ثقافة و فن

الإبستمولوجيا المعاصرة وحدود مفهوم البراديغم-المصطفى عبدون

  إذا ما نظرنا إلى الإبستمولوجيا انطلاقا من منظور توماس كوهن، فإنَّنا سنجده يقع ضمن مجموعة من فلاسفة تاريخ العلم الذين سيشكلون تيار التمرد الواسع ضد الوضعية. يستهل “توماس كوهن” كتابه “بنية الثورات العلمية” بالكشف عن عيوب النظرة التراكمية لتاريخ العلم وإعطاء أهمية كبرى لشروط وظروف المجتمع العلمي الذي ينتج تلك النظريات، ذلك أن أي فريق علمي لا بد له أن ينطلق من طاقم من الأفكار والمعتقدات. فالعمل التجريبي على عكس ما رأته الوضعية المنطقية، لا يبدأ قبل أن يقتنع أعضاء الفريق العلمي على أنهم يملكون بالفعل إجابات صلبة عن أسئلة جوهرية من قبيل: ما هي الكائنات التي يتكون منها العالم أو الكون؟ كيف تتفاعل فيما بينها وكيف تؤثر على الحواس؟ ما طبيعة الأسئلة التي نستطيع طرحها؟ وما هي التقنيات التي ستستعملها للبحث؟

كل الأجوبة التي ستحملها أسئلة من هذا القبيل، تشكل قاسما مشتركا بين كل أعضاء الفريق العلمي الذين يسهرون بدورهم على استمرارها عبر تلقين مبادئها للوافدين الجدد وحثهم على الالتزام بها، ولأن هذا التلقين يتميز بالثقة والصلابة، فإنه يؤثر بشكل كبير على العقل العلمي لهؤلاء الوافدين الجدد، لذلك يميز كوهن في تاريخ نمو العلم بين مرحلتين أساسيتين: “مرحلة الاستقرار التي تطبع الفريق العلمي، والتي يتوسع فيها مجال النظرية وتطبيقاتها، وهي المرحلة التي يسميها كوهن بالعلم السوي، حيث تشكل الجماعة العلمية براديغما متماسكا وفعالا في حل المشكلات التي تقدمها الطبيعة، ثم مرحلة الأزمة، حيث يبرز قصور آليات البراديغم في التعامل مع بعض الشذوذات التي قد تصادف النظرية أثناء انفتاحها على الطبيعة، وهي مرحلة تختتم بثورة تكون إعلانا عن ميلاد علم سوي جديد وبراديغم أكثر فاعلية ونجاعة، ثورة بالطبع لا يمكن أن تكتمل على يد رجل واحد أو في يوم واحد بل تتعدد عناصرها وتمتد.”(الشاوي، 2019، https://www.mominoun.com/articles)

1)الإبستمولوجيا المعاصرة والبراديغم

إن تصور”توماس كوهن”لتطور العلوم، وإن اقترب مما ذهب إليه “كارل بوبر” حول مفهوم الثورة العلمية، إلا أنَّه لم يذهب إلى حد القول: “إنَّ العلم ثورة دائمة، بل هناك فترات ثبات واستقرار تفصل بين هذه الثورات، وإن ذهب إلى أنَّ تاريخ تطور المعرفة العلمية تاريخ إضافات تراكمية متصلة إلا أنَّه ليس من أتباع تيار التراكمية في التطور العلمي،”(شوقي، 1997، ص52) فقد رفض القول: “إنَّ العلم يتطور عن طريق تأييد النظرية كما هو عند “كارناب”، ورفض بالمثل تطور العلم عن طريق تكذيب النظرية كما جاء به بوبر”،(أورده، عبد الله، 2009،http://www.anfasse.org/portail/index.php/) وإن كان هناك تقارب بينه وبين “لاكاتوش” في العديد من النقاط من حيث “أنَّ تصوراتهما الفلسفية يجب أن تكون صادرة عن نقد مبني على تاريخ العلوم، إلا أنَّ وجهة نظره سابقة على منهجية “لاكاتوش” في مناهج البحث بالإضافة إلى الأهمية التي يمنحها “توماس كوهن” للعوامل ذات الطابع السوسيولوجي”(طريف الخولي، 2014، ص128)، التي تلعب دوراً مهماً في عملية التطور العلمي لم نجدها بهذا الشكل وبهذا الوضوح عند كل ممن أتى قبله ولدى المعاصرين له، مما يثبت تفرده في هذه النقطة.

لقد لقيت أفكار “توماس كوهن” رواجاً كبيراً في حينها، فاعتبرت بمثابة حدث ثوري متشعب ذو حدين، تأريخ العلم من جهة وفلسفة العلم من جهة ثانية؛ لم يكن هدفه عرض تحقيب زمني للمراحل التي مرَّ بها العلم، وإنَّما لكشف الآلية التي بموجبها تطورت الأفكار العلمية؛ أي بمعنى أوضح أصبح لِزاماً على مؤرخي العلم وفلاسفته، أن يتحرروا من النظرة السطحية للعلم، وأن يبحثوا في بنيته. من هنا أخذ “توماس كوهن” على عاتقه إحداث ثورة في تاريخ العلم وبشكل خاص في مصطلحات العلم، وفي إنتاجه، وتقديم صورة جديدة للعلم، مختلفة جذرياً عن الصورة التقليدية السابقة والتي تتمحور حول التحول من التحليلات المنطقية وتفسير المعرفة العلمية على أنَّها إنتاج منجز للوصف والتفسير التاريخي والطبيعي إلى الممارسة العلمية المنتجة من قِبل مجتمع الممارسين، “بمعنى أنَّ التحول العلمي يجب أن يكون من الموضوع (المُنتَج) إلى الفعل (المُنتِج)”؛(Marcum, p.87) أي علينا أن ننتقل بوصفنا باحثين في طبيعة التطور العلمي، من درس الإنجازات العلمية التي تم إنجازها إلى الممارسين لهذه الإنجازات، لمعرفة طبيعة هذه الإنجازات وخصائص المنجزين وآليات عملهم بشكل أفضل مما كان الوضع عليه في السابق. من هنا نجده يفتتح كتابه بشن هجوم عنيف على تفسيراتِ فلاسفة العلم ومؤرخيه حول الطبيعة التراكمية للتطور العلمي ولاسيما التجريبية المنطقية.

ينطلق “توماس كوهن” من أنَّ تاريخ العلم إذا تم النظر إليه على أنَّه مستودع لأكثر من حكاية لحدث مثير أو لسلسلة حوادث، فسينتج عن ذلك تحول حاسم في صورة العلم التي تستحوذ علينا الآن، من حيث النظر إلى هذا المستودع على أنَّه على درجة من الأهمية في تاريخ التربية العلمية بشكل خاص؛ إلا أنَّه يضيف إلى هذا التصور للعلم، تصور جديدا منبثقا