درج المرتفقون على ترديد عبارة: «القاضي لا يحكم بعلمه»، كما درج بعض الفقه العملي على إيقافها عند شطرها الأول، تمامًا كما يُتوقف عند عبارة «ويل للمصلين» دون استكمالها. والحال أن هذا القطع الدلالي لا يؤدي فقط إلى سوء الفهم، بل إلى قلب المعنى التربوي والحقوقي للقاعدة رأسًا على عقب.
فالمقصود ليس أن القاضي يُجرد من علمه أو يُطلب منه تعطيل معرفته وتكوينه، وإنما أن لا يحكم بعلمه الشخصي الخارجي عن الملف، أي بما لم يُعرض على أطراف النزاع ولم يخضع لمبدأ المواجهة والعلنية والحجية. ذلك أن الحكم القضائي لا يُبنى على الانطباعات، ولا على المعرفة السابقة بالأشخاص أو الوقائع، بل على ما يثبت قانونًا داخل المسطرة. أما العلم القانوني، والفهم القضائي، والتكوين المنهجي، فهي جوهر الوظيفة القضائية، وبدونها يستحيل تصور العدالة أصلًا.
من هنا، تصبح هذه القاعدة مدخلًا أساسيًا لفهم جودة الحكم القضائي: فالقاضي لا يُعفى من واجب الفهم، بل يُلزم به، ولا يُعفى من التحليل، بل يُطالب به، ولا يُعفى من التعليل، بل يُساءل عنه. ولذلك ركزت مدونة الأخلاقيات القضائية على واجب العناية واليقظة المهنية والتحقق الجدي من الوقائع والحجج، واعتبرت التقصير في ذلك موجبًا للمساءلة والتأديب، باعتبار أن ضعف الفهم أو التسرع في التقدير لا يقل خطورة عن سوء النية.
إن جودة الأحكام لا تُقاس فقط بسلامة منطوقها، بل بمتانة تعليلها، ووضوح منطقها، وانسجامها الداخلي، وقدرتها على الإقناع، واستجابتها لتعقيد الوقائع. فالتعليل ليس إجراءً شكليًا، بل هو الفضاء الذي تتجسد فيه عقلانية القضاء، وتُختبر فيه نزاهة الاجتهاد، ويُمارس من خلاله المجتمع القانوني رقابته الرمزية والمؤسساتية على إنتاج الحقيقة القضائية.
غير أن الممارسة العملية تكشف عن انزياح مقلق في منسوب المسؤولية، حيث غالبًا ما يُنسب الخطأ إلى ضعف كفاءة المتقاضي أو تقصير دفاعه، بينما يتم تحييد مسؤولية القاضي، أو تذويبها داخل منطق تضامني مؤسساتي يحول دون مساءلة فعلية. وهكذا يتحول الخطأ القضائي من خلل استثنائي قابل للإصلاح إلى سلوك اعتيادي يتم التطبيع معه، في ظل تماهي المواقع والسلطات والمصالح، وغياب ثقافة التقييم والنقد الذاتي.
وقد حاول المشرع الدستوري كسر هذا النسق عبر دسترة التعويض عن الخطأ القضائي، بما يحمله ذلك من دلالة قوية على أن استقلال القضاء لا يعني الحصانة من المحاسبة، بل يفترض مضاعفة شروط النزاهة والمسؤولية. غير أن هذا المبدأ ظل، إلى حد بعيد، محدود الأثر، بفعل مقاومات ثقافية ومؤسساتية ترى في مساءلة القاضي تهديدًا لهيبة القضاء، بدل اعتبارها شرطًا لترسيخ مشروعيته وثقة المجتمع فيه.
إن الانتقال من قضاء الإجراء إلى قضاء الجودة يقتضي تحولًا جذريًا في السردية القضائية: من سردية تبريرية تركز على ضغط الملفات وقلة الإمكانيات، إلى سردية نقدية تجعل من جودة الحكم محور الإصلاح. وهو تحول لا يمكن أن يتحقق دون إعادة بناء العلاقة بين القاضي والنص والواقع، على أساس ثلاثي: الكفاءة المعرفية، واليقظة الأخلاقية، والمسؤولية المؤسساتية.
فالقاضي، في هذا الأفق، ليس مجرد منفذ للنص ولا مجرد ضابط للمسطرة، بل فاعل مركزي في إنتاج المعنى القانوني وصناعة الحقيقة القضائية. ومن ثم، فإن مسؤوليته لا تتحدد فقط في احترام الإجراءات، بل في تحقيق العدالة الممكنة، وفي تقليص المسافة بين القانون والإنصاف، وبين الشرعية الشكلية والمشروعية القيمية.
إن إصلاح العدالة يبدأ من هنا: من جعل جودة الأحكام معيارًا مركزيًا للتقييم، ومن ربط السلطة القضائية بأخلاقيات القرار، ومن تفكيك ثقافة التضامن الصامت التي تحوّل الخطأ إلى قدر مهني. فبدون ذلك، سيظل استقلال القضاء معلقًا في مستوى الشعار، وستظل ثقة المواطن في العدالة رهينة منطق الصدفة لا ضمانة الحق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) رئيس أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي