افتتاحية
لماذا تعثّرت مراكز الدراسات الحزبية في المغرب؟-مبادرة الخطوة الحرة

الحنبلي عزيز -متابعة
في سياق دولي يتّسم بتزايد الاستقطاب وتراجع قنوات الوساطة التقليدية، لم تعد مكانة الدول تُقاس فقط بقدرتها على فرض النفوذ، بل بقدرتها على إدارة التوترات وبناء مسارات مرنة لتسوية النزاعات. وفي هذا الإطار، راكم المغرب رصيدًا سياسيًا ودبلوماسيًا يؤهله للاضطلاع بأدوار متقدمة في الوساطة وبناء الثقة، اعتمادًا على تقاليد الدبلوماسية الهادئة وتجنّب الاصطفافات الحادّة.
غير أنّ هذا الرصيد يظلّ قابلًا للاستهلاك الظرفي إن لم يُدعَم ببيئة معرفية قادرة على تحويله إلى قوة مستدامة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراكز تفكير فعّالة تسهم في تجديد النخب، ورفع جودة النقاش العمومي، وتطوير الأداء الحزبي.
وقد التقط جلالة الملك هذه المعادلة حين دعا سنة 2018 إلى تخصيص دعم إضافي للأحزاب من أجل إنشاء مراكز تفكير تُسهم في ترشيد النقاش وتأهيل الكفاءات. إلا أنّ التجربة، كما تكشف نتائجها وما أثاره المجلس الأعلى للحسابات من ملاحظات، لم ترقَ إلى مستوى الانتظارات.
كان من المفترض أن تكون مراكز الدراسات الحزبية حلقة وصل بين المعرفة الأكاديمية والممارسة السياسية، وأن تتحول إلى فضاءات لإنتاج الأفكار وصياغة البدائل وتكوين القيادات. لكن الواقع أبان عن تعثّر واضح؛ إذ غالبًا ما انحصرت هذه المراكز في أدوار تقنية ومناسباتية محدودة الأثر بدل أن تصبح رافعة فكرية مؤثرة داخل الأحزاب وخارجها.
مكامن الخلل كما خلصت إليها مبادرة الخطوة الحرة
1) غياب رؤية واضحة داخل الأحزاب
لم تتعامل أغلب الأحزاب مع هذه المراكز باعتبارها بنى تفكير استراتيجية شبه مستقلة، بل أُدرجت ضمن منطق التدبير اليومي. فغابت الأسئلة المؤسسة: ما الأولويات البحثية؟ ما أفق الإنتاج المعرفي؟ وكيف يُدمج في صناعة القرار الحزبي؟ والنتيجة أنّ كثيرًا من المراكز وُلدت بلا برنامج بحثي، وخضعت منذ البداية لضغط تبرير صرف الدعم بدل بناء معرفة تراكمية.
2) تحويل الدعم العمومي من استثمار معرفي إلى مجرّد “صرف”
في حالات عديدة، استُقبل الدعم كموارد مالية إضافية لا كمشروع طويل النفس. فبدل بناء فرق بحث مستقرة وسياسات تكوين وتأهيل، طغت أنشطة ظرفية هدفها الأساسي إثبات الصرف: لقاءات معزولة، منشورات ضعيفة التداول، دون أثر مؤسساتي مستدام.
3) هشاشة الاستقلالية العلمية وخضوعها لحسابات التنظيم
واجهت المراكز ضعفًا في استقلاليتها، سواء في اختيار المواضيع أو انتقاء الباحثين أو نشر النتائج. وفي كثير من الأحيان خضعت لتوازنات داخلية أو لحسابات القيادة، ما جعلها تميل إلى تبرير اختيارات جاهزة بدل إنتاج معرفة نقدية. ولا يمكن لبنية بحثية أن تُنتج قيمة دون هامش يسمح بالمراجعة وطرح الأسئلة الصعبة.
4) ضعف الإنتاج المنتظم القابل للتداول والتأثير
ظل الإنتاج محدودًا كمًّا وكيفًا، باهت الحضور في النقاش العمومي ودوائر القرار. وغابت الدراسات المرجعية وأوراق السياسات والتقارير التحليلية القابلة للتوظيف البرلماني أو الحكومي. كما أنّ أغلب الأعمال جاءت متفرقة دون تراكم أو تقييم أو تحيين، بما عطّل قدرتها على التأثير في البرامج الحزبية والرأي العام.
