مجتمع

مهام اليسار اليوم… أية أدوار ومن خلال أي مرجعية؟

منير الطاهري
أن تكون يساريا اليوم، معناه القطع مع الأساليب المعتمدة في مرحلة سابقة وإعادة معارضة التراتبية الطبقية التي يحاول أن يفرضها النظام العالمي الجديد، معارضة واعية بالأدوار الجديدة لليسار رفقة المهمشين والمنبودين والمحشورين في أسفل هذه التراتبية في النظام العالمي الجديد.
أنت يساري فأنت ماركسي يعيد إحياء الماركسية كمقاول صاعد يستثمر كفاءته النضالية وكفاءة رفاقه لتغيير تراتبية العالم في مرحلة تاريخية تعتبر الرأسمال مجرد مرحلة نمو وتطور لأنماط الإنتاج.
فكيف لك أيها المقاول/المناضل الماركسي قيادة المرحلة المقبلة والمرحلة المأمولة لتكسير تراتبية العالم القديم؟
أنت كذلك، أمل البشرية للخروج من نظام التراتبية والاستغلال والحرمان الاجتماعي والتفقير السائد وأنت كذلك واجهة طهرانية لمكافحة نظام التسليع الاجتماعي والسياسي والثقافي.
يساري اليوم مدعو للتفكير إلى جانب الطبقات المطحونة من مهمشين وعاطلين وعمال في ظروف لا إنسانية ومدعو كذلك للتفكير في علاقات إنسانية أخرى فوق الاستغلال كأطروحة جديدة قبل نضوج شروط الدولة الاشتراكية.
ومدعو كذلك إلى لدفاع عن حقوق الطبقة الوسطى وإدماجها في مشروع الكفاح البروليتاري.
دور اليساري في مرحلة الرأسمال المتوحش يختلف كثيرا عن دور السياسي الرأسمالي الذي يحاول إعادة الثقة للناس وتأخير حاجتهم للثورة وضبط حركية السكان بين مراكز عملهم والأسواق وتشجيع استمتاعهم بالتلفزيون والاستهلاك والتفكير في وسائل لتوفير الأموال والادخار.
وفي هذه المرحلة، الرأسمال ينظر إليك كمقاول يستثمر في أفكاره وقيمه اليسارية فقط، من أجل تقلد مهام ضبط حركية السكان وكذا تدجينه كضابط سياسي للعيش المشترك.
ومقابل ذلك، مازالت نظرة يساريي اليوم للرأسمال هي نفسها:
أولا: مرحلة ضرورية في تدبير أنظمة الإنتاج الاستغلالي للوصول إلى مرحلة التنظيم القاعدي للعملية الانتاجية كواقع تنظيمي سائد يحتاج إلى حضور اليساريين ومراقبتهم المستمرة كي لا يضل إلى مستوياته المتوحشة.
ثانيا: مرحلة لابد من تجاوزها للوصول إلى مرحلة نهاية نظام الاستغلال والملكية وتأطير سيادة الطبقة العاملة لإعادة تدبير العملية التوزيعية لفائض القيمة.
ثالثا: المجتمع الاشتراكي المأمول لابد أن يستفيد من التجارب والتطبيقات التي لم يكتب لها البقاء في البلدان الاشتراكية السابقة.
معنى ذلك أن صراع يساريي اليوم مع الرأسمال يحتاج إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى تراهن على العيوب الموضوعية التي تعتري هذا النظام وهي عيوب تتمثل في تركيزه على مراكمة فائض القيمة لفائدة الطبقة المالكة لوسائل الانتاج وتعميق صور استغلال الطبقة غير المالكة لوسائل الانتاج واستنزاف البيئة.
والنظام الرأسمالي لن يسقط من تلقاء نفسه بسبب هذه العيوب، لكنه يحتاج إلى فعل سوسيولوجي وإرادة الجماهير للمطالبة بنظام إنتاجي أقل سوء وهو الفعل الذي يتأتى من خلال العمل الاحتجاجي والمشاركة الديموقراطية في انتخاب الأحزاب التي تحمل مشروعا تدبيريا يحد من بشاعة هذا النظام الإنتاجي.
المشروع التدبيري الجديد الذي يحمله المناضل اليساري يكمن في وضع إجراءات وقوانين تضمن العدالة الاجتماعية والمساواة كقوانين جديدة لتوجيه فائض القيمة إلى صناديق للتماسك الاجتماعي وإلى برامج ابتكارية لتكثيف الانتاج بشكل يضمن استدامة العنصر البشري والحفاظ على البيئة، الطريق إلى ذلك لن يتم بواسطة اشتراكية التأميم ولكن من خلال تقوية الأدوار الرقابية والتأطيرية للدولة في مراقبتها للقطاع الخاص بواسطة نظام ضريبي جديد للحد من السلوكات الاستهلاكية الرعناء؛ أي الضريبة على الرفاهية والبدخ أولا وهي المطلب الأساسي ليساريي اليوم المعبر عنه في إقرار ضرائب عن الثروة وغرائب عن فقدان العمل بفعل الروبوتيزم والمكننة.
دور المناضل اليساري اليوم كذلك، هو إجبار النظام الرأسمالي على التراجع عن توجهه المتوحش المنساق نحو موجة تسليع الخدمات الأساسية، وهو مطالب هنا بتعميق فكره وتصوره لمفهوم الخدمة الأساسية وآليات ضمان حق الولوج لهذه الخدمات من طرف الجميع ويتعلق الأمر بالمرافق العمومية الضرورية للعيش المشترك أي مرافق التنشئة الاجتماعية والتمهين والصحة والشرب والغداء والأمن والسلامة، وهو بذلك مدعو لوضع معايير علمية لتحديد مفهوم الخدمات الأساسية غير القابلة للتسليع وفصلها عن خدمات السوق ذات المنطق الربحي والتنافسي.
ضمان هذه الخدمات، يتطلب وجود مقاول عمومي مكلف بأداء الحد الأدنى من الخدمة وتطويرها وابتداع آليات التمويل المستدام لهذا النوع من الخدمات وذلك بخلق أجهزة مالية لتمويل الخدمة الشاملة.
من خلال ذلك يتضح أن المناضل اليساري اليوم، مطالب أكثر من أي وقت مضى بتعميق تفكيره والحفاظ على يقظته وانتباهه للحفاظ على موقعه إلى جانب الطبقات المستضعفة والفقيرة والمهمشة إلى جانب الطبقات المتوسطة التي أصبحت تتكبد بدورها ويلات هذا النظام الاستغلالي المتوحش، كما أنه مطالب بتقديم تصور اقتصادي لفائدة هذه الطبقة والدفاع عنه، أي وصع تصور متكامل لاقتصاد تضامني اجتماعي بتشجيع أساليب الإنتاج التعاوني لفائدة صغار الملاك والفلاحين والمهنيين وأرباب الحرف والصناعات التقليدية، وتشجيع أسواق بديلة لفائدة المنتوج التعاوني
التشخيص الملموس للواقع وإعداد رؤية مستقبلية قابلة للتحقق
حول الأصول التاريخية لدور يساري اليوم والسبل الممكنة لتحقيق قطيعة بينهم وبين اليسار الكلاسيكي يستدعي إعادة البحت في الجدور التاريخية لليسار سنة 1789 حينما كان النواب الفرنسيون المعارضون لنظام الملكية المطلقة في فرنسا يختارون الجلوس يسار رئيس الجمعية الوطنية؛ وهو اليسار الذي ابتع شعار الصورة الفرنسية حرية إخاء ومساواة وتمكن فيما بعد من تعميق مبدأي العلمانية وحماية البيئة.
قبل المرجعية اللينينة لهذا اليسار لايمكن لنا أن ننسى المقولة التاريخية لجون جوريس بأن ظهور الاشتراكية يكاد يكون ذاك الوحي الديني الكبير الذي جاء لانقاد هذه الطبقات L’avènement du Socialisme” sera comme une grande révélation religieuse”.
ورغم اتفاق أحزاب اليسار حول الهدف الكبير أي: الاشتراكية كشاطئ نجاة للطبقة العاملة فإن أسلوب الانتقال إليها بقي محل اختلاف كبير، حيث اعتبر البعض أن وسائل هذا الانتقال هو ثورة الطبقات المسحوقة وفرض نظام اشتراكي أساسه دكتاتورية البروليتاريا. بينما اعتبر فريق آخر أن الديموقراطية والإصلاح المرن للنظام السياسي واحترام الحريات الفردية هي الوسائل الممكنة لتحقيق هذا الانتقال.
هذا الاختلاف سيصل صداه إلى مؤتمر الطبقة العمالية المنعقد بمدينة تور الفرنسية سنة 1920 حيث سينقسم اليسار إلى اتجاهين:
يسار ثوري منجدب بما حققته الثورة الروسية يتبنى الماركسية اللينينية كمنهجية للتغيير ويسار فرنسي ديموقراطي يواصل صموده ونضاله الديموقراطي إلى أن وصل إلى السلطة سنة 1981، وبعد أن أصبح التوجهان معا وجها لوجه أمام انهيار جدار برلين وفشل النموذج الاشتراكي السوفياتي وانعكاساته على فشل التجربة الاشتراكية الديموقراطية الفرنسية كذلك.
اليوم أصبح اليسار في مرحلة قطيعة وإعادة بناء وتحديات جديدة لمناهضة الرأسمالية والعولمة واقتصاد السوق دون أن يتمكن من تقديم بديل أو تصور عن نموذج الدولة الاشتراكية البديلة التي قد تشكل تصحيحا واستمرارية لنموذج الدولة الاشتراكية التي بلورها اليسار عبر قرن من الزمان والقائمة على مفهوم ديكتاتورية البروليتاريا وتأميم وسائل الانتاج
القطيعة لا تعني الانخراط في إنجاز إصلاحات اقتصادية متسارعة نحو التحرير وضد سياسة التأميم مقابل ضمان بقاء الحزب اليساري وإعادة رسم هدفه كهيئة سياسية تشتغل لتخفيف حدة الاحتدام والتوتر بين الطبقات وتحقيق مصال ضيقة لنخبها.
أم أن الأحزاب اليسارية مازالت قلاعا مستقلة للمناظرة والتأطير لضمان الاستمرارية وإعادة التفكير في الحلول البديلة والتفاعل مع المواطنين لإيجاد هذه الحلول والعمل الجماهيري مع الناس لحمايه من التوجيهات الرأسمالية المتوحشة.
القطيعة التي لابد من تحقيقها ليساريي اليوم:
أمام التطورات المتسارعة التي عرفها العالم يمكن لنا أن نتساءل نفس الأسئلة التي طرحها “(جان جوريس) قبل مائة عام : كيف لنا أن نحافظ على حماسنا وتأهبنا لمواجهة الويلات العظيمة القادمة أي المجاعة والأمراض ، والحروب، و البطالة وانعدام الأمن الوظيفي، وضعف القدرة الشرائية، والأصولية الدينية والإرهاب وانعدام الأمن والهجرة والعولمة والتلوث ، كيف لنا أن ننظر إلى هذه القضايا الجديدة ونقترح حلولا لها في إطار الدولة الاشتراكية المأمولة ؟
وهي نفس الأسئلة التي قدم لها النظام الرأسمالي كإطار إنتاجي يفرض نفسه وكعدو مناور للطبقات العاملة، أعطى أجوبة براغماتية وملموسة لتحسين الظروف المعيشية في الجزء الشمالي من العالم ، رغم الركود أو التراجع الذي تعرفه بلدان الجنوب .
أجوبة كرست عالما لامتكافئا محمولا بحالات مهولة من البؤس الاجتماعي وتزايد الطبقات المحرومة من الحاجيات الأساسية ومن حق الولوج إلى الخدمات التي يقدمها السوق وخصوصا تلك الخدمات التي تتسم بجودة عالية
القطيعة التي يحتاجها اليسار في هذه المرحلة التاريخية هي تجديد مشروعه المجتمعي بشكل ينهل من الزاد النظري المهم الذي تركه كارل ماركس وانجلز وجان جوريس ولينين وماو و استحضار التاريخ والمبادئ المشتركة الرامية إلى تحرير الإنسان من الاستغلال الناجم عن غياب المساواة الاجتماعية التي تعمل الطبقة المستغلة على تكريسها بواسطة السيطرة والعنف والتمييز الاجتماعي بسبب الجنس أو اللون والتمييز الاجتماعي بسبب عدم امتلاك القدرة المالية أوبسبب إعاقة بدنية.
من هنا فإن المشروع اليساري اليوم محوره هو الإنسان وتحرير هذا الإنسان من كل أشكال الاستغلال أو التمييز.
كذلك، الوفاء للقيم اليسارية التي تجعل من اليساريين قدوة تربوية للآخرين ومثقفا عضويا حذرا ومندمجا مع قضاياه المعاصرة لتحيين معلوماته وثمثلاتة للعالم المحيط به ،.
ومن هنا فإن وعي المثقف العضوي بهموم طبقته يعني مشاركته وحضوره الدائم في حلقات النقاش المجتمعية وتقديم انتقاداته المؤسسة على مرجعيات علمية غير أن ذلك لا يعني استقلالية هذا المناضل عن التنظيم بسبب امتلاكه للأدوات العلمية التي هي أدوات مستقلة بطبيعتها عن السياسي ولكنها تعني الالتزام التنظيمي في إطار الدفاع عن الأفكار التقدمية التي تهدف إلى تحرير الإنسان من آفة الاستغلال.
تبني الواقعية في التحليل والاستفادة من الأخطاء التاريخية التي وقعت فيها اشتراكية التأميم بسبب استبعاد المعالجة الديموقراطية للمشاكل المطروحة تتطلب إيجاد أجوبة كافية لإشكاليات التحرير الاقتصادي والعولمة وهي أجوبة تجعل من هذين الخيارين أكثر عدالة اجتماعية (lire :
Vers un nouveau capitalisme par Muhammad Yunus prix Nobel de la Paix).
كذلك فإن التفكير في الأفق الاشتراكي من منظور عالمي يأخد بعين الاعتبار التطورات التي تعرفها بلدان أخرى في أمريكا اللاتينية وفي بعض البلدان الإفريقية والتفكير في هذا الأفق للإنسانية جمعاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى