مجتمع

هل نحن أمام تحدّي “الصورة” في المغرب؟

تحليل اجتماعي ونفسي لفضيحة كروية بين المغرب والسنغال… حين كانت الصورة هي الخاسر الأكبر

متابعة سعيد حمان

أعادت الأحداث التي رافقت المواجهة الكروية بين المغرب والسنغال طرح سؤالٍ أعمق من نتيجة مباراة أو قرار تحكيمي: هل يواجه المغرب اليوم أزمة “صورة” أكثر مما يواجه أزمة رياضية؟ وكيف تحوّلت واقعة كروية إلى لحظة اهتزاز نفسي واجتماعي، كان ضحيتها الأساسية صورة المغرب في الوعي العام، داخليًا وخارجيًا؟

من مباراة إلى “فضيحة”

كرة القدم، في جوهرها، منافسة رياضية تحكمها القوانين والأخطاء البشرية. غير أن ما وقع في هذه المباراة خرج سريعًا من إطار الرياضة، ليُقدَّم في منصات التواصل وبعض المنابر كـ“فضيحة”، لا بسبب النتيجة فقط، بل بسبب طريقة تداول الحدث، وانتشار صور ومقاطع وتعليقات غذّت الإحساس بالظلم، وأحيانًا بالعجز.

هنا لم تعد المشكلة في الواقعة نفسها، بل في كيفية إدارتها إعلاميًا ونفسيًا. فالصورة التي انتشرت لم تكن صورة منتخب منافس قوي، ولا مباراة ندّية، بل صورة “مغرب متضرر”، تُقدَّم أحيانًا بلغة انفعالية، تُراكم الغضب بدل الفهم.

البعد النفسي: من الإحباط إلى الإحساس بالاستهداف

على المستوى النفسي، كشفت هذه الواقعة هشاشة العلاقة بين المواطن المغربي و”صورة بلده” في المحافل القارية. الشعور بالظلم الكروي تحوّل سريعًا إلى شعور أوسع بالاستهداف، وكأن الهزيمة ليست رياضية، بل رمزية.

هذا التحول خطير، لأنه ينقل الفرد من موقع المشجع إلى موقع الضحية الدائمة، ويُغذّي خطاب المؤامرة، بدل تعزيز ثقافة الاحتجاج العقلاني والمؤسساتي. وهنا يصبح الغضب الجماعي مادة خام سهلة التداول، تُستثمر فيها الصورة الصادمة أكثر من التحليل الهادئ.

البعد الاجتماعي: صورة تُصنع خارج السياق

اجتماعيًا، أظهرت “الفضيحة الكروية” كيف يمكن للصورة أن تُفكَّك من سياقها وتُعاد صياغتها بما يخدم الإثارة. فبدل نقاش موضوعي حول التحكيم، التنظيم، أو آليات الدفاع عن الحقوق داخل المؤسسات الرياضية الإفريقية، طغى خطاب التشنج، وتحوّلت بعض المنصات إلى فضاء لتبادل الاتهامات والانفعالات.

النتيجة: صورة مغرب غاضب، محتج، وأحيانًا معزول، وهي صورة لا تعكس بالضرورة حقيقة بلد راكم تجربة رياضية ودبلوماسية معتبرة في السنوات الأخيرة.

السنغال والمفارقة الهادئة

في المقابل، بدت السنغال، رسميًا وإعلاميًا، أكثر هدوءًا في تدبير لحظة الانتصار. ليس لأن المشهد خالٍ من الجدل، بل لأن التحكم في الخطاب والصورة كان أكثر اتزانًا. هنا تتجلى المفارقة: ليس من ينتصر في المباراة فقط من يربح، بل من ينتصر في إدارة الصورة بعد المباراة.

هل المغرب ضحية؟

نعم، يمكن القول إن المغرب كان ضحية على مستوى الصورة، لا بالضرورة على مستوى الواقع الرياضي فقط. ضحية تضخيم انفعالي، وضعف خطاب تواصلي مضاد، وغياب استراتيجية واضحة لتحويل الغضب الشعبي إلى موقف مؤسساتي قوي وهادئ في الآن نفسه.

نحو تجاوز تحدّي الصورة

التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في نفي الغضب، بل في تأطيره. المغرب في حاجة إلى وعي جماعي بأن الدفاع عن الحقوق الرياضية لا يمر عبر الفوضى الرقمية، بل عبر بناء سردية ذكية، هادئة، وموثقة، تحمي صورة البلد بدل استنزافها.

في زمن الصورة، من لا يُحسن إدارة صورته، يُدان بها. وما حدث بين المغرب والسنغال ليس فقط درسًا كرويًا، بل إنذار اجتماعي ونفسي:

المعركة لم تعد في الملعب فقط، بل في الوعي، والخطاب، والصورة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى