لا يمثل العيد في عرْف المغاربة منذ الأزل، مجرد شعيرة دينية مقدسة وحسب، بل شكل دوما مناسبة اجتماعية استثنائية، يتوقف عندها الزمن، وينفلت خلالها الأفراد والجماعات من شروط الحياة المتعبة؛ ويتخلصون، مؤقتا، من السعي الدؤوب وراء متطلبات الإيقاع الرأسمالي المجنون.
لا يهم إذا كان المرء داخل الوطن أو خارجه، في الصحراء أو في الجبل، موظفا أو مُياوما، متزوجا أو أعزبا، الأهم أن يجيء الكلّ، لأن العيد محطة سنويّة يجتمع عندها من تفرق، ويلتقي فيها من تباعد، ويتصالح ومن تنافر، إنها أيام اجتماعية مفعمة بالدفء والتكاثف، تلك القيم التي طالما ميّزتنا عن غيرنا من المجتمعات الإنسانية، وملأتنا فخرا وغبطة؛ ببساطة، لأن العيد كان عنوانا للفرح، وفرصة للبهجة والاسترخاء، ودافعا للعودة إلى كل ما هو جميل وأصيل.
تحوّل العيد خلال السنوات الأخيرة إلى كابوس حقيقيّ، يكتم أنفاس طبقات واسعة جدا من المغاربة، إذ ترتفع أسعار كل شيء مرتبط بهذه الشعيرة، من تعريفات وسائل النقل، وأثمنة المواد الغذائية والملابس، إلى أسعار الأضاحي والفحم والخبز بشكل فاحش.
تحوّلت هذه المناسبة، التي كانت لسنوات عديدة متنفسّا روحيا، إلى مأزق اجتماعي يستغله تجار الدين والوطن والأزمات، يفترسون من لا تتجاوز مرتباتهم الشهرية الحد الأدنى من الأجور المتمثلة في ثلاثة آلاف درهم، وهو ثمن أصبح عاجزا حتى عن اقتناء أضحية عيد حقيقية، فإذا دفع المرء هذا المبلغ كاملا لشراء أضحية، فماذا عن متطلبات العيش اليومية الأخرى التي لا ترحم من كراء وغذاء وتطبيب وتنقل؟
إذن، من سرق منا العيد؟ أو بالأحرى، من سمحنا له بأن يسرق منّا العيد؟
يتحمل الأفراد، بالقطع، جزءاً من المسؤولية، لأن تحويل شعيرة من سنة دينية إلى فرض اجتماعي واجب، والتطرف في ذلك، هي النقطة التي استغلها السماسرة والمضاربون، متأكدين أن المغاربة مهما احتجوا واشتكوا سيشترون، لا لأنهم يعظمون العيد كل ذلك التعظيم، ولكن لأن هناك عفاريت نفسيّة يخافونها كخوفهم الله أو أشد خوفا، اسمها “حشومة” و”الجيران” و”العائلة” و”غير على المرا والدراري”..
يحدث أن تجد عاطلا عن العمل، يقترض، أو يبيع شيئا من الأثاث ليشتري الأضحية، أو يسرق حتى؛ المهم أن يرضي المجتمع، وإلا لِمَ نسألُ كل من نصادفه، عرفناه أم لم نعرفه: “هل اشتريت الأضحية؟” “بكم؟” “هل لديك صورة لها؟”!!
تستوقفنا في نفس السياق مفارقة عجيبة، إذ تجد الزوجة والأبناء لا يهتمون إذا كان الأب مصليا أم لا، مؤمنا أم ملحدا، سكيرا أم مقامرا، يصوم أو لا يفعل، يحضر الجُمَع أم لا يأبه لها.. لكن عندما يتعلق الأمر بالعيد تصبح القضية جدّية، ويتحول الجميع إلى فقهاء يضفون على الذبح صفة قداسة لا تقبل أي عذر في تسابق مظهري محموم، يفرغ العيد من المعنى التعبّدي الذي وجد لأجله، وسيّان بين صلاة المؤمن وصلاة المضطر، وبين دعاء الحرّ ودعاء الخائف.
إن تراكم هذه الضغوطات تنفّر سنة بعد أخرى عددا كبيرا من المغاربة، من الاحتفال بالمناسبات الدينية، رافضين أن يكون الدين مبررا للابتزاز الاجتماعي والاقتصادي، تماما كما فعلت الكنيسة في العصر الوسيط مع صكوك الغفران. وبالتالي أصبح العيد، حتى عند من يضحّون تجلّدا لا تعبّدا، واختبارا لا اختيارا، وصار المضحي هو الضحية والأضحية في نفس الآن.
تضمن الدولة حسب الدستور للمواطنين حرية ممارسة الشعائر الدينية، وتوفر الظروف المناسبة من أجل ذلك، كما يقع على عاتقها حماية المواطنين من الآلة الفراقشية التي تطحن الشوان والحجر والبشر، وعندما تعجز الدولة الغائبة عن القيام بدورها التنظيمي والرقابي، فإننا نعود إلى قانون الغاب الأول حيث ينفرد القوي بالضعيف ليفترسه، وهنا ينتفي المبرر الأساسي لقيام مفهوم الدولة، لأن هذه غايتها الأصيلة كما يقول جون راولز.
كيف تقدم الدولة ملايين الدراهم من الدعم من صناديق الضرائب للمضاربين أنفسهم دون تتبع مآلاتها؟ وكيف لا تمتلك آليات ضبط المستفيدين الحقيقيين من المتطفلين؟ وكيف لا تسطيع قطع الطريق على كبار المحتكرين؟
ألا تتغنَّى الدولة بقدراتها الأمنية والاستخباراتية الكبيرة، التي تتيح لها الوصول إلى كل من تسوّل له نفسه إلحاق الفوضى بالنظام العام، والمسّ بالأمن؟ فلماذا لا تمتد يدها حتى الآن إلى من يعبثون بالأمن الروحي والنفسي لملايين المغاربة؟
إن منطق “ماذا سيحدث إذا لم نضحّ؟ لاشيء”، هي مرحلة تالية تأتي بعد ضبط الدولة للسوق، ومراقبة الأسعار، وحماية المستهلك، وملاءمة القدرة الشرائية لمتطلبات الإنتاج، حينها لا شيء سيحدث إذا لم نضحّ، اختيارا أو اضطرارا؛ أما حرمان الفرد من الشعائر التي تشكل هويته، تحت دعوى “لا شيء سيحدث”، إنما هو التفاف على القضية الأصلية والنقاش الحقيقي.
إن من سرقوا منا بسمة العيد، هم نفسهم من سرقوا منا بهجة رمضان، والدخول المدرسي، وفرحة السفر خلال عطلة الصيف، والسرور في حفلات الزفاف.. والقائمة تمتدّ وتشتدّ.
إنّ المسألة، لم تعد مجرد أسعار ترتفع خلال عيد أو آخر بشكل استثنائي ومؤقت، مرتبط بالجفاف أو الحروب أو ثنائية العرض والطلب؛ بل بممارسة ممنهجة لها آلياتها وطرقها وأصحابها، تشمل جميع مناحي الحياة اليومية للمواطنين طوال أوقات السنة، من الغذاء والدواء حتى الجوارب وحبوب منع الحمل؛ وإن زيادة الضغط على الفئات الأكثر فقرا التي تتسع بشكل مطرد، يهدد بنسف الأمن الاجتماعي الذي يأتي قبل كلّ ما ذكر من أولويات وشعارات وحسابات.
عبد اللطيف أجدور