ثقافة و فن

ذ. عثمان عشيبة في قراءة تحليلية تبرز البعد الفلسفي لقصيدة : صوت الإرادة الأعلى ل ذ.عبد اللطيف رقيق

تقوم القصيدة على خلفية فلسفية نيتشوية واضحة، حيث يعاد تأسيس المعنى انطلاقا من الصوت بوصفه تجليا للإرادة لا بوصفه خطابا عقلانيا محايدا.
الصوت هنا هو شكل الوجود حين يبلغ أقصى كثافته: قوة تنهي الفراغ وتفضح وهم المعنى الساكن، وتعيد تعريف الجمال باعتباره طاقة خلق لا موضوع تأمل. إن إرادة القوة لا تفهم في القصيدة كهيمنة على الآخر، بل كقدرة على تأكيد للحياة في وجه العدم، وعلى قبول العود الأبدي لا كقانون كوني، بل كاختبار قيمي: هل يستحق هذا الوجود أن يعاد؟ من هنا يتأسس موقف رافض لأخلاق القطيع، حيث يصبح الخوف من الحكم علامة على صراع بين قيم موروثة تكرس الانحناء، وقيم جديدة لا تولد إلا عبر المخاطرة بالنبذ، في هذا الأفق يستعيد الشاعر روح الفيلسوف فريدريك نيتشه في ربط المعنى بالفعل، والحقيقة بالقوة الخلاقة، لا بالتطابق أو الطمأنينة.
وتبلغ القصيدة ذروتها الفلسفية حين تعيد تعريف دور الفلسفة نفسها: فهي ليست تصفيقا لقوة جديدة، ولا تأسيسا لعقيدة بديلة، بل فعل هدم جذري يفتح إمكان الخلق والإبداع. زرادشت لا يظهر كنبي يحمل خلاصا متعاليا، بل كمنبه يوقظ الإنسان من سباته القيمي، على نحو ما يتبدى في هكذا تكلم زرادشت.
إن الإنسان الأعلى لا يمنح، بل يعاد خلقه من رماد الضعف، أي عبر تجاوز أوهام العزاء والشفقة التي تبقي الحياة في مستوى التحمل لا الإبداع. وحتى الحب، الذي غالبا ما يستعمل كتعزية، يعاد توطينه داخل منطق القوة: قوة الارتباط بالحياة لا الهروب منها.
هكذا إذن تتشكل القصيدة كموقف فلسفي متكامل يرى في الهدم شرطا للخلق، وفي حب الحياة -مهما كانت قاسية- الجواب الوحيد الممكن على العدم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى