متابعة سعيد حمان
لم يعد المتتبع للمشهد الإعلامي المحلي بمدينة مراكش بحاجة إلى كثير عناء ليلاحظ انزلاق جزء من الصحافة من دورها النبيل في الإخبار والتنوير والمساءلة، نحو ممارسة مقلقة تُشبه أكثر تصفية الحسابات الشخصية والسياسية، لا خدمة الحقيقة ولا احترام حق المواطن في المعلومة.
فالصحافة، في جوهرها، وُجدت لتكون سلطة رابعة، تُراقب وتنتقد وتُسلّط الضوء على الاختلالات، لكنها تفعل ذلك بمنطق المصلحة العامة، لا بمنطق “من معي ومن ضدي”. غير أن الواقع اليوم يكشف عن مقالات وتقارير تُفصَّل على مقاس أشخاص، تُضخَّم فيها الوقائع أو تُبتَر من سياقها، وتُستعمل فيها لغة التشهير أكثر من لغة التحليل، وكأن الهدف لم يعد تنوير الرأي العام، بل تسجيل النقاط وإفراغ الأحقاد.
الأخطر من ذلك أن هذا الانحراف لا يسيء فقط للأشخاص المستهدفين، بل يضرب في العمق مصداقية الصحافة المحلية ككل. فحين يكتشف القارئ أن بعض المنابر لا تتحرك إلا عند وجود خصومة، أو تصمت حين يتعلق الأمر بحلفاء وأصدقاء، يفقد ثقته في الإعلام، ويتحول الشك إلى قاعدة، والحقيقة إلى استثناء.
مراكش، بتاريخها ورمزيتها وحجم التحديات التي تواجهها، في حاجة إلى صحافة جادة ومسؤولة، تُنير النقاش العمومي، وتطرح الأسئلة الحقيقية حول التنمية، الحكامة، العدالة الاجتماعية، وتدبير الشأن المحلي. لا صحافة تُختزل في تصفية الحسابات، ولا في تصفية ضمائر أصحابها.
إن الدفاع عن حرية الصحافة لا يعني تبرير الانزلاق، كما أن النقد المشروع لا يعني التشهير. وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الحقيقي هو استعادة أخلاقيات المهنة، واحترام ذكاء القارئ، والعودة إلى صحافة تُحاسب بالوقائع، وتنتقد بالحجة، وتخدم المدينة وساكنتها، لا أجندات ضيقة ولا معارك مؤقتة.
فالصحافة إما أن تكون مرآة للمجتمع… أو سكينًا في جيب الخلافات. ومراكش تستحق الأولى، لا الثانية.