وجهة نظر

ليس كرها في الفرح بل دفاعا عن المدرسة العمومية بقلم: ذ. عبد اللطيف رقيق

  لم يكن قرار وزارة التربية الوطنية تأجيل امتحانات السلكين الابتدائي والإعدادي من أجل التفرغ لمتابعة مباراة في كرة القدم مجرّد إجراء تنظيمي عابر، بل كان لحظة كاشفة، صادمة في رمزيتها، عن ترتيب الأولويات في السياسات العمومية، وعن التحوّل العميق الذي أصاب نظرة الدولة إلى التعليم، لا باعتباره رافعة للارتقاء الاجتماعي، بل عبئًا قابلاً للإزاحة كلما تعارض مع “الفرجة”.

لسنا هنا أمام مباراة عادية ولا أمام تعديل تقني في روزنامة مدرسية، بل أمام رسالة سياسية واضحة، وإن جاءت بلا بلاغ نظري: الكرة أولاً… والتعليم لاحقًا، إن بقي له مكان.

الامتحان المؤجَّل… العقل المؤجَّل
حين تؤجَّل الامتحانات الرسمية، لا يُؤجَّل موعد فحسب، بل يُؤجَّل معنى. يُؤجَّل الاعتراف الرمزي بقيمة المدرسة، وبجدّية الجهد الذي بذله آلاف التلاميذ والأسر والأساتذة. فالامتحان ليس ورقة تُملأ، بل طقس اجتماعي يؤكد أن المعرفة لها زمنها وهيبتها، وأن الدولة تقف، ولو شكليًا، إلى جانب من اختار طريق الاجتهاد لا طريق الصدفة.

لكن القرار الأخير يقول العكس تمامًا: يمكن للعقل أن ينتظر، أما “الفرجة” فلا تنتظر.

من “التعليم أولاً” إلى “الكرة هي الحل”

لسنوات، رُوّج لشعار أن التعليم هو قاطرة التنمية، وأن المدرسة العمومية هي أفق العدالة الاجتماعية. غير أن السياسات الفعلية، لا الخطب، هي التي تكشف الحقيقة. ما نشهده اليوم هو انتقال ناعم، لكنه خطير، من الاستثمار في بناء الإنسان إلى الاستثمار في تسكينه، من تنمية الوعي إلى إدارة الانتباه، من المدرسة إلى المدرّج.

الدولة، بقرارات من هذا النوع، لا تشجّع الرياضة بقدر ما تؤمّمها رمزيًا لتصبح أداة إلهاء جماعي، في مقابل تآكل متواصل لقيمة المعرفة. كرة القدم هنا لا تُقدَّم كرياضة، بل كبديل رمزي عن الأفق: حلم سريع، سهل الهضم، قليل الأسئلة.
حين يصبح النقد “عدمية”الأخطر من القرار نفسه، هو الخطاب الذي يواكبه على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يُصنَّف كل من ينتقد هذا التوجه باعتباره “عدميًا”، “كارِهًا للفرح”، أو “ضد الوطن”. وكأن الدفاع عن المدرسة العمومية صار جريمة، وكأن الغيرة على مستقبل الأطفال مؤامرة، وكأن المطالبة بأولوية التعليم خيانة للانتصارات الكروية.

هذا الابتزاز العاطفي ليس بريئًا. إنه جزء من سياسة أوسع لتجفيف النقاش العمومي، وتحويل أي نقد إلى نشاز، وأي صوت عقلاني إلى عدو للبهجة الوطنية. بينما الحقيقة أبسط وأعمق: من ينتقد هذه السياسات لا يفعل ذلك كرهاً في الفرح، بل حبًا في هذا البلد، وخوفًا عليه من الانحدار.
التعليم والارتقاء الاجتماعي: الحقيقة التي لا تُؤجَّل كل التجارب التاريخية، بلا استثناء، تؤكد أن التعليم هو السبيل الأنجع للارتقاء الاجتماعي، ولتقليص الفوارق، وبناء طبقة وسطى واعية وقادرة على حماية الاستقرار. أما التعويل على التفاهة، والفرجة، والأحلام السريعة، فهو وصفة مؤكدة لإنتاج الإحباط، وتكريس الهشاشة، وإعادة إنتاج التفاوت.

كرة القدم قد تصنع لحظة فرح، لكنها لا تصنع مجتمعًا.

المباراة قد تنتهي بتصفيق، لكن الجهل لا ينتهي إلا بالتعليم.

خاتمة: ما نطلبه ليس المستحيل
لا أحد يطالب بإلغاء كرة القدم، ولا بتجريم الفرح، ولا بتحويل المدارس إلى أديرة صامتة. ما نطالب به بسيط وواضح: ألا تُدار شؤون العقل بعقلية المدرّج، وألا تُؤجَّل الامتحانات لأن هناك مباراة، وألا يُرسل للتلميذ، في لحظة رمزية حاسمة، هذا الدرس القاسي: ما تدرسه أقل أهمية مما تشاهده.
الدفاع عن التعليم ليس عدميّة، بل موقف وطني.
والغيرة على المدرسة العمومية ليست نكدًا، بل وعي.
أما تأجيل الامتحانات من أجل مباراة، فليس احتفاءً بالرياضة… بل إعلان صريح عن أزمة في البوصلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى