تفجَّرت، ليلة الخميس 20 نونبر 2025، موجة استياء عارمة داخل الجسم الصحافي المغربي، بعدما تم بث تسجيلات مسرَّبة على قناة “بديل” في موقع يوتيوب، توثّق لجلسة مغلقة للجنة أخلاقيات المهنة والقضايا التأديبية التابعة للجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر، خُصِّصت للنظر في شكاية ضد الصحافي حميد المهداوي.
هذه التسريبات، التي تضمنت، بحسب النقابة الوطنية للصحافة المغربية، “معطيات خطيرة” على مستوى المضامين واللغة والأسلوب، دفعت المكتب التنفيذي للنقابة إلى إصدار بلاغ قوي اللهجة، حذّر فيه من تداعيات ما جرى على سمعة التنظيم الذاتي للمهنة وعلى ثقة الصحافيات والصحافيين في مؤسساتهم.
النقابة أوضحت أن ما ورد في التسجيلات من تعبيرات حاطة من الكرامة الإنسانية، صدرت عن عدد من أعضاء اللجنة المؤقتة، لا يمس فقط بالأشخاص الذين وردت أسماؤهم أو تمت الإشارة إليهم، بل يطعن في روح التنظيم الذاتي نفسه، ويضرب في الصميم مبادئ النزاهة والاستقلالية التي ينبغي أن تحكم عمل مؤسسات المهنة.
كما نبّهت النقابة إلى خطورة ما اعتبرته “محاولات رعناء لتوريط المؤسسة القضائية في استهداف ملفات بعض الصحفيين”، مشددة على أن أي سلوك من هذا النوع يمس بمبدأ استقلالية القضاء، ويهدد ثقة الرأي العام في عدالة المؤسسات وفي شفافية تدبير الملفات المرتبطة بحرية الصحافة والتعبير.
وفي هذا السياق، أدانت النقابة الوطنية للصحافة المغربية ما وصفته بـ“الاستهتار المباشر” بسمعة التنظيم الذاتي للمهنة، باعتباره مكسباً تاريخياً نابعاً من عقود من نضال الصحافيات والصحافيين. واعتبرت أن ما جرى يعكس سلوكات “غير مسؤولة، بل رعناء”، تسيء إلى القطاع بأكمله وتعمّق الجراح التي خلّفتها قرارات اللجنة المؤقتة في مختلف لجانها.
وأكدت النقابة أنها تتبرأ بشكل واضح من سلوكات أعضاء كانوا يُحتسبون عليها، معلنة أنها ستبني قراراتها التأديبية مستقبلاً على ما سيتبيّن من أفعال مشينة في حق أي عضو، بما يحفظ شرف المهنة وكرامة منتسبيها.
البلاغ توقف أيضاً عند ما وصفه بتجاوزات في حق عدد من الصحافيين، ومن بينهم الصحافي محمد الطالبي، الذي كشفت التسجيلات عن استهداف مسيء لكرامته. النقابة اعتبرت هذا السلوك “تشهيراً مرفوضاً”، وأكدت أن المكتب التنفيذي يحتفظ بجميع المساطر القانونية للدفاع عن حقوقه وصون حرمة الفضاءات المهنية.
وشددت النقابة على أن مثل هذه الممارسات الشاذة لا تمثل روح المسؤولية ولا أخلاقيات العمل المؤسساتي، ولا يمكن أن تُقبَل داخل مؤسسات يُفترض أنها حاضنةٌ للتنظيم الذاتي ومُؤتمنةٌ على مدوّنة أخلاقيات المهنة.
أمام خطورة ما ورد في التسريبات، طالبت النقابة بفتح تحقيق عاجل ومحايد في كل المسارات والوقائع التي تضمنتها التسجيلات، بهدف الكشف عن الحقيقة كاملة وتحديد المسؤوليات بدقة.
كما دعت إلى تفعيل كل الآليات المتاحة قانوناً لترتيب الجزاءات المناسبة، سواء القانونية أو التنظيمية، في حق كل من يثبت تورطه في خروقات أو ممارسات تمس بمصداقية المهنة أو تؤثر على استقلالية القرار القضائي، مؤكدة أن الإفلات من المحاسبة في مثل هذه القضايا لن يؤدي إلا إلى مزيد من فقدان الثقة في المؤسسات.
ومن زاوية تنظيمية، اعتبرت النقابة أن حماية حرمة مؤسسة التنظيم الذاتي تقتضي اتخاذ تدابير فورية، في مقدمتها وضع حدّ لأي تجاوز للقانون في ما يخص استمرار اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون الصحافة والنشر بعد انتهاء ولايتها.
وأكدت أن هذه اللجنة لا يمكن، في أي حال من الأحوال، أن تتحول إلى لجنة لتصريف الأعمال في قضايا التنظيم الذاتي، داعية الحكومة إلى التجاوب مع المذكرة التي رفعتها النقابة، والتي تطالب بإنهاء الوضع “غير القانوني” للجنة المؤقتة، مع ضمان استمرار المرفق إدارياً فقط، بعيداً عن اتخاذ قرارات تمس جوهر التنظيم الذاتي للمهنة.
وذكّرت النقابة، في بلاغها الجديد، بأنها سبق أن نبهت، في بيان صادر بتاريخ 2 ماي 2025، إلى ما اعتبرته حينها “رعونة لجنة الأخلاقيات”، مشيرة إلى أن ما كان يتعرض له عدد من الصحافيات والصحافيين – ومنهم أعضاء في النقابة – يشكل “مجزرة مسطرية”.
كما شددت في ذلك البلاغ على أن لجوء المؤسسات والأطراف المتنازعة إلى هذه الهيئة للتحكيم يقتضي التطبيق السليم للقواعد القانونية، وضمان محاكمة عادلة ومنصفة لجميع الأطراف، بعيداً عن الانتقائية أو الاجتهاد خارج النص أو التعسف في تأويله.
في ختام موقفها، جدّدت النقابة الوطنية للصحافة المغربية تأكيد حرصها على حماية مكتسبات القطاع التي تحققت في البلاد، وعلى رأسها تجربة التنظيم الذاتي. واعتبرت أن حماية سمعة المهنة أصبحت اليوم مسؤولية جماعية، تتطلب من الجميع التحلي بروح المسؤولية والإنصات الحقيقي للمهنيين والمهنيات.
كما دعت إلى الكف عن تجاهل أصوات المنظمات المهنية والنقابية التي تعترض على مشروع قانون جديد يهم المجلس الوطني للصحافة، رفضه طيف واسع من المهنيين وانتقدته مؤسسات دستورية، محذِّرة من أن الإصرار عليه “سيؤدي إلى كوارث لا يمكن توقع عواقبها”.
وختمت النقابة بدعوة السلطات والفاعلين إلى فتح حوار جدي ومسؤول لتطوير القطاع، بما في ذلك آليات التنظيم الذاتي، عبر الحفاظ على المكتسبات ومعالجة الاختلالات وتصحيح الممارسات الخاطئة، حتى يظل المجلس الوطني للصحافة ومؤسسات المهنة عنواناً للثقة والمصداقية، لا سبباً للأزمات وفقدان الثقة.