وجهة نظر

كيف صُنعت العداوة بين المغاربة والجزائريين على موائد التحريض؟؟ ووطنية مفخخة: حين يُقاس الانتماء بكمّ الحقد بقلم حميد قاسمي

  بقلم حميد قاسمي-جريدة تنوير

في سياق هذا الانحدار الخطير في الخطاب العمومي، لا بد من توضيح جوهري يزيد الصورة اكتمالا ويكشف حجم الضرر الذي جرى التغاضي عنه عمدا، ويتعلق الأمر بتغذية العنصرية والبغضاء بين الشعب المغربي والشعب الجزائري، على نحو غير مسبوق، وبوتيرة تصاعدت بشكل مقلق، خاصة خلال فترة تنظيم المغرب لكأس الأمم الإفريقية.

لقد تحولت مناسبة رياضية، من المفترض أن تكون فضاء للتقارب الإفريقي والاحتفاء المشترك بالرياضة، إلى ساحة مفتوحة لتبادل السباب، وتراشق الإهانات، وبث الكراهية الممنهجة، بفعل أصوات إعلامية ومنصات رقمية وصفحات متخصصة، احترفت الاستثمار في التوتر، وركوب موجة العداء، وتغذية الغرائز بدل تهذيبها. لم يكن الأمر تعبيرا عفويا عن تعصب رياضي عابر، بل خطابا مصاغا بعناية، يخلط السياسة بالرياضة، ويستثمر الخلافات الرسمية ليزرع العداوة في قلوب الشعوب، وكأن القطيعة قدر، وكأن الجوار لعنة، وكأن التاريخ المشترك عبء يجب التنصل منه.

في تلك اللحظة، زاد الطين بلة، حين جرى تسويق الإهانة باعتبارها انتصارا، والتحقير بوصفه شجاعة، والعداء على أنه اصطفاف وطني. وبدل أن يُستحضر العقل، ويُقدَّم النموذج الأخلاقي، انخرطت بعض المنابر في سباق محموم نحو الإثارة، فاختارت أسهل الطرق وأخطرها، شيطنة الشعب الآخر، وتجريده من إنسانيته، وتحميله وزر صراعات لا يد له فيها. وهكذا، وجد مغاربة وجزائريون من ذوي النيات الصادقة أنفسهم، مرة أخرى، وقودا لمعركة قذرة، لا رابح فيها سوى دعاة الفتنة ومهندسي الكراهية.

والأدهى أن هذا المسار لم يُقابل بمراجعة أخلاقية جادة، ولا باعتراف بالمسؤولية، بل استُغل لتكريس سرديات أكثر تطرفا، تسعى إلى عزل المغرب عن محيطه الطبيعي، وفصله عن عمقه الإسلامي والعربي والإفريقي، ودفعه قسرا نحو تحالفات مصطنعة، تُقدَّم على أنها بديل عن الجوار والتاريخ والهوية. سرديات تتغذى من الفوضى العاطفية، وتقتات على الانفعال، وتستثمر الجراح المفتوحة لتبرير اختيارات لا علاقة لها بإرادة الشعوب ولا بمصالحها الحقيقية.

إن ما وقع، خصوصا في ظل تظاهرة قارية بحجم كأس الأمم الإفريقية، يكشف بوضوح كيف يمكن للرياضة، حين تُختطف، أن تتحول من جسر للتلاقي إلى أداة للتفريق، وكيف يمكن للإعلام، حين يتخلى عن مسؤوليته، أن يصبح معملا لإنتاج الحقد، بدل أن يكون فضاء لبناء الوعي. وهو ما يفرض، اليوم قبل الغد، وقفة صادقة، تعيد الاعتبار للحكمة، وتستحضر خطورة الكلمة حين تُطلق بلا وعي، وتدرك أن ما يُزرع من كراهية لا يحترق عند حدود الخصومة، بل يمتد ليأكل في جسد الأمة كلها.

ما أحوجنا، في هذا المنعطف، إلى أصوات عاقلة ترى أبعد من لحظة الانفعال، وتفهم أن المغرب والجزائر، مهما اشتدت الخلافات، يجمعهما ما هو أعمق من كل حملات التحريض، وأن الشعوب ليست عدوا، وأن الرياضة ليست ساحة حرب، وأن الإعلام، إن لم يكن جزءا من الحل، تحول بالضرورة إلى جزء من المشكلة. هذا ما كان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى