حميد قاسمي-تنوير
وجّه د. خالد الحري، عضو لجنة الأخلاقيات باللجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر المنتهية الصلاحية، رسالة اعتذار إلى رئيس جمعية هيأة المحامين بالمغرب، أعرب فيها عن أسفه لما صدر خلال اجتماع مغلق عقدته اللجنة في أبريل الماضي، والذي تسربت منه مقاطع صوتية أثارت نقاشا واسعا. وأوضح الحري أن ما عبّر عنه من كلام لم يكن موجها إلى أي عضو من أعضاء الهيأة، معتبرا ما وقع انفعالا عابرا داخل نقاش مهني داخلي، مؤكدا تمسكه باحترام مهنة المحاماة وبالدور الجليل الذي يضطلع به أصحاب البذلة السوداء في صون الحقوق وحماية دولة القانون، ومبديا استعداده لتعزيز جسور التعاون وحماية سرية الاجتماعات وسمعة المؤسسات.
يبدو هذا الاعتذار في ظاهره محاولة لإعادة المياه إلى مجاريها، غير أن عمقه يكشف تناقضا عصيا عن التجميل، ذلك أن الكلمات التي خرجت في التسجيل لا تشبه أبدا ملامح البراءة التي يرسمها الخطاب المكتوب. فبين ما قيل وما يُراد له أن يُفهم، مسافة أخلاقية لا تطويها العبارات المهذبة ولا تُداويها أعمدة البلاغة. هنا تحديدا يتجلى معنى العذر الذي يتحول إلى عبء أثقل من الخطأ، لأن الحقيقة المسموعة لا تَقبل الطمس، ولأن الاعتذار يفقد رسالته حين يتجاهل بداهة الواقع.
إن ما يسميه الحري لحظة انفعال، استحال في الذاكرة المهنية إلى لحظة اختبار لمتانة القيم التي تنهض عليها المسؤوليات العامة. والانفعال، وإن كان مفهوما في سياقات كثيرة، لا يمنح الحق في جرح المقامات، ولا يليق بمن يتصدر موقعا يُنتظر منه الاتزان قبل الكلمة وبعدها. فاحترام مهنة المحاماة ليس عبارة تُكتب في نهاية رسالة، بل هو وعي عميق بجلال مكانة أصحابها، وبسفر طويل من التضحيات التي صاغت هيبة هذا الجسم الحقوقي العريق.
إن مهنة الدفاع ليست مجرد مؤسسة، بل رمز لسيادة القانون وضمير لمجتمع يرنو نحو العدالة. ومهما تنوعت تبريرات التقطيع أو ذرائع التسريب، فإنها لا تنال من حقيقة أن الكلمة الخارجة من صاحبها هي المسؤولية الأولى والأخيرة. ولأن الثقة تُبنى بصراحة لا بنعومة العبارات، فإن الاعتذار كان يحتاج إلى جرأة الاعتراف أكثر مما يحتاج إلى محسنات التخفيف.
قد كان من الممكن أن يكون هذا الاعتذار بوابة مضيئة نحو مصالحة مهنية صادقة، لو أنه تشبث بروح المكاشفة الصافية، لا بروح المجاملة اللفظية. فالمؤسسات لا تُصان بمرهم لغوي، بل بانسجام القول مع الفعل، وبالقدرة على الوقوف أمام الخطأ دون قفازات، وبالإيمان بأن المكانة المهنية ليست امتيازا بل مسؤولية أخلاقية قبل كل شيء.
إن ما حدث هو درس بليغ في أخلاقيات الكلمة، وفي ضرورة أن يظل الخطاب المتداول داخل المهن النبيلة متماهيا مع رسالتها، وأن يبقى الاعتذار مرآة صادقة لا ورقة تلطيف. وبين سطور هذا الحدث تتجلى حقيقة لا تخطئها العين: أن العذر قد يتحول، حين يُصاغ بغير شجاعة، إلى زلة ثانية تُضاف إلى الأولى، وأن المصالحة الحقيقية لا تبدأ بالكلام الجميل، بل تبدأ بالصدق الذي يؤسس لثقة جديدة لا ترتجف عند أول اختبار.