5) العجز عن الانتقال من “الحزب الانتخابي” إلى “الحزب المنتج للأفكار”
يكشف تعثّر هذه المراكز عن أزمة أعمق في طبيعة الفعل الحزبي: هيمنة الزمن الانتخابي القصير والاشتغال بمنطق التعبئة الظرفية. وفي هذا السياق، يُنظر إلى البحث الاستراتيجي باعتباره كلفة غير عاجلة، لا أداة ضرورية لبناء الثقة وتجديد المشروع الحزبي.
التقويم والمحاسبة: الحاجة إلى أدوات أكثر ملاءمة
قام المجلس الأعلى للحسابات بدوره الرقابي في تتبّع صرف المال العام، غير أنّ المقاربة التقويمية المعتمدة بدت في جوانب منها بحاجة إلى أدوات مكملة. فقد غلب التقييم الكمي (عدد الندوات، عدد الصفحات، احترام المساطر)، بينما المشاريع الفكرية بطبيعتها بطيئة الأثر ومركّبة، ولا تُقاس جدواها بمؤشرات عددية فقط، بل بمدى الاستعمال والتأثير وتغيير السياسات والخطاب العام.
خلاصة الإشكال البنيوي
يمكن تلخيص جوهر التعثّر في عدم الانسجام بين ثلاث آليات:
-
رؤية استراتيجية للدولة (الرؤية الملكية)،
-
ممارسة حزبية محكومة بالزمن الانتخابي (المنطق الآني)،
-
رقابة مالية بأدوات كمية (المنطق المحاسبي).
هذا التفاوت أخلّ بتوازن المشروع بين الرؤية والتنفيذ والتقويم.
دروس من تجارب دولية
في الديمقراطيات الراسخة، تعدّ مراكز التفكير الحزبية أداة لتحويل السياسة إلى فعل عقلاني قائم على المعرفة والاستشراف.
-
ألمانيا: الاستقلالية قبل الولاء
نماذج مثل Konrad Adenauer Stiftung وFriedrich Ebert Stiftung قريبة من الأحزاب لكنها تتمتع باستقلالية عالية علميًا وماليًا وتدبيريًا، وبمجالس علمية قوية وبرامج طويلة الأمد وانفتاح على الجامعات والخبراء. -
الولايات المتحدة: التأثير بدل التبرير
مراكز مثل Brookings وHeritage تؤثر في السياسات العمومية عبر دراسات قابلة للتداول لدى الرأي العام وصناع القرار، وتُقاس قيمتها بمدى تأثيرها لا بعدد الأنشطة.
وتتقاطع التجارب الناجحة في أربع سمات: وضوح الرؤية، استقلالية التسيير، تقويم الأثر، والاستثمار الطويل في الباحثين.
نحو إحياء المشروع: ما المطلوب؟
إعادة الاعتبار لمراكز الدراسات لا يمرّ عبر ضخ موارد جديدة فقط، بل عبر رؤية جديدة، من أبرز مرتكزاتها:
-
اعتبار المراكز فضاءات نقد داخلي لتحسين الأداء لا أدوات تزكية؛
-
ضمان استقلالية علمية وتدبيرية ومالية كافية؛
-
الفصل بين الرقابة المالية والتقويم الفكري؛
-
اعتماد مؤشرات نوعية: الأثر، الاستعمال، التأثير في التشريع والبرامج والنقاش العمومي؛
-
إحداث آلية تقويم نوعي تشاركي تضم أكاديميين وخبراء سياسات وتقييم استراتيجي؛
-
حماية المشروع بأشكال قانونية مناسبة؛
-
تشجيع الشراكات مع الجامعات ومراكز البحث؛
-
إعادة تحديد المهام بنص تنظيمي جديد والتنصيص على الاستقلالية الوظيفية؛
-
ربط الدعم بمؤشرات أثر نوعي بدل الاكتفاء بالمؤشرات العددية.




