وجهة نظر
العلاقة العضوية بين المواطنة والقومية والكونية-بقلم محمد المباركي

تقديم
الهوية عامل أساسي في توازن الفرد والمجموعة البشرية التي تشكل شعبا أو أمة. في غياب ممارسة هويته الطبيعية المكنونة في شعوره وحواسه ووعيه، يكون الفرد عبارة عن سجين في قفص ولو كان من ذهب يوفر له ما شاء ماديّا. قد يمكن لفرد أو مجموعة معينة أن تتطبع بثقافة الغير لحد تتبنى هويتهم، لكن لا يمكن لجموع فئات الشعب أن تتطبع بثقافة الغير لحد تفقد فيه هويتها. لن ندخل في كلامنا المختصر هذا، تفكيك وتفصيل المفاهيم المحددة للهوية. نشير فقط الى إحدى مكوناتها الأساسية التي تشخصها الثقافة بمفهومها الحضاري العام والتي لها العديد من التعريفات. نكتفي هنا بالإشارة الى مرتكزاتها الثابتة والتي بدونها تصبح الهوة مبتذلة مسلوبة ومزيفة. عبارة عن استلاب فكري ثقافي حضاري وابتذالا للشخصية والأخلاق. هذه المرتكزات تشكل الموروث التراثي الثقافي الحضاري المتطور عبر الحقب التاريخية ضمن فضاء جغرافي معين. هذه المرتكزات هي التي تميز شخصية ومزاج وعادات وتصرفات وشعور واحساس أفراد مجموعة بشرية مشكلة لشعب معين. هذا الفضاء القيمي الذي لا يمكن للهوية أن تحقق حرية المتشبثين بها والنجاة من الاستلاب الثقافي والحضاري، ومنه الاضمحلال والتبعية للغير، مبني على العلاقة العضوية التي تربط الثالوث المكون للوطنية والقومية والكونية. ما معناه، كل تحديد للهوية الشعبية خارج العلاقة العضوية بين المواطنة والقومية والكونية هو عبارة عن استيلاب مزيف ناتج عن خلفيات إيديولوجية سياسية مصلحية.
ا – واقع العالم أو العودة الى عصر الامبراطوريات
لفهم ما نرمز اليه بالربط الالزامي بين المواطنة – والوطنية جزء منها- والقومية والكونية – والأممية جزء منها-، لا بد من طرحها في الواقع المعاش وطنيا وقوميا ودوليا. هذا الواقع الذي ميّزته في الوضع الحالي هو سيادة قانون الغاب، قانون الهيمنة بالقوة المدمرّة كما كان سائدا عصر الإمبراطوريات حيث العلاقة بين الشعوب والأقوام تحسم بالقوة التي تصل حد إبادة الآخر. الوضع على مستوى العالم ليس بجديد في جوهره، لكن أقوال وتصرفات دونالد ترامب، رئيس الوليات المتحدة الأمريكية، كإمبراطور لأعظم دولة اقتصادية وعسكرية، رفع ورقة التوت عما كان مستورا باسم القانون الدولي، الديمقراطية الليبيرالية وحقوق الانسان، ليضرب عرض الحائط التوازنات التي نتجت عن الحرب العالمية الثانية عبر مؤسسات الأمم المتحدة. لحد أنه شرعن لنفسه قانوانا غابويّا جديدا، يفعل ويأخذ بموجبه ما يريد، سواء عبر معاهدات مجحفة أو عن طريق استعمال القوة والحصار واشعال الفوضى والاضطرابات أينما شاء وطاب لنزواته القيصرية.
قانون الغاب الواضح المعالم الذي ينهجه الإمبراطور الأمريكي، يبيح للقوي أكل الضعيف بشكل فضّ مكشوف، يوضح من خلاله جليّا، لا يمكن لأيّ شعب أو أمّة تحقيق وضمان الاستقلال والحرية الا ضمن تجمعات قوية محصنة اقتصاديّا وعسكرية. وهذا ما ينتج عنه بشكل اجمالي:
1 – التجمعات القوية المحصنة
والتي يمكن تصنيفها انطلاقا من وزنها الثقافي السياسي الاقتصادي والعسكري:
-أمريكا أو الولايات المتحدة الأمريكية
وهي تجمع حديث العهد التاريخي، تشكل انطلاقا من استقلال بعض المستعمرات، شمال القارة الأمريكية، عام 1776 عن الإمبراطورية البريطانية ومنه بدأ توسعها عبر مناطق شاسعة عن طريق إبادة السكان الأصليّين أو بضم أجزاء لشعوب وأمم أخرى. الأمر الذي لازال ساريا ليومنا هذا، كما عبّر دونالد ترامب عومه ضمّ غرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، والتلويح بضم كندا كولاية 51. تلبية لنزواته الإمبراطورة، يثبت ترامب قوته على العالم بجعل قارة أمريكا بشمالها وجنوبها، تحت هيمنته المباشرة ولو ادعى ذلك التدخل العسكري وسجن رئيسا منتخبا ديمقراطيّا لدولة مثل فينزويلا المستقلة. أو فرض خطته الخاصة لوقف إطلاق النار وإعادة بناء غزة، كما طاب وشاء له، بعد الإبادة التي تعرض لها الشعب الفلسطيني على يد الكيان الصهيوني بتأييد سياسي اعلامي وعسكري للغرب بزعامة أمريكا. كما أنه قام بحربه الأولى على إيران بتواطؤ مع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني. وهو اليوم على أبواب حرب ثانية على لإيران بعد فشل الاطاحة بنظامها السياسي من الداخل.
الى جانب القوة العسكرية يستعمل ترامب القوة الاقتصادية اتجاه مجموع بلدان العالم، بما فيها حلفائه التاريخين بأوروبا الغربية واليابان، وذلك لفرض سيطرة الوليات المتحدة الاقتصادية واستمرار سيادة التبادل التجاري بالدولار الذي عوض الذهب كعملة دولية منذ عام 1973.
الظاهر في المشهد السياسي العالمي أن أمريكا في عهد رئيسها ترامب ضربت عرض الحائد القوانين والمعاهدات الدولية كما جرى بها العمل، الى هذا الحد أو ذاك، قبل رئاسته الثانية، ليصبح كل شيء سياسي أو اقتصادي يحسم بالقوة.
– الصين الشعبية أو الصين
وهو تجمع تقافي وحضاري قديم، تشكل عبر سيرورة تاريخية طويلة. رغم الانتكاسات والاحتلال والثورة والثورة المضاضة، تمكنت الصين وضع دولة موحدة مستقلة التي ضمّت اليها بالقوة منغوليا الداخلية وبلاد السنجان والتيب. لكن رغم تبني حكم الحزب الواحد تمكن النظام الصيني عكس ما حصل لنظيره الاتحاد السوفيتي، الذي تفكك نهاي 1991، منذ مطلع ثمانينات القرن الفائت سياسة اقتصاديّة متفتحة، ملخصة في مقولة الرئيس تين سياو بين” القط أوسدا أو أبيضا المهم اصطياد القطط”. ما معناه سواء كان الاقتصاد اشتراكي أو رأسمالي، المهم خدمة مصالح الصين. هكذا في بضعة عقود أصبحت الصين معمل العالم لحد تضاهي اقتصاديّا اليوم القوة العظمى المتمثلة في الوليات المتحدة الأمريكية.
زيادة على تحصين نفسها اقتصاديّا، استطاعت الصين تحصين نفسها عسكريا. فهي تقوم بمعاهدات تجارية مباشرة وباستقلالية تامّة مع مختلف الدول، ثم بناء قطب نقدي يضم أساسا الاتحاد الروسي والهند والبرازيل وافريقيا الجنوبية تحت اسم البريكس، والذي انظمت اليه دولا أخرى. عكس التحالفات التي تفرضها أمريكا بالقوة، فان الصين تلجأ الى الحوار السلمي والمعاهدات الطوعية، حسب منظور كلا الطرفين رابح. واليوم نجد التجمّع الذي تمثله الصين محصّنا ومستقلا عن أي نفود أجنبي وفي استطاعته مجابهة أية قوة، اقتصاديّا وعسكريّا بما فيها الوليات المتحدة.
– اتحاد الفيدرالية الروسية أو روسيا
وهو تجمع تشكل حول التراث الثقافي والحضاري للإمبراطورية الروسية منذ القرن الوسيط وزمان الاتحاد السوفييتي، الذي تبنّى نظام الحزب الواحد خلفا للحكم الأرستقراطي القيصري. والذي بعد تفتته، لكن احتفظ التجمع الروسي في شكله الحالي بأكبر منطقة جغرافية في العام وله من الرصيد الثقافي والحضاري والقوة العسكرية ما يحصنه ويحميه من أي تهديد خارجي بما فيه الأمريكي.
– الاتحاد الأوروبي أو أوروبّا الغربية
وهو تجمع يحتضن 27 دولة أوروبية والتي رغم اختلاف لغاتها وتراثها اتحدت في سيرورة لا زالت في طور بنائها السياسي والعسكري وان قطعت أشواطا مهمة في وحدتها الاقتصادية والتجارية. هذا التجمع يتبنى الرصيد الحضاري للموروث اليوناني والروماني وما بنته ثقافات الدول الأوروبية التي سادت العالم منذ نكبة الأندلس عام 1492 والذي تزامنت مع اكتشاف اسبانيا ثم البرتغال لوسط وجنوب القارة الأمريكية. ثم بعدهما جاء الاستعمار البريطاني والفرنسي لأمريكا الشمالية.
بخصوص التجمع الأوروبي أمكن القول، أن ما له من الرصيد الثقافي والحضاري وكونه أكبر سوق اقتصادي، يؤله تقوية قدراته العسكرية في وقت وجيز. وفي الوضع الحالي التجمع الأوروبي قادر الوقوف في وجه كل تدخل عسكري خاصة أن فرنسا وبريطانيا، تمتلكان من القوة النووية ما فيه الكفاية للردع. رغم سياسات النظم الليبيرالية الديمقراطية المتفاوتة لهذا التجمع والتي تجعل القرارات الجماعية تأخذ وقتا طويلا، الاّ أنه في حالة الشدّة تراها تلحم قواها للمواجهة، كما هو الحال بخصوص أكرانيا وغرينلاندا والضرائب الجمركية التي فرضها ترامب.
– الهند أو تجمع الشبه قارة الهندية
التجمع الهندي من أعرق الحضارات وهو يتكون من أكبر ائتلاف بشري يتجاوز المليار ونصف نسمة. كما له اقتصادا صاعدا مع امتلاك الطاقة النووية. كلها عوامل جعل الهند محصنة اتجاه أي غزو خارجي. وهي نظرا لتوجهها الليبيرالي تراها تقف موقف الوسط بين الهيمنة الأمريكية والقوى العظمى المناوئة لها كالصين وروسيا. ان الهند، نظرا لموقعها الجغرافي وتشكيلتها القومية المتعددة تجعلها في آخر المطاف تنغلق على نفسها ولا تدخل الصراعات الكبرى الا عبر بوابة ما يخدم مصالحها. أما صراعها الحدودي سواء مع الباكستان أو الصين لا يتعدى المناوشات الموقتة. الأهم بخصوص الهند، لها ما يضمن استقلالها الثقافي والاقتصادي والعسكري مما يحصنها من التبعية.
2 – التجمعات الوسطى
وهي التجمعات التي لم تصل لمستوى فرض هيمنتها على الشعوب الأخرى بالقوة، لكنها تمتلك من الطاقة البشرية والإمكانات الاقتصادية مع موقعها الجغرافي، ما يجعلها تضمن لنفسها تحالفات تجنّبها التبعية للتجمعات الكبرى. ومثال هذه القوميات أو الدول نجد:
– اليابان
التي هي قوة اقتصادية كبرى تفتقد للقوة العسكرية نظرها لانهزامها خلال الحرب العالمية الثانية، لكن نظامها الليبيرالي ومعاهدتها العسكرية والاقتصادية مع أمريكا يضمن لها حيزا هام لاستقلالها وتحصينها الثقافي الحضاري.
– البرازيل
نظرا لأراضيه الشاسعة وخيراته الطبيعية الى جانب كثرة ساكنه ونوعية ثقافته المخضرمة الحية، تجعل من البرازيل قوة صاعدة بوسعها عقد تحالفات تضمن لها الاستقلال الثقافي ويحصنها من التبعية الاقتصادية والعسكرية.
– أندونسيا
نظرا لموقعها الجغرافي وتعقد تدارسه الى جانب كثرة ساكنتها وديناميتها الاقتصادية يجعلها محصنة من التبعية المباشرة اقتصاديا، عسكريا وثقافيّا. الأمر الذي يسمح لها من عقد تحالفات متنوعة الأطراف.
– الباكستان
لها وضع خاص، رغم تبعيتها الظاهرة للهيمنة الأمريكية، الا أن لها هامشا للتصرف باستقلالية. هذا راجع لامتلاكها القوة النووية وعدد ساكنتها وموقعها الجغرافي المؤثر في المنطقة.
– الدول الممانعة
– إيران
نظرا لموقعا الاستراتيجي وخيراتها الطبيعية وبالأساس تواجدها كقطب قوي يريد التأثير والاستقلالية في منطقة تسيطر عليها أمريكا يجعل منها، نظرا لمواقفها المعادية للهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، مهددة بشكل مباشر خاصة أنها تريد امتلاك القوة النووية لتحصين نفسها من أي تدخل عسكري أجنبي وأيضا من أجل دعامة موقعها قوة مؤثرة في المنطقة.
– كوريا الشمالية
يحصنها أساسا نظامها السياسي المعادي للإمبريالية الأمريكية وتوجهها الاقتصادي لاشتراكية نظام حكم الحزب الواحد، الذي استطاع رغم الحصار الاقتصادي المضروب على كوريا الشمالية منذ نهاية الحرب الأمريكية الصينية على الأرض الكورية عام 1953 الحفاظ على استقلاله وعدم التبعية لأمريكا. أمكن القول، رغم امتلاك كوريا الشمالية للقوة النووية، فإنها تمثل المقدمة الدفاعية للصين في وجه أمريكا. كما تمثل تايوان وكوريا الجنوبية واليابان والفيليبين المقدمة الأمامية لأمريكا في محاصرة النفود الصيني.
– كوبا
رغم قربها من الوليات المتحدة الأمريكية أقوى تجمع مهيمن، فإنها بعد فشل عملية الغزو الأمريكي لها عام 1961، ثم حل أزمة الصواريخ الروسية فوق أرضها عام 1962، لم تعد كوبا تشكل أي خطر عسكري أو اقتصادي بالنسبة لأمريكا. التي عمدت الى إقامة حصار اقتصادي وسياسي كوسيلة لإسقاط النظام الثوري بها عن طريق تجويع الشعب الكوبي وخلق معارضة قوية له في الخارج لنخره من الداخل. ووسيلة الحصار لتجويع الشعوب وخلق الفتن داخلها هي من أخبث الحروب النفسية والاجتماعية التي تستعملها الامبريالية الأمريكية اتجاه الأنظمة التي ترفض هيمنتها.
– تركيا
لها وضع خاص، فهي لم تعرف الاستعمار كجل الأقطار العربية الإسلامية. من مقوماتها تراث حضاري عريق وعدد سكاني مهم الى جانب موقعها الجغرافي الاستراتيجي بين آسيا وأوروبا. ثمّ انها رغم انضمامها الى الحف العسكري الغربي “النيتو”، فلها من المؤهلات الكافية تسمح عقد تحالفات اقتصادية واستراتيجية مع حلفاء متناقضين المصالح مثل روسيا وأمريكا أو الصين وأمريكا. مثلها في هذا الصدد مثل الهند الا أن الهند لوحدها تعد تجمع ثقافي واقتصادي وعسكري محصن.
– إسرائيل
تشكل قاعدة عسكرية واقتصادية وثقافية في قلب شعوب الشرق الأوسط. كيان استعماري استيطاني غرسه الغرب الامبريالي لخدمة مصاله والذي لن يزول الا حين يحصن تجمع الشعوب العربية نفسه في فضاء حداثي ديمقراطي محصنا ثقافيا واقتصاديا وعسكريا.
3 – التجمعات والدول التابعة
في هذا الفضاء الإنساني والجغرافي المتعدد الثقافات والحضارات يمكن وضع مختلف الشعوب والأمم التي ليس لها مؤهلات اقتصادية وعسكرية لحماية نفسها من التبعية المباشرة أو غير المباشرة اتجاه احدى التجمعات الكبرى ودولها المهيمنة. وخاصة التي تمثلها الدولة الأعظم نفوذا في الوقت الراهن والممثلة في الوليات المتحدة الأمريكية. ضمن هذه التجمعات التابعة والمغلوبة على أمرها توجد مجموع الدول العربية.
اا – الوطنية والقومية والكونية
1 – المواطنية والوطنية كنسغ لها
سواد العين يا وطني فداك
وقلبي لا يودّ سوى علاك
نشأت على هواك فتا وفيّا
وما عودتني الا وفاك
بعد الأناشيد الحماسية والشعارات الوطنية التي رددتها غير واع بمحتواها وأنا صبيّ منساق مع موج المظاهرات الشعبية المطالبة باستقلال الوطن متحدية بطش المستعمر، مرددة:
من جبالنا طلع صوت الأحرار
ينادينا للاستقلال
ينادينا لاستقلال الاستقلال وطننا
تضحيتنا للوطن خير من الحياة
كنت حينها في الخامسة أو السادسة من العمر. كانت أختي عائشة، التي تكبرني بسنتين، هي وكيلتي وقائدتي رغم توبيخ الوالدين. كانت عائشة شعلة من الفطنة والدكاء والجرأة والاقدام. كلما تذكرتها سالت دمعة من حيث لا أدري ترحما على روحها الأبيّة الصلبة.
عند دخول المدرسة كان أول حكمة حفظناها، “حب الأوطان من الايمان”. وأول نشيد رددناه قبل دخول القسم ” يا علمي يا علم العربي أشرقي وأخفقي في الأفق الأزرق يا علم”. فاختلط في شعورنا ونحن صغارا، الإحساس بحب الوطن كجزء من كياننا الروحي والجسدي ضمن شيء كبير وعظيم وهو أمة العربية. لم نكن نعي مضمون الحكمة والنشيد، لكننا حفظناهما كما حفظنا عن ظهر قلب آيات بيّنات وقضيب الزيتون لسماحة مولانا الفقيه سيفا مسلولا فوق رؤوسنا الفتية البريئة. مع الكبر وعينا أن الوطن ليس قطعة أرض نشأنا تحت سمائها وتمتعنا بجمال جبالها وسهولها وهضابها وسحاريها وبحورها، بل أيضا وأساسا رجالها ونسائها أطفالها وشيوخها وكل ما يشكل شعبا المغربي صاحب رصيد ثقافي حضاري موروث منذ القدم، يأخذه ويطوره جيل عن جيل سبقه. هذا الرصيد الثقافي الحضاري المرموق هو الذي رصّ صفوف الشعب عبر التاريخ وجعل منه لحمة متماسكة تدفع أبنائه وبناته للضحية بالغالي والنفيس ساعة تداس حوزته وكرامته.
ونحن نعيش ونتفحص العالم كما تجري وقائعه وتناقضاته أمام أعيننا وانعكاساته على مصيرنا الجماعي، ما الذي يفرضه الواجب الوطني القيام به؟ علما أن الدولة تدير شؤونه، لا تملك من القوة الاقتصادية والعسكرية تصد بها التبعية للتجمعات المسيطرة وخاصة الأمريكية، التي فرضت التطبيع مع الكيان الصهيون الغاصب، كشريطة لتأييد حق ضحى الشعب المغربي بدم أبائه من أجله. ما المعمول به في وضعية الضعف هاته للتصدي للتبعية الاقتصادية والثقافية للقوي المسيطرة من أجل صيانة موروثنا الثقافي الحضاري ومن مختلف أشكال الاستلاب تحت دريعة مختلف التبريرات؟
الوطنية الحقة هي التي تنتصر لطموحات ومصالح مجموع الشعب في بوثقه تضمن وحدة المتراصة والمواطنة الكاملة لكافة أبنائه. بعيدا عن أية نزعة فئوية قبلية أو عرقية. أو كل ما من شأنه أن يحمل في ثناياه بذور الفتنة المقيتة التي تستعملها القوى المهيمنة لتشتيت مقومات الشعوب والأمم. ما حصل للعديد من الشعوب العربية مثال حي: الاحتلال الاستيطاني لفلسطين، تقسيم السودان الحروب الأهلية في العراق، سوريا، ليبيا، اليمن. حالة المغرب الذي سلبت منه أجزاءه التاريخية وجعلته يتخبط في مؤامرات وخيمة لاسترداد جزء منها.
الوطنية الحقة تجد قوامها ومصداقيتها في فضائها الطبيعي الذي يضمن المواطنة لجميع أفراده في إطار الدولة الديمقراطية. المواطنة لا تكتمل الاّ في إطار طبيعي هو الآخر، يمثله ويجسد الفضاء القومي الذي يجمع شعوبا ذات اللغة والتراث الثقافي والحضاري الجامع. فمن لا قومية ثقافية وحضارية له لا وطنية له ولا يمكنه بناء دولة المواطنة الحقة. خلافا لم تعرفه مجموع الدول العربية المغلوبة، الأمر الذي مجعل شعوبها تعيش ويلات عدم الاستقرار والتصدعات الداخلية والخارجية، هناك مثال حيّ تجري أحداثه أمام أعيننا. وهو ما تواجهه الدولة الدانيماركية بعد اعلان الإمبراطور دونالد ترامب رئيس الدولة العظمي في العالم، ضم جزيرة غرينلاندا، التي تتجاوز مساحتها المليونين كيلومتر مربع والغنية بمواردها الطبيعة. ماذا بمقدور دولة الدانمرك -الصغيرة الحجم 42000 كلم2 وعدد سكانها 6 ملايين ذات قوة عسكرة محدودة -أن تفعل أمام القوة القاهرة لأمريكا لولا وجودها داخل تجمع الاتحاد الأوروبي القوي والمحصن يحميها؟ وهناك أيضا مثال أكرانيا، التي استقلت بنفسها إثر تفتيت الاتحاد السوفيتي واحتمت بالاتحاد الأوروبي بغية الالتحاق به. مما مهد إمكانية الوقوف هذا الأخير الى جانبها أمام الغزو الروسي الكاسح. خلافا لشعوب الاتحاد الأوروبي نجد دول الشعوب العربية في حالة من الضعف والهوان لحد، من لم تتفتت مجتمعاتها أمام الغزو الخارجي قد تصدع أمرها في فتنة داخلية. ومن بقي منها فهي تابعة لهذه القوة العظمى أو تلك أو لهم معا، رغم أنفها. لأنه في زمن التجمعات والأمم القوية لا يوجد هناك تجمع عربي صلب قادر صيانة شعوبه.
2 – التجمع القومي أو القومية
قومي وان غضبوا علي كرام
سيغفون بعد سباتهم اليوم
أن تموت جوعا وأنت حر خير
من أن تعيش وأنت لحيم
(بتصرف)



