وجهة نظر

توظيف الرياضة في السياسة ومتلازمة العريان والخاتم  الحلقة الأولى ذ. عبد الواحد حمزة

  لما اجتمعنا بمقر شارع القاهرة قصد التهييء لتحديد موضوع ندوة اليوم، كان ذلك وعيا منا براهنية السؤال، أولا، و بالإشكالية المركبة الحارقة التي يطرحها علينا، كمسؤولين سياسيين، ثانيا، أكان إزاء الفرد أو المجتمع أو الدولة-المخزن..، في الحاضر والمستقبل، وذلك لحلحلة “لعبة الإلهاء الرياضية و التخلف التنموي” والترهل السياسي، في بلادنا.

وهي العملية المركبة التي تعمل على تصريف الطاقة النضالية الشعبية في اتجاه الملاعب، عوض الضغط على النظام لإحقاق الحقوق بأشملها، و ذلك وعيا منا وإنطلاقا من فرضية أن “الرياضة سياسة”، “أداة حكم”، “صمام أمان” لتفريغ الطاقة/ الليبيدو والبركان والنفير في قنوات آمنة للسلطة، و فوق كل ذلك، الدفع للاستشعار بالفخر والامتياز الوطني، وأن الحكام- حكام البلد- انتصروا لوظيفة خفية وصامتة من أجل السيطرة الناعمة على الوعي الجماعي للمواطنين/ات.

ولأن التداول بيننا استقر على موضوع توتر وتقاطع الرياضة والسياسة، نموذج كأس إفريقيا، وتحت شعار من التنافس الرياضي إلى رهانات العيش المشترك والتلاقي الإنساني، لمساءلة تداخل الرياضي والسياسي والأمني، ولتفكيك الظاهرة ومساءلة خلفيات الصراع البنيوي او المفتعل، و الإنتصار المبدئي للفضاء الرياضي الإفريقي والوطني الجامع والرافع لقيم الإنسانية والوحدة الوطنية-الإفريقية.

كان لابد لنقاش غني، حاد و رفاقي محترم لأبجديات الحوار أن يثير تباين الرؤى في الموضوع، وغناها، فكان من اللائق والديموقراطي أن أقدم أمامكم -اليوم- وجهة نظري النقدية في التيمة المطروحة، تفاعلا مخلصا مع محور مختار، ألا وهو الرياضة والتوظيف السياسي في المغرب (أنظر ورقة الندوة التاطيرية نشرت على الفايس بتاريخ 11 نوفمبر 2026).  وإذا كان من المجدي أن يتساءل المرء هل يمكن فصل الرياضة عن السياسة، فلعله من الأحرى التساؤل ايضا عن لماذا يتم فصل بعضهما البعض، ولماذا يظهر ان كذلك، أو لماذا يتم ربط بعضهما البعض، ولماذا يجب أو لا يجب ذلك، …!؟

الحضور الكريم!

لقد إهتدى الحكام، عبر العالم، وأغلظهم الطغاة، إلى ضرورة تشتيت انتباه الناس- المواطنين/ات عن القضايا التي تهمهم، وهي بالعشرات والالاف في “البلدان النامية- قهرا”، خاصة أوقات المنعطفات والإنتقالات و الأزمات الحادة، والتستر عن فشل التنفيذ الحكومي في القيام بالمهام الأساسية، وبالأحرى التكميلية، لرفاه المواطنين/ات المستحق، بخلق -عوض ذلك- بدائل رمزية عن الإنجاز الحاصل او المؤقت- المؤجل، ولإشعارهم بالفخر، عن حق أو بدونه، دون تغيير أوضاعهم الفعلية!

 يلزم الناس- العوام فقدان الذاكرة حتى لا يتنبهوا إلى مليارات قد ينقص صرفها النجاعة والعدالة، وقد تضيع المديونية والخصخصة دون حساب مردودية اقتصادية اجتماعية أكيدة في تظاهرات تبهر المواطن قبل البراني و”الخصوم” و”الأعداء”…!!

هكذا وعلى مستوى التشريع، مثلا، وفي غفلة وتصفيق وهتاف من الجمهور العريض، صادق البرلمان المغربي طوال فترة كأس إفريقيا على قوانين كثيرة مهمة وحاسمة، كذاك المتعلق بالتأمين الإجباري الأساسي عن المرض، وآخر متعلق بمدونة التجارة، وآخر متعلق بتعويض المصابين في حوادث السير لعربات برية، واخر متعلق بالمسطرة المدنية، وآخر -وليس أخيرا- متعلق بالمحكمة الدستورية (…..)! دون أن تكون مشاريع القوانين والمصادقة عليها فرصة حقيقية للنقاش العمومي المثمر وإذكاء للوعي لدى العموم!

 يتضح أن السياسة لا تموت، وبالرغم من ضعف الأحزاب المغربية، “إدارية” أو غيرها، فهي ماتزال تشرع وتشرعن، إذ تنتج القوانين وتنتج النخب وتدبر السياسات العمومية، وليس الشبكات الإجتماعية ولا حتى المجتمع المدني من يتجشم تلك المهمة- الوظيفة، وبالرغم من “ضغط السياق المحلي العام ( تضخم الإدارة الترابية، تطور الدولة الوطنية وثقل الترسانة القانونية” (طوزي محمد ، 2025).

والحقيقة أنه ليس هناك من حل أمثل ومستدام للاستقرار السياسي المزعوم أنجع من ما أصبح يعرف -اليوم- ب”الدولة المغربية القوية”، والتي تهيمن عليها -في بلدنا- الكثير من ملامح “الدولة الأمنية” و”الفرعنة”. أما وجوب استمرار ومعاودة إنتاج السلطة القائمة، فلا ولن يجد بدا من إستلهام “قوى النعومة” والتنويم، ولا أكثر وأنجح في هذا الباب من توظيف الإلهاء واللعب على أوتار ثنائية الخبز والسرك، الخمر والجنس والتشهير- كما هو عندنا اليوم-، وذلك كان تقريبا منذ القرن الأول الميلادي بروما، وإلى اليوم، ورغم تطور الأشكال والدرجات والأساليب والأنظمة.

لقد فهم الأباطرة والطغاة -عموما- أن الشعب الجائع قد يغضب ويثور، وأنه إذا شبع قد يفكر -لا محالة- في مساءلة ومراقبة الحكام والمطالبة بالحقوق، فما البال لما يكون جائعا وعطشا وعاريا، ويستفيق من نومه، هل يكفي “اللهو الطفولي” والإدمان عليه لاستحماره، باستمرار وتيسير السيطرة عليه، وإقبار حركيته وخياله وأحلامه في سجون فعلية، مادية ومعنوية- ذهنية، وإلى متى وكيف…. !؟

لقد أصبح الشكل اليوم الذي يتم حكم الناس به هو التكنولوجيا. وهو الذي يفسر الصراع العالمي لاحتكارها وإبعاد العالمين من التحكم في ناصيتها، أكان بين الغرب وشرق آسيا- الصين والروس وإيران….، أو بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا/ المتأخرة في هذا المجال….، إذ لم يسبق أن حصل هذا التطور العلمي والتقني في العالم، ليخلق هذه الهوة السحيقة بين المعرفة التي يتحصل عليها العموم من الناس، من جهة، والمعرفة الرفيعة التي يتمكن منها من يحكموننا، من جهة أخرى، أكثر مما حصل في الخمسين سنة الأخيرة..!

لقد عبؤوا لأجل ذلك الذكاء الاصطناعي و “الداتا” لجمع وتخزين وتحليل المعطيات الضخمة، أكان حول الإنتخابات أو حول حاجيات ورغبات المواطنين- المستهلكين، أو حتى أسلوب معيشتهم وسفرهم ونومهم….! وأصبحوا يعرفون عنا أكثر مما نعرف نحن عن أنفسنا…ولا يهنئ للحكام بال إلا إذا اتسع الفارق بينهم/ طبقاتهم وبين المحكومين، وعلى جميع الأصعدة، وخاصة المعرفية التعليمية الثقافية و التقنية العلمية، وأن يحاصر كل مرة أي ميل عام لتوسع/ دمقرطة التكنولوجيا، و ذلك حتى لا يسمح للطبقات الشعبية بالاطلاع ولا معرفة ثقافة وسلوكات النخب والطبقات العليا المختلفة الحاكمة ولا قراءة طالعها الغريب وفك وفهم طلاسيم- مفاهيم – إحصائيات – تقارير مؤسساتها، الوطنية أو الدولية، كمؤسسات الهيأة العليا للتخطيط أو البرلمان والحكومة والقضاء، وكذا البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وغيرهما..، مثلا!

لقد عرف النظام -على الدوام- كيف يعمل على تفقير التعليم والتكوين وخصخصته ونخبويته، بجعل  الكثير من أبناء الفقراء يفضلون القدم على القلم، والشعب عموما يتخلى بالتدريج عن مسؤوليته السياسية وعن الحق في المشاركة في الحكم، مذكرا- إيانا- بتداعيات “ساندروم الضفدع”، حيث المخزن يكيف ( بكسر الياء) ولا يكيف (بنصب الياء)، حسب قول الفقيد الجامعي خليد، ..وبالميل ك”عباد الشمس”، بالنسبة للنخبة المتمخزنة…. والسلطة نفسها تعرف جيدا أن لا خير في ود إمرئ متملق إذا الريح مالت مال حيث تميل.. كما يقول الشاعر!، فتلعب به كما يلعب القط بالفأر، جيئة وذهابا، قبل مأكله المستساغ  !

كان مفهوما أن يتطلب التنازل -ذاك- عن هذه الحقوق المشروعة- مقابل- مقايضة “ما”، كتوزيع الحبوب بالمجان، مثلا – على عهد نيرون روما، أو توزيع قفف رمضان الذليل، كما هو عندنا، ولغرض التوظيف في الإنتخابات أو كطابور خامس يوظف عند الحاجة (الشباب الملكي، أصحاب السوابق، البلطجية…)، لكن أن لا تقوى موضة دولة الرعاية الإجتماعية -اليوم- القيام بوظيفتها العادية إزاء المواطنين، مع تآكل وتردي دورها التقليدي -وحتى التنموي الجديد- في معاودة إنتاج الحياة البسيطة والعيش الكريم ( الامن، الدفاع، العدالة الإجتماعية، بل والتنمية والرفاه الإجتماعي…)، فلعمري هو هو ما سيجعل صعبا كسب ولاء الشعب للحكام ويضعه في مهب الرياح و صندوق بارود الإنزلاقات والتمردات المتكررة، ليعيش مغبات الفيضانات والزلازل، كأقدار طبيعية و منزلة وميتافيزيقية، لا تستدعي حكامة جيدة للمدن وتحديد دستوري للمسؤوليات، أو أمام مطلب التغيير الواعي الملح المنشود، الإصلاح والثورة/ التحول الجذري.

فإذا إستثنينا الفجائية- الواردة دائما في العلوم الإجتماعية- وسيناريو الإنهيار العربي/ implosion والإضطراب العربيArab simmer (أنظر التقرير الإستراتيجي 2024/ مجلة العلوم الإجتماعية/ المغرب)، فلا يبدو إن السيناريوهات المحتملة في أفق “تطور” المغرب تذهب في إتجاه “البروز” ، بالنظر لما حققته بلادنا من بنية تحتية رياضية وتنظيم محكم للألعاب- كـأس إفريقيا نموذجا-، بالمعنى الذي عرفته بلدان النمور، اللهم إذا أردنا أن نلمع أنفسنا وبدون موجب علمي حق، لكنه يبقى هناك تحسن في قطاعات محددة، كالفلاحة والسياحة بكل روافدها والصناعة التصديرية، بحيث إستشرف بعض الخبراء تحولا إيجابيا بعد 5 سنوات من الثورات، توازيا مع تعافي الإقتصاد العالمي وتحقيق نمو إقتصادي مستدام ( البنك الدولي…).

لكن الملاحظ -الآن وهنا- ان القطاعات التي يتطور فيها المغرب بما فيها الرياضة وكرة القدم بالذات، تبقى غير مدمجة على مستوى واسع، تابعة للخارج في أغلب كوادرها وإطاراتها، محتكرة من طرف الدولة والعائلات من أصحاب النفود والقرب، في صفقات الإستثمار، خصوصا، إذ يتطلب البزوغ الحقيقي والطفرات النوعية-عادة- نموا يفوق 7 % لحقبة طويلة نسبيا، عشر سنوات، مثلا، ومكانة خاصة ومميزة للقطاع الخاص المنتج والمنافس والحر. والحال أن متوسط نمو بلدنا يتراوح ما بين 1,3 % إلى  4,6% من 2021 إلى نهاية 2025 (حسب تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي). فهو ليس حتما الركود الإقتصادي statuquo، لكنه يميل إلى بروز طفرات وإصلاحات متوسطة réformettes لا تصل حد التغيير الجذري، بمعناه الديموقراطي ( ساعف ع. الله/ 2026).

 

– ذ. عبد الواحد حمزة

عضو مركز بنسعيد آيت إيدر للأبحاث والدراسات /عضو المجلس الوطني للاشتراكي الموحد رئيس الجمعية المغربية للتنوير/ كاتب عام للحزب الاشتراكي الموحد

تمارة في 14 نوفمبر 2026

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى