أحمد الخمسي
سنة 2026، لها طعمها، هناك الملحمة الشخصية لصلاح الوديع “ميموزا، سيرة ناج من القرن العشرين”. حبذا لو تركز النقاش على مضمونها. لأن المؤلف، من خلال موقعه في الحياة السياسية المغربية، وكونه بؤرة ضمن تربة عائلية متكاملة، امتد تأثيرها في اتجاهات متعددة، جعله يمسك بخيوط متصلة تغذيها شرايين فكرية وسياسية واجتماعية.
وهو ما يعلل مراوحة اتجاهه بين الحنين للخلفية المعارضة وتوثبه رأس حربة مستكشفة نحو تجريب الجديد، بحيث زاوج بين المبادرة والمراجعة، أكثر من مرة، خلال الربع قرن الأخير.
هذا النفس المتوثب المتأني، تركه قريبا من أغلب النزوع المنتشرة لدى النخب.
أما طراوة الصياغة اللغوية التي يتدفق ماؤها عبر فقرات الكتابة مثل النافورة التي لا يجف ماؤها ولا يتوقف أنبوبها عن التدفق، يذكر القارئ ليس فقط بصلاح الحالم الشاعر بتعبير يانع أبدا، بل يكشف من زاوية علم الاجتماع، أن غنى المخيال والزاد اللغوي بالحجم الذي يرافقه تلقائيا، ما كان ليحافظ على مستواه الراقي لولا الشجرة الاجتماعية التي خرج منها غصن صلاح. حرفة الشعر لدى الأم والأب، بل ومحيط احتراف الموسيقى بالتأليف عند عبد الرحيم السقاط وليس العزف فقط، ومع الشحنة التعبيرية الموزونة، هناك انخراط متعدد بين أغصان الشجرة العائلية الظليلة. فالموقف الاجتماعي هو الغذاء الذي يجدد الموقف التعبيري والفني. ثم الامتداد الراسخ من البر الاستقراطي إلى البحر المتجدد دوما، من آسفي إلى فاس ثم الارتكاز في بؤرة مغرب القرن العشرين الدار البيضاء. مع احتراف مهن الموقف، من التمترس مع عموم الناس إلى التموقع في مناصب المؤسسات، مرورا بالطريق الصعب: السياسة المستعصية، وليس السياسة الرخوة حتى عندما تظهر كذلك.
***
لم يجسد أزمة النخبة لضعف ذاتي، بل لاقتسام النخب المعارضة، صور نمطية مجلوبة من الفكر السياسي المجاور في جغرافية الكوكب الأزرق، شرقا وغربا. وهو ما يصيب النخب المغربية بنوع من التعب حتى لا نقول اليأس.
ينطلق المعارضون المغاربة عادة من الترديد السهل، إما لشعارات مشرقية قومية، مستلهمة من “التقدمية” العسكريتارية المصرية والشامية، وجزء منهم، إن لم تبتلعه الفرنكوفونية الكوسموبوليتية، يتأمل العلاقة بين القديم والجديد من خلال التوقف عند النموذج الفرنسي، الواقع نفسه في مأزق، منذ السنوات الأخيرة للويس الرابع عشر.
ليست النخبة المغربية وحدها العالقة في المأزق الغربي، بل كتب جورج طرابيشي نفسه “المرض بالغرب”، تلك بؤرة فرعية للنقاش حيث جعل الفرنسيون من لغتهم الجميلة قلعة، قد يسقط نابليون ولا تسقط.
لأن الغرب الذي بنى صورته عن نفسه، وصدّرها للعالم (حسب جورج قرم)، معذور في تقديم نموذجه بكثير من التضليل، فالقانون الروماني نموذجي، والثورات الغربية الأربع (الهولندية، الإنجليزية، الامريكية، الفرنسية)، نموذجية في ليبراليتها الحديثة، مع أن التوقف عند ظواهر التناقض مع ما ادعاه الغرب ضمن أحشاء الغرب نفسه، كافٍ لوضع الغرب في حجمه النسبي، ليس أكثر.
بين ما يقارب 170 امبراطور روماني (روما وبيزنطة)، لم يجد القانون الروماني طريقه إلى تدبير الحياة السياسية، بدليل، ثلاثة من بين كل أربعة أباطرة (من العدد أعلاه)، مات مغتالا أومعدوما أو منتحرا. بينما ضمن النظام الثوري الليبرالي الجديد، وأمريكا التي تتوفر على أكبر نسبة من وجوه الجدة، من بين 18 رئيسا مؤسسا للولايات المتحدة الامريكية، كان منهم 13 مُلاّكا للعبيد.
فالغرب الذي يسن النصائح لباقي مناطق العالم كونه نطلق بدولة القانون في عهد الرومان وتوج تفرده بتقديس الحرية، لم يعش لا دولة القانون قديما ولم يبن تجديده وثورته الحديثة على حرية الناس. وهو ما يؤكد خلاصة جورج قرم كون الغرب نسج لنفسه صورة مخالفة لما عاشه الغرب التاريخي فعلا.
***
يتكرر هذا المأزق الغربي عند النخب المغربية، والتاريخ إن جرى بصيغة المأساة لا يتكرر في بقعة أخرى سوى بصيغة المهزلة. كون النخب العربية تلصق الصورة الغربية المضللة أصلا على الواقع المحلي، فلكي يكون الموقف عندنا تقدميا لا بد من تنفيذ طقوس اللعنة للنظام مرفوقة بتقديس الذات المناضلة وبتبرئة القيادات المعارضة من كل نقص. هذه الخلاصة بمثابة نقد ذاتي جماعي، وليس نقدا للآخرين فقط.
لذا، ظل كل أصدقائي يتساءلون: هل الخمسي تقدمي فعلا؟ أولا: لأن السجال ليس من طبعي، ولو اختلفت جذريا مع أحد، فثقافتي لم تستجد الغرب لصياغة شبكة تفكير وتعبير وتفسير وتدبير اللغة والحياة أصلا. ولا حاجة لتكرار حكمة الإمام الشافعي في هذا الباب. نعم، ما اعتقدت نهائيا أنني أحمل موقفا نهائيا في أية قضية كانت، لكنني ما استمرأت يوما ثنائية القول في الغرب والفعل في الشرق. بل دمجت دائما بين مكارم المواقف أينما أنتجت التقدم لفائدة البلد الجميل والشعب الطيب والقضايا الإنسانية العادلة. وفي جميع الأحوال لم يردد القدماء صيغة “الله يرحم ضعفنا” هباءً.
***
كتاب “ميموزا” يمتاز بكونه بوحا شفافا. بل يفتح نوافذ عبر حوارات جانبية، مع أكثر المعارضين حزما من عيار إبراهيم أوشلح. ومن خلال هذه النافذة الحوارية يقتسم معنا تساؤلا يستخلصه هو حول: ما الذي أفضى بمن تقاسموا فيما بينهم “الحلوة والحارة”، نحو الاقتتال السياسي حد العداوة التناحرية وليس فقط التناقض في المواقف والتنافس السياسي السلمي على طرفي النقيض؟
صبغة ما يشبه البوح في كتاب “ميموزا” ليس ضربا من العبقرية أو الجرأة غير المعتادة لدى الكاتب، بل تجسيد للموقع الاجتماعي الثري، الذي لا يعكس تجربته الشخصية المفردة المحضة، بل حديثه جماع أغلب ما عاشته عائلته وفي حدود ما هو مقتنع به تراثا استحق الحديث عنه. شخصيا لا يعجبني الحديث عن العلوم الإنسانية في المجرد. بل تنفعني السوسيولوجيا كل مرة تأملت تجربة صديق فأتأمل الشجرة الاجتماعية التي تظلله، لأفهم نقط قوته وضعفه، بدل الركون إلى المزاجية المضطربة. لذلك، لم أندم يوما على الانتماء الذي سرت في طريقه. ولم يغرر بي أحد. في المقابل لم أزايد على أحد. لا بإغراقه في عترات مسيرته، ولا بالاستلاب بنقط قوته. وعلى الطريقة الطاوية كما قال عبد الكبير الخطيبي، ما زلت أجد حكماء الصين والهند لهم في العالمين شفاء. وها نحن نعيش صمت الببغاوات الليبراليين عن انتقاد الحزب الوحيد في بكين، لأن العبرة بالنتيجة.
والعودة إلى ميموزا، تلزمنا بتسجيل دوائر في السرد. فهو لم يذكر كل ما عاشه. بل ذكر ما فضل ذكره وما لا يشعر بصدده بأي شكل من الغل. حتى بين أفراد عائلته هناك تفصيل مقابل صمت أو مرور كريم في أحسن الأحوال.
***
مع ذلك، وعندما نلصق صفة البوح بما يوجد في الكتاب من تفاصيل، سوف تبقى مساحات شاسعة مسكوت عنها، ليس لأنها غير معروفة، بل لأن الحركة الوطنية لم تتحدث عنها في جموعها السياسية الحزبية ولا قررت مناقشتها في الأنشطة التثقيفية التكوينية لشبيبتها، ولا تحدثت عنها في الجموع الجماهيرية….
تلك المساحة غير المطروقة في الكتاب، ومع أنها مفصلة في كتب التاريخ (مثلا: شارل اندري جوليان: المغرب في مواجهة الامبرياليات، 1978). بل هناك أطروحات جامعية حديثة (بنجامان باديي: محمد الخامس، آخر سلطان وأول ملك، رسالة في السوربون 2025) فصلت في ما لم تعرفه الحركة الوطنية نفسها من خلال المراسلات بين القصر الملكي وبين الحكومة الفرنسية، بقيت غير متحدث عنها مع الشعب، نتيجة غلبة السجال والعنف اللغوي وحرب الشعارات، والتأليب المجاني، ضمن ذهنية الأتباع والقطيع. مما صعَّبَ مهمة النقاش الهادئ الموضوعي من بعد. بنفسية الفرنسيين الذين يتحدثون عن الملكية الفرنسية نظاما قديما مسؤولا عن كل الهزائم التي عانى منها الفرنسيون أمام إنجلترا ثم أمام ألمانيا.
عندما نتملى صيغ رسائل محمد بن يوسف إلى رئيس الحكومة الفرنسية (كان النظام في الجمهورية الرابعة برلمانيا)، بأدب جم، لا يفرط في الموقف الذي كانت تعتبره فرنسا آنئذ غير مقبول البتة. مذكرا إياه حق الشعب المغربي في السيادة وفي ربط علاقاته الخارجية مع محيطه العربي والإسلامي، وكون ظروف 1952، لم تعد مماثلة لظروف 1912، وعندما أجد الرسائل الملكية تكرر حق المغاربة في التعليم والصحة، وحق الطبقة العاملة في التنظيم النقابي، أهنأ بوضع صورة زليخة وأحمد الزفزافي على صفحة الفيسبوك.
أما عندما أتذكر أن 58 قايد من قبائل زايان، سحبوا مساندتهم للكلاوي وابن عرفة، مع رصيد معركة لهري (1914) وسقوط طائرة الجينيرال ريمون دوفال (يا من لا يعرفه؟) فوق منطقة خنيفرة، ساعتها أقدر لماذا ترك الحسن الثاني للمغاربة ملكا من شجرة موحا وحمو الزاياني.
لذلك، ليس غريبا أن يتحدث مؤلف ميموزا، عن دموع الملك يوم زار سجن الأحداث بمعية آسية الرائعة.
مع ذلك، تكتنف فكر الحركة الوطنية المغربية ألغازا على طول الطريق…. لو فكك من عاشوا ما تحدث عنه الهمام إبراهيم أوشلح لصلاح، من غرابة الانتقال من العيش العائلي المشترك، نحو الخلافات المدمرة، فلسوف نستعيد الطبيعة البشرية لكل الأطراف…. مع نسبية النتائج، كوننا لم نعمم التعليم الحديث وكون قادتنا بكثير من فائض عزة النفس، حيث يجب وحيث لا يجب، نتسابق في مسلسل الوصول الى الهدف، وننسى في الطريق ما اقتنعنا به تلقائيا، كي لا نفقد العملة الصعبة في السياسة: الثقة المتبادلة.
وهنا، يستغرب الناس كثيرا كيف يمكنك أن تذكر بخير وتكرر نقط قوته من فرقك عنه الزمن؟ فالسياسة زبدة القيم، ولنا أن نتعلم من سياقات جزئية ويومية خلال التفرعات الاجتماعية والمعيشية التي يجمعها برنامج سياسي.
ثم بميكانيكية فجة، يمنعك الشخص من أن تجمع بين الاعتراف لبلدك كونه يرث دولة عريقة، وفي نفس الوقت تزمجر وتقطع الهاتف على أمواج الإذاعة؟ بالنسبة للحالة الأولى سوف تكتشف الأجيال المقبلة عن مزيد من الحجج تدل على الدولة العريقة، وبالنسبة للنقطة الثانية، أشفقت على نفسي وحسمت الأمر كي لا يمسح بي وسخ رئيس اتحاد الكتاب. فقط لا غير.
لو وجدت طبقة سياسية رفيعة المرافعة، لتم إطلاق ناصر ومن تبقى من شباب الريف وجيل زد. لكن الدفاع عنهم يقع بغلواء هم أنفسهم برآء منها. لأنهم طيبون مثل أجدادهم الذين وجد فيهم السلطان إسماعيل خير المدافعين عن طنجة يوم حررها سنة 1684.
إن التساؤلات التي يطلقها صلاح الوديع، تصلح أرضية لنقاش وطني منصة تمتن مختلف المساحات المفترض متانتها في أفق 2030.
مثال: هل يتابع الناس النقاش حول كأس افريقيا؟ هل يستطيعون التقييم بين مستوى برنامج الامبيسي5 والإذاعة الخاصة وكذا برامج القطب العمومي.
أتيت بهذه الأمثلة لنسل الخيط الملائم اليوم من عجين ما قد لا يعجبنا، وكذا من عجين عنجهيتنا.