الحنبلي عزيز -متابعة
دخلت سوق النفط، مع نهاية تعاملات السبت 28 فبراير 2026، مرحلة جديدة من إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية بعد الضربات الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهي تطورات رفعت فوراً احتمالات تعطل الإمدادات من واحدة من أهم مناطق إنتاج وتصدير الطاقة في العالم. ومن منظور الأسواق، لا تكمن الخطورة فقط في حجم الهجوم، بل في انتقال التوتر من خانة التهديد السياسي إلى احتمال المساس الفعلي بالبنية التحتية النفطية والممرات البحرية التي يعتمد عليها جزء كبير من التجارة العالمية للطاقة.
وتستند حساسية السوق إلى وزن إيران داخل المعادلة النفطية. فبحسب رويترز، تنتج إيران نحو 3.3 مليون برميل يومياً من الخام، إلى جانب نحو 1.3 مليون برميل يومياً من السوائل الأخرى، بما يجعلها مورداً مؤثراً في التوازن العالمي، ولا سيما في سوق آسيوية شديدة الاعتماد على خامات الشرق الأوسط. كما تتركز أغلب طاقتها الإنتاجية في خوزستان، بينما تمر نحو 90% من صادراتها النفطية عبر جزيرة خارغ، ما يعني أن أي تهديد لهذه العقدة اللوجستية ينعكس فوراً على تقييمات المخاطر في السوق.
غير أن التأثير الإيراني يتجاوز حجم الإنتاج نفسه إلى الجغرافيا الاستراتيجية. فإيران تقع على أحد جانبي مضيق هرمز، وهو عنق زجاجة حاسم لأسواق الطاقة، إذ يمر عبره أكثر من 20 مليون برميل يومياً من الخام والمكثفات والوقود، أي ما يعادل نحو خُمس الاستهلاك النفطي العالمي. ولهذا، فإن السوق لا تسعّر فقط خطر تراجع الصادرات الإيرانية، بل أيضاً احتمال اضطراب تدفقات السعودية والإمارات والكويت والعراق وقطر إذا اتسع نطاق المواجهة أو تعرضت الملاحة في المضيق للاهتزاز.
في هذا السياق، تبدو علاوة المخاطر مرشحة للارتفاع مع افتتاح التداولات الأسبوعية. فقد أغلق خام برنت عند 72.48 دولاراً للبرميل يوم الجمعة، بعد مكاسب أسبوعية مدفوعة بالتوترات، بينما أشارت باركليز إلى أن الأسعار قد تتحرك نحو 80 دولاراً للبرميل إذا تحولت الأزمة إلى تعطل ملموس في الإمدادات. لكن البنك نفسه يلفت إلى أن رد الفعل السعري قد يبقى محدوداً زمنياً إذا لم تُترجم المخاطر العسكرية إلى خسارة فعلية في المعروض، وهي نقطة جوهرية في قراءة السوق خلال الأيام المقبلة.
ومن زاوية التوازنات السوقية، لا تتحرك الأسعار في فراغ. فقبل هذا التصعيد، كانت السوق العالمية تميل إلى التركيز على وفرة المعروض واحتمالات الفائض خلال 2026. ولهذا السبب، فإن القفزة السعرية الحالية قد تُقرأ بوصفها إعادة تسعير لمخاطر قصيرة إلى متوسطة الأجل أكثر من كونها تحولاً هيكلياً دائماً في اتجاه الأسعار. هذا يفسر أيضاً تحرك بعض المنتجين الخليجيين مبكراً، إذ أفادت رويترز بأن السعودية والإمارات بدأتا زيادة الصادرات النفطية احتياطياً تحسباً لأي اضطراب أوسع، فيما يدرس تحالف أوبك+ احتمال إقرار زيادة إنتاج أكبر من المتوقع في اجتماعه المرتقب.
أما السيناريوهات الأكثر تأثيراً، فتتمثل في ثلاثة مسارات رئيسية: أولاً، بقاء الضربات ضمن الإطار العسكري من دون استهداف مباشر ومستدام لمنشآت النفط أو تعطيل الملاحة، وهو ما قد يدفع الأسعار إلى ارتفاع سريع لكن محدود. ثانياً، تعرض مرافق التصدير الإيرانية أو شبكة الشحن التابعة لها لضرر فعلي، ما قد يضغط على صادرات الخام ويشدد السوق الآسيوية. ثالثاً، وهو الأخطر، أن تمتد المواجهة إلى مضيق هرمز نفسه، وعندها لن تكون القضية مرتبطة بإيران وحدها، بل بأمن الطاقة العالمي ككل. في هذا السيناريو، تنتقل الأسعار من منطق التذبذب إلى منطق الصدمة.
وفي المحصلة، تبدو السوق الآن أمام معادلة دقيقة: الأسعار مرشحة للصعود فوراً، لكن استدامة هذا الصعود ستعتمد على حجم الضرر المادي الذي يصيب الإمدادات الفعلية. فإذا بقيت البنية النفطية الأساسية في مأمن، فقد تتراجع المكاسب تدريجياً كما حدث في موجات سابقة من التوتر. أما إذا تحولت المواجهة إلى استنزاف لمنشآت التصدير أو لسلامة الملاحة في هرمز، فإن النفط قد يدخل مرحلة أعلى كلفة وأكثر تقلباً، مع ما يحمله ذلك من انعكاسات على التضخم العالمي، وأسعار الشحن، وكلفة الطاقة لدى الاقتصادات المستوردة.
زر الذهاب إلى الأعلى