مصطفى المنوزي
من أعظم مساوئ ذريعة “التدخل الإنساني” انقلابُها الممنهج على الشرعيات السيادية الوطنية، وهو ما تؤكده نماذج تاريخية صارخة عبر قارات مختلفة. ففي غرينادا (1983)، جرى تسويق التدخل العسكري الأمريكي باعتباره عملية “إنقاذ للديمقراطية وحماية للمواطنين”، بينما كان في جوهره كسرًا لتوازن إقليمي ناشئ ورسالة ردع لأي مسار سيادي مستقل في الفضاء الكاريبي.
وفي أفغانستان، تحت ذريعة محاربة الإرهاب وتحرير الشعب من الاستبداد، أُنتج تدخلٌ عسكري طويل الأمد انتهى بتفكيك الدولة، وإعادة إنتاج منطق الحرب الدائمة، دون مساءلة جدية عن الكلفة الإنسانية والسيادية، أو عن مسؤولية القوى المتدخلة في إعادة تدوير العنف بدل إنهائه.
أما العراق، فيمثل النموذج الأوضح لانقلاب الخطاب الإنساني إلى أداة تدمير شامل: فباسم نزع أسلحة الدمار الشامل، ونشر الديمقراطية، أُسقطت الدولة، وهُشّمت بنياتها، وفُتح المجال أمام الفوضى الطائفية والاحتراب الأهلي، في تجاوز سافر لمنظومة الأمم المتحدة، وخرق لمبدأ عدم التدخل، دون أي محاسبة لاحقة عن الجرائم والانتهاكات واسعة النطاق.
وفي السياق نفسه، شكّلت كوبا حالة مبكرة ومستمرة للتدخل غير المباشر، عبر الحصار الاقتصادي والعقوبات والعزل السياسي، تحت لافتة “الدفاع عن حقوق الإنسان”، بينما كان الهدف الفعلي هو إخضاع خيار سيادي خارج المنظومة الرأسمالية المهيمنة.
هذه النماذج، وغيرها في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، تُظهر كيف جرى توظيف خطاب دعم الشعوب المضطهدة لتوسيع النفوذ الإمبريالي، عبر أنظمة عميلة، أو عبر تدخل عسكري مباشر، أو من خلال حروب بالوكالة. وقد استعانت الإمبريالية الأمريكية، في مراحل متعددة، بأنظمة رجعية ومحافظة كأدوات ضبط إقليمي، قبل أن تنقلب عليها بدعم انقلابات عسكرية، أو بإعادة توظيف موجات أيديولوجية بديلة، من بينها الإسلام السياسي، تحت ذريعة تصدير الديمقراطية وبناء “الشرق الأوسط الكبير”.
صحيح أن الولايات المتحدة دعمت، ولا تزال، بعض حلفائها أمنيًا وعسكريًا وسياسيًا، غير أن كلفة هذا الدعم غالبًا ما تكون باهظة على المجتمعات والدول المعنية، إذ تتحول السيادة إلى ورقة تفاوض، والقرار الوطني إلى وظيفة ملحقة. وما يهمنا هنا ليس إنكار المظالم، بل التحذير من اختزال القيم الحقوقية في وظيفة أداتية تخدم منطق القوة، داخل سياق رأسمالية متوحشة بلغت أعلى مراحلها الفاشية، حيث تُستدعى الأخلاق لا لحماية الإنسان، بل لتبرير إخضاعه.
لذلك، وفي سياق تضامننا المبدئي وإدانتنا الصريحة لكل السلوكات المنتهِكة، نحرص على تركيز المساءلة، من منظور حقوقي وقانوني وأخلاقي، على الفاعل/الجاني المباشر، باعتباره الطرف المسؤول عن الانتهاك والقابل للمحاسبة وفق قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني.
وفي المقابل، نتحفّظ عن تحويل الشعوب أو الفئات الاجتماعية المتضررة إلى موضوع مساءلة خارجية، باعتبارها مفعولًا بها وضحايا لتناقضات داخلية وثانوية، يظلّ حسمها من صميم السيادة الشعبية.
ذلك أن مناهضة الديكتاتوريات وبناء البدائل الديمقراطية تظل، في الأصل والمآل، حقًا ومسؤولية تاريخية للشعوب المعنية نفسها، وهي الأَوْلى والأكثر شرعية في خوضها، عبر الوسائل السلمية والديمقراطية، دون وصاية خارجية أو توظيف إنساني انتقائي يفرغ الحقوق من بعدها التحرري ويحوّلها إلى أداة تدخل وهيمنة.