيت باعمران والأقاليم الجنوبية وملاحم تاريخية أخرى. أدت هذه المعارك إلى إلحاق المقاومين هزائم ثقيلة بالقوات الاستعمارية.
تمثل ثورة الملك والشعب المعروفة ب 20 غشت 1953 لحظة أخرى من لحظات التلاحم الوطني والنضال الشجاع للشعب المغربي المتحد خلف ملكه. بالنسبة إلى لأجيال الجديدة، تمثل هذه الذكرى فرصة لتقدير حجم التضحيات التي قدمها أسلافهم حتى تمكنت البلاد من تحرير نفسها من نير الاستعمار واستعادة استقلالها.
عند عودته من منفاه في 18 نوفمبر 1955، أعلن جلالة الملك محمد الخامس انتهاء الحماية الفرنسية وبدء عهد الحرية والاستقلال، معلنا أن المغرب مقبل على الانتقال من “الجهاد الأصغر” إلى “الجهاد الأكبر”، مُقررا بذلك انتصار ثورة الملك والشعب.
كان الاستقلال منعطفا حاسما في تاريخ المغرب، إذ مثّل نصرا مدويا توّج الكفاح الوطني الشرس ضد الاستعمار المفروض منذ 30 مارس 1912. وبدأ عهد جديد، اتسم بالإصلاحات التي أطلقها جلالة الملك محمد الخامس في جميع القطاعات الحيوية، بهدف بناء مغرب حديث والحفاظ على وحدته الترابية.
على خطى والده الجليل، قاد الملك الراحل الحسن الثاني معركة استكمال الوحدة الترابية للمغرب باستعادة سيدي إفني يوم 30 يونيو 1969، تلتها استعادة الأقاليم الجنوبية بواسطة المسيرة الخضراء يوم 6 نوفمبر 1975. وفي الوقت نفسه، كرس الملك الراحل الحسن الثاني نفسه لبناء دولة القانون والمؤسسات وترسيخ الديمقراطية.
واستمرارا لعمل بناء الأمة الذي بدأه الملك الراحل محمد الخامس والملك الراحل الحسن الثاني رحمهما الله، يواصل جلالة الملك محمد السادس، أيده الله، اليوم تحديث المغرب، مؤكدا على الدفاع عن الوحدة الترابية وتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة التي تضمن لكل مواطن حياة كريمة، مع وضع العنصر البشري في قلب السياسات الوطنية.
2) الأقاليم الجنوبية قطب استثماري استراتيجي على المستوى الوطني
باعتبارها أرضية صلبة تنطلق منها الطموحات الملكية إلى لتنمية العادلة والمتكاملة، تعمل الأقاليم الجنوبية الآن على ترسيخ نفسها كقطب استثماري استراتيجي على المستوى الوطني. ومن خلال هيكلة المشاريع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والصناعة الزراعية والتكوين، تعزز هذه المناطق دورها كقوة دافعة إقليمية للمغرب الناشئ، مما يوضح نجاح نموذج التنمية القائم على تنمية الأراضي العامة. والترسيخ الترايي للمشاريع العمومية الكبرى.
ما فتئت الأقاليم الجنوبية تؤكد عاماً بعد عام على مكانتها كقطب استثماري استراتيجي في سياسة التنمية الإقلمية للمملكة. وتشكل أقاليم المملكة هذه اليوم وعاءً لهيكلة المشاريع التي تعكس التنفيذ الملموس للمبادئ التوجيهية الملكية العليا لصالح التنمية العادلة والمتكاملة. بشكل ملموس، في البنية التحتية والخدمات الأساسية، من المقرر الشروع في تشغيل الشركات الجهوية متعددة الخدمات في الجهات الثلاثة بالجنوب المغربي– العيون – الساقية الحمراء، الداخلة – واد الذهب، كلميم – واد نون– قبل نهاية العام الحالي. وستحل هذه الهياكل الجديدة محل السلطات الحالية وأصحاب الامتيازات لضمان الإدارة الحديثة والموحدة لخدمات الماء والكهرباء والصرف الصحي على المستوى الجهوي.
تتجلى جهود الاستثمار العمومي أيضا في المجال الهيدروليكي. ففي الداخلة، على سبيل المثال، يجري تنفيذ مشروع متكامل لتحلية مياه البحر لأغراض الري بتكلفة 2.5 مليار درهم، بما في ذلك محطة لتحلية المياه، ومزرعة رياح بقدرة 40 ميجاوات، وشبكة ري تزيد مساحتها عن 5000 هكتار. وفي كلميم، يوفر مشروع آخر لتحلية المياه، تقدر تكلفته بـ 2.03 مليار درهم، قدرة 47 مليون متر مكعب سنويا لتوفير الماء الصالح للشرب وللزراعة.
في جهة العيون-الساقية الحمراء، يقوم عملاق صناعة الفوسفاط، مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، بتنفيذ مشروعين رئيسيين: إنشاء مغسلة العيون التي تبلغ نسبة إنجازها حالياً حوالي 88%، إنشاء الميناء الفوسفاطي بالعيون، الذي من المقرر أن يتم تشغيله هذا العام بالذات. وسيكون لهذه المشاريع الاستراتيجية الفضل في تعزيز القدرات اللوجستية والصناعية للمنطقة وتنمية مواردها الطبيعية.
في مجال التكوين والتوظيف، تضم جهة العيون – الساقية الحمراء بالفعل مدينة المهن والكفاءات، في حين سيتم تشغيل مدينتنا المهم والكفاءات الخائنين بجهتي الداخلة – واد الذهب وگلميم – واد نون في عام 2026. وتقدم هذه المنصات الجهوية التكوين المتكيف مع الاحتياجات الاقتصادية المحلية، لا سيما في المهن المرتبطة بالطاقات المتجددة والخدمات اللوجستية والصناعة الزراعية.
وسوف تمتد الأشغال العمومية في هذه الجهات أيضا إلى مجال الصحة، مع النشر التدريجي للمجموعات الصحية الجهوية، وهي بنية جديدة للحكامة الإستشفائية، التي ستهتم بشكل خاص بالجهات الجنوبية الثلاثة.
وعندما يتعلق الأمر بالطاقة، فإن الأقاليم الجنوبية تعمل على ترسيخ مكانتها باعتبارها أداة رئيسية لاستراتيجية الطاقة الوطنية. في إطار خارطة الطريق بقيادة مازين (· الوكالة المغربية للطاقة المستدامة) سوف تستضيف هذه الجهات جزء كبيرا من المشاريع المرتبطة بالهيدروجين الأخضر، باستثمارات إجمالية تقدر بأكثر من 370 مليار درهم. هذه الاستثمارات، وهي جزء من “عرض المغرب”، تضع الجهات الجنوبية كمركز طاقي قاري في المستقبل.
ولكن رغم هذا التقدم، تظل حصة الاستثمارات العمومية المخصصة لهذه الجهات أقل من 3% من الإجمالي الوطني. الوضع الذي يعزز دعوة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في خطاب العرش الذي ألقاء يوم 29 يوليوز 2025، إلى إطلاق جيل جديد من برامج التنمية الجهوية المتكاملة، على أساس تعزيز الخصوصيات المحلية وتعزيز التماسك الجهوي.
كما تم تأكيد دينامية التنمية في الأقاليم الجنوبية من خلال قراءة أحدث البيانات حول تعبئة الوعاءات العقارية العامة المخصصة للاستثمار. وفي الواقع، تسجل هذه الجهات تركيزا ملحوظا للمشاريع ذات القيمة المضافة العالية، مدعومة بسياسة عقارية إرادوية وزيادة مشاركة المؤسسات العمومية. وهكذا فإن جهة العيون-الساقية الحمراء تهيمن إلى حد كبير على المؤشرات. وفي النصف الأول من عام 2025، عبأت إدارة املاك الدولة ما يقرب من 16423 هكتار لتنفيذ 41 مشروعا استثماريا، بمبلغ إجمالي قدره 8.02 مليار درهم، مما يسمح بخلق 1308 فرص عمل. ويركز قطاع الطاقة أكثر من 97% من المساحة المعبأة، المخصصة لتركيب ثلاث مزارع للرياح: واحدة في العيون (2.5 مليار درهم) واثنتان في بوجدور (4.35 مليار درهم).
وتعد الصناعة الزراعية والخدمات أيضًا من بين القطاعات الديناميكية، حيث استحوذت هذه المنطقة على 75.9% من المساحة الوطنية المخصصة للصناعة الزراعية خلال نفس الفترة، مما يؤكد مكانتها كمركز للتجهيز والخدمات اللوجستية في الجنوب.
تعمل جهة الداخلة-واد الذهب على تعزيز مكانتها كمركز اقتصادي ناشئ، حيث استفادت من 40 مشروعا استثماريا، تمتد على مساحة 893 هكتار، بميزانية إجمالية قدرها 1.425 مليار درهم، وتوفر 2105 فرصة شغل مباشرة. واستأثر قطاع التعدين في هذه الجهة بتعبئة 83% من المساحة، في حين استفاد قطاعا الخدمات والسياحة من الوظائف والاستثمارات. كما تعد الطاقة والصناعة الزراعية والصحة والتعليم من بين القطاعات المدعومة. وتأتي هذه الاستثمارات امتدادا لتعبئة 29.580 هكتار في عام 2024، مخصصة لمشاريع متكاملة ذات قيمة مضافة عالية، 87% منها تتعلق بقطاع الطاقة.
وأبانت جهة كلميم-واد نون أيضا عن تصاعد في القوة. ففي عام 2025، تمت تعبئة حوالي 341 هكتار لثمانية مشاريع بقيمة إجمالية قدرها 1.34 مليار درهم استثماري وخلق 314 فرصة شغل. وفي عام 2024، استفادت المنطقة بالفعل من 9 مشاريع تغطي مساحة 273 هكتار، بتكلفة 8.92 مليار درهم و1204 فرصة شغل. كما نالت قطاعات الطاقة والصناعة والتعدين نصيبها من الاهتمام وظهرت أكثر دينامية، واستفادت معا من جميع الوعاءات العقارية المعبأة تقريبا. ويعكس هذا التوجه بوضوح رغبة الدولة في ترسيخ هذه الجهة بشكل مستدام في الاستراتيجية الوطنية لتنويع الطاقة والصناعة.
ولم يتم استبعاد القطاعين الاجتماعي والحرفي. وفي العيون، قامت إدارة املاك الدولة بتعبئة 56 هكتار لتوسيع منطقة النشاط الحرفي، باستثمار 152 مليون درهم وخلق 100 فرصة شغل. ويستفيد الإسكان أيضا من الزخم الملحوظ، بميزانية قدرها 1.44 مليار درهم للنصف الأول من عام 2025، في حين ما تزال الوعاءات العقارية المخصصة للتكوين والصحة رهينة بالبنية التحتية العمومية الجهوية الجديدة.
ويظهر التوزيع الوطني للعقارات المعبأة أن الجهات الجنوبية الثلاثة تركز جزء كبيرا من الاستثمار: أكثر من 50% من إجمالي المساحة المخصصة لمشاريع الطاقة تقع في هذه الجهات، وتتصدرها العيون-الساقية الحمراء (54%)، تليها كلميم-واد نون (38%)، والداخلة:واد الذهب (7%). ويبلغ إجمالي هذه المشاريع ما يقرب من 8.5 مليار درهم من الاستثمارات وأكثر من 460 فرصة شغل، مما يعكس الاندماج التدريجي للجنوب في مشاريع الطاقة الوطنية الكبرى.
وبالتالي، لم تعد الأقاليم الجنوبية مقتصرة على دور هامشي، بل تؤكد نفسها كأقطاب هيكلية للاقتصاد الوطني، وتوضح الطاقة والصناعة الزراعية والسياحة والتكوين حول المشاريع ذات التأثير الجهوي القوي. ويوضح هذا الصعود في القوة نجاح نموذج التنمية المحدد الذي أطلقه جلالة الملك محمد السادس، والذي يقوم على التعبئة الرشيدة لأراضي الدولة وإنشاء نسيج اقتصادي إقليمي متكامل ومستدام.
3) رأي عبد الله العروي حول قضية الصحراء وموقفه من الجزائر
حسب الأستاذ الباحث، تناول عبد الله العروي قضية الصحراء مرة اخرى في كتابه الأخير “دفاتر كوفيد”، معلقا على العديد من المستجدات التي يعرفها الملف.
انطلق العروي في كتابه مما يجري هذه السنوات الأخيرة بين الجزائر والمغرب، مشيرا إلى أن “الرؤية اليعقوبية والناصرية والبيسماركية للمغرب العربي، التي أطرت الموقف الجزائري في سبعينات القرن الماضي، وتحكمت في تمثل حكام المرادية لمكانة بلادهم إقليميا وإفريقيا، بل ودوليا، رؤية متجاوزة اليوم، لكنها ما تزال تلهمهم إلى اليوم، وما تزال تهيمن على عقول الكثير من الجزائريين، حتى على أفضلهم اطلاعاً”. واعتبر العروي أن قضية الصحراء استمرت طويلاً لدرجة يبدو أن غالبية أولئك المسؤولين، بما فيهم الدبلوماسيين، بدأوا ينسون مقدماتها. لتتواصل، مع الأسف، نفس السياسة التي تنتج وضعا مؤسفا، قائما على إعادة إنتاج خطابات وممارسات الماضي البائد. لهذا ليس غريبا أن يهتدي خبراء وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA إلى وصفة خاصة للتعامل مع سيكولوجية الجزائريين، تتمثل في ضرورة إلهائهم من أجل منعهم من نشر الفوضى حولهم…
على مستوى النظامين السياسيين، يرفض العروي اختزالية قناعة بومدين، التي ما يزال يقتسمها غالبية الجزائريين اليوم، بأنه لا يمكن التوفيق بين النظامين الجزائري والمغربي، لأنهما متعارضان، متسائلا: إذا كان الأمر كذلك فعلا، فكيف نفسر سياسة التعايش بين نظام رأسمالي ونظام شيوعي خلال الحرب الباردة؟ وكيف نفسر سياسة نيكسون تجاه الصين، كما نظر لها هنري كيسنجر؟ وكيف نفسر أنه منذ 1951 والعالم العربي منقسم إلى ملكيات وجمهوريات، ورغم كل شيء تمكن من حد أدنى من التعاون في إطار الجامعة العربية؟
وبالنسبة لأولئك الذين يعتقدون بأنه من الخطأ الكبير عدم ترك ملف الصحراء بين يدي القادة الأفارقة، يرد العروي بأن مشكل الصحراء وُضع أمام الهيئة الأممية لأنه في الأصل كان يسائل قوة احتلال لم تكن إفريقية، وهي إسبانيا. ويضيف متسائلا: أي نزاع إفريقي بين البلدان الإفريقية تمت تسويته من طرف الأفارقة وبمبادرتهم؟ ثم يواصل متسائلا: من المسؤول عن تعقيد مشكلة الصحراء سياسياً غير القرار المتهور، المتمثل في قبول جمهورية وهمية كعضو في المنظمة الإفريقية؟
في إطار عرضه لمرتكزات الأطروحة الجزائرية، أشار العروي إلى أن العجز عن فهم المجريات السياسية المتعلقة بملف الصحراء، يعود غالبا إلى التفاوت في استيعاب تاريخ الملف وعمق الذكريات المرتبطة به. فالجزائريون لهم ذاكرة قصيرة، إنهم أبناء اللحظة، بينما المغاربة لهم ذاكرة متجذرة في التاريخ. ولهذا قدم الجزائريون أنفسهم، بعد استقلال بلادهم سنة 1962، في عهد بن بلة ومحمد حربي، باعتبارهم أبناء الثورة، الذين لا يدينون بأي شيء للتاريخ، على عكس المغرب الذي بدا لهم غارقا في التقليد. وبهذه الصفة ادعت الجزائر زعامة الأنظمة التي ولدت من رحم الإمبراطوريات الاستعمارية في إفريقيا وآسيا. وهذا الموقف بالتحديد هو الذي سهّل عليها إسماع سرديتها حول قضية الصحراء، رغم زيفها…
ويعلم مؤلف “العرب والفكر التاريخي” أن الجزائريين ولو اعترفوا بالحقوق التاريخية للمغرب على المناطق التي اقتطعت منه بفعل الاستعمارين الفرنسي والإسباني، إلا انهم يعتبرون كل ذلك أصبح لاغيا، بفعل النظام العالمي الجديد، الذي صارت في إطاره غالبية الدول مماثلة للجزائر وليس للمغرب.
وباعتباره مؤرخا، أدرك أن الخطاب الجزائري قائم على آلاف الأكاذيب التي يسهل تقبلها، مع الأسف، من طرف البلدان التي لا تاريخ لها، ومن طرف مسؤوليها الذين يتواجدون بعيدا عن الواقع الفعلي والمنطقي، والذين لا يدركون سوى الجانب الشكلي من المسألة (احتلال، تصفية استعمار، شعب، حق تقرير المصير… إلخ)، دون تدقيق النظر في معطيات الواقع وتعقيداته، ودون التساؤل حول: تحرير ماذا؟ وتقرير المصير في العلاقة مع من؟ وخصوصا في أي وقت؟ …
ويعود الخطأ الذي يُرتكب بشأن ملف الصحراء، في نظر العروي، إلى التفكير في وضعية الصحراء وواقعها، كما هو اليوم. والحال أنه إذا عدنا إلى بداية القضية، عندما كانت إسبانيا حاضرة وكانت الساكنة تبلغ رسميا حوالي 70 ألف نسمة، نجد أنه لم يكن ولا واحد يفكر في إمكانية أن تتواجد دولة ما في تراب الصحراء.
ومعلوم أن السؤال الذي طُرح في محكمة العدل الدولية كان كما يلي: هل كانت الصحراء الغربية قبل الاستعمار أرضا خلاء؟ وهل كانت لساكنة هذا التراب أم لا علاقة بيعة مع سلطان المغرب، مع ما تعنيه كلمة “بيعة” في القانون العام الإسلامي؟ والحال أن ذلك ما اعترفت به المحكمة، إذ أقرت بوجود رابط قانوني بين ساكنة الصحراء والعرش المغربي. والمغرب، بتنظيمه للمسيرة، لم يقم سوى باستخلاص نتيجة منطقية من هذه الواقعة. لكن المحكمة ذهبت بعيدا، لأن أطرافا أخرى حرفت المسألة، خصوصا الجزائر، بحديثها عن مشكلة تقرير المصير، في إطار مفاهيمي غريب تماما عن الإطار المفاهيمي للبيعة…
إن الأطروحة الرسمية الجزائرية حول ملف الصحراء ليست موقف أقلية حاكمة، كما يسود الاعتقاد، بل يتبناها العديد من الجزائريين، حتى في صفوف المعارضين للنظام القائم، الذين يتبنون تبعا لذلك ذات الرؤية الكاريكاتورية للمغرب، كما يتبناها عدد من المغاربيين (التونسيون والموريتانيون…) الذين يتعاطفون مع الجزائر…
هناك من يقول إن موقف الجزائر من ملف الصحراء مثل موقف إسبانيا، أي موقف يراهن على الحفاظ على ملف الصحراء مفتوحا، حتى لا ينتقل المغرب للمطالبة بشيء آخر. وفي الواقع إسبانيا، التي لها تجربة كبيرة في هذا المجال، يبدو أنها فهمت أخيرا أنه ليس من المستحيل أن يتم إيجاد اتفاق بهذا الخصوص، وهذا ما حدث فعلا.
لكن بالمقابل الجزائر ما تزال متمسكة بمواقفها، سواء كانت في كامل قوتها الاقتصادية أم لا، سواء كانت مستقرة سياسيا أم لا، ذلك أنها تفتقر إلى حس التمييز. فسياستها الوحيدة هي التعنت والعناد — ما تسميه الوفاء للمبادئ — معتقدة بأن الإصرار يؤتي ثماره دائماً في النهاية، ويبدو أن هذا هو الدرس الوحيد الذي تعلمه قادتها من كفاحهم ضد المستعمر. والغريب أن الجزائريين، أكثر من غالبية العرب، لديهم مشكلة مع الصدق ومع الحقيقة، وما على المرء إلا أن يقرأ صحافتهم ليتحقق من ذلك…
فما لا يريد الجزائريون الاعتراف به، هو أن مبدأ “تقرير المصير” الذي يحيلون عليه باستمرار لا ينطبق على الحالة التي تشغلنا. فالمستعمر الفرنسي لم يترك حدودا واضحة المعالم، ومن الحكمة عدم المساس بها حتى لا يُعرَّض توازن إفريقيا كلها للخطر. ولم تكن هناك سوى حدود متنازع عليها في زمن الاستعمار بين الجزائر والرباط.
عند وقوفه عند فلسفة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، أكد العروي أن إمكانيات تجاوز وضعية الجمود توجد أساسًا – وربما حصريًا – في الجانب المغربي، وفي سياق السيادة المغربية. لذلك يرى أنه إذا كان يجب تصور مخرج مشرف للجميع في هذا النزاع الطويل، مخرج “لا غالب فيه ولا مغلوب” كما قال الملك محمد السادس، فهذا المخرج قابل للتصور بسهولة في إطار النظام المغربي.
فإذا كان المغرب، بعد تردد، بدأ يلمّح إلى بعض مآلات الطرح الجزائري، وينبّه قصر المرادية إلى خيار دعم انفصال منطقة القبائل، وإذا كان الجزائريون يردّون بدعم – أو خلق – نزعة انفصالية في الريف، بما قد يدفع المغرب إلى التهديد بدعم انفصال الطوارق، فمن الواضح أن الدولة المغربية، التي تأسست تاريخيًا على مبدأ البيعة والانضمام الحر للجماعات، قادرة على تدبير هذا النوع من الملفات أفضل بكثير من النظام الجزائري ذي النزعة اليعقوبية الصارمة. فلم يحدث في تاريخ المغرب، حتى في أسوأ مراحل السيبة، حمّام دم مماثل لما شهدته الجزائر خلال العشرية السوداء.
ويرى العروي أن خطة الحكم الذاتي في الصحراء وُضعت ضمن إطار البيعة دون أن تثير معارضة كبيرة لدى الأحزاب والقوى الوطنية. والحكم الذاتي، كفكرة، جرى تجريبه تاريخيًا في الريف وسوس وغيرهما ضمن الإطار الدستوري الحالي. في المقابل، لا نجد آلية مماثلة في النظام الجزائري.
وقد اعتقد المغرب دائمًا أن الطي النهائي لملف الصحراء يتحقق عبر اتفاق مع الجزائر. لكن يبدو واضحًا أن الجزائر لها مصلحة في تأبيد الصراع، حتى وإن كان ذلك مكلفًا لها. لذلك يجب – في نظر العروي – البحث عن مسار آخر للحل. وربما يكون من المفيد تجاوز الجزائر، بدل السعي إلى استرضائها على أمل تحييدها. فبتركيزنا المستمر على المسؤولية الجزائرية، قد نكون بصدد خدمة سياستها من حيث لا ندري، لأنها تكرر دائمًا أنه لا شيء يمكن أن يحدث في المنطقة بدونها. وفي هذه النقطة تحديدًا، ربما أخطأنا الطريق، يلاحظ العروي.



