مصطفى المنوزي
تمثّل الدولة الإدارية نقلة نوعية في ممارسة السلطة، إذ لم يعد النزاع محصورًا في هوية الحاكم، بل في كيفية الحكم ومنطق صنع القرار. فبينما تُروّج الدولة الإدارية كأداة لتعزيز كفاءة الدولة الاجتماعية عبر تحسين الأداء وتوسيع الخدمات، تظهر الممارسة الفعلية تصادماً متزايداً مع مبادئ الدولة الديمقراطية، لاسيما الشفافية والمحاسبة وتداول السلطة. وهكذا تتصادم روايتان: الأولى تبرر توسع الإدارة باسم الفعالية الاجتماعية، والثانية تحذّر من أن هذا التوسع قد يؤدي إلى تقليص الفضاء السياسي وإعادة تشكيل السيادة خارج إطارات التمثيل. والرهان الحقيقي بينهما: هل يمكن التوفيق بين دولة اجتماعية ناجعة ودولة ديمقراطية خاضعة للمساءلة، أم أننا أمام إعادة توزيع صامتة للسلطة تحت غطاء الضرورة التقنية؟
ففي سياق التحولات الراهنة، تقدم الدولة الإدارية نفسها كحل عقلاني لتعقيد الاحتياجات الاجتماعية وتزايد الطلب على الخدمات العامة. وهي تعِد، ظاهريًا، بإحياء الدولة الاجتماعية عبر رفع النجاعة، وتسريع الإنجاز، وتوسيع نطاق التدخل الحكومي. ضمن هذا الطرح، لم تعد الإدارة جهازًا تنفيذيًا فحسب، بل أصبحت فاعلًا محوريًا في تحقيق العدالة الاجتماعية بما تملك من قدرات تقنية وتدبيرية.
لكن هذه الصورة الإيجابية تخفي مفارقة جوهرية: كلما ازداد دور الإدارة في رسم السياسات العامة، تضاءل مجال القرار السياسي كفضاء للنقاش والاختيار. وهنا تبدأ رواية ثانية في التبلور، هي رواية حدود الدولة الديمقراطية، حيث لا تُلغى الديمقراطية صراحةً، بل يُعاد تشكيلها بشكل إجرائي يحافظ على مؤسساتها لكنه يُضعف تدريجيًا تأثيرها الفعلي على القرار.
وفي هذا الإطار، يتحول البرلمان إلى مجرد هيئة للمصادقة المقيدة، وتصبح الأحزاب مجرد قنوات ضعيفة بين المجتمع والدولة، بينما تنتقل مراكز الثقل إلى هيئات إدارية وخبراء تقنيين يديرون الشأن العام بمنطق الضرورة والكفاءة. وهكذا ننتقل من سيادة الإرادة العامة إلى ما يشبه “سيادة الضرورة التقنية”.
ويتعمق هذا التحول مع ظهور ما يسمى بآليات الخصخصة غير المباشرة، حيث لا يُفوض التنفيذ فقط، بل يُعاد توزيع القرار ذاته عبر شبكات من فاعلين شبه عموميين، ومكاتب دراسات، ومؤسسات وسيطة. هنا لا تختفي الدولة، بل تُعيد تشكيل حضورها عبر وسطاء متعددين، مما يُضعف وضوح المسؤولية وإمكانية المحاسبة.
كما يستند هذا المسار إلى هيمنة رمزية تُعيد إنتاج تصورات تبرر هذا التحول، كأولوية الاستقرار، أو حتمية الفعالية، أو محدودية العمل السياسي. وهي تصورات تضيق بأفق التفكير وتجعل البدائل الديمقراطية تبدو غير عملية أو غير قابلة للتطبيق.
في مواجهة هذه الديناميكية، يبرز القضاء الإداري كجهة مؤسسية قادرة – ولو جزئيًا – على كبح هذا الانزلاق. فرقابته لمشروعية القرارات، وتطبيقه لمبادئ التناسب والتعليل، وتصديه لتعسف استعمال السلطة، يُسهم في إعادة إدخال منطق القانون إلى صميم العمل الإداري. لكن هذا الدور، رغم قيمته، يبقى محدودًا بطبيعته البعدية وباشتغاله داخل الحقل الذي تنتجه الدولة الإدارية ذاتها.
لذلك، لا يكمن الرهان في مواجهة رواية الدولة الاجتماعية برواية مضادة، بل في إعادة تركيب العلاقة بين الفعالية الاجتماعية والشرعية الديمقراطية. أي بناء نموذج يمكن الإدارة من أداء وظائفها بكفاءة، دون أن تتحول إلى مركز سيادي بغير مساءلة.
وهذا يستدعي، أولاً، تحرير العقلنة البرلمانية من طابعها الإجرائي لتصبح أداة لتأطير النقاش العام وتوجيه السياسات، وثانيًا، تفعيل الذكاء المحلي كقوة اقتراحية تنقل المعرفة الميدانية إلى مستوى القرار. كما يتطلب إخضاع آليات الخصخصة غير المباشرة لرقابة حقيقية، وتعزيز دور القضاء الإداري كحارس لحدود السلطة.
وفي الختام، الأمر ليس اختيارًا بين دولة اجتماعية قوية ودولة ديمقراطية ضعيفة، بل إمكانية بناء دولة اجتماعية ديمقراطية، حيث تكون الفعالية في خدمة الشرعية لا بديلاً عنها. فالخطر الحقيقي ليس في قوة الدولة، بل في انفصالها عن آليات المساءلة، وتحولها من تعبير عن الإرادة العامة إلى فاعل يعيد إنتاجها وفق منطقه الخاص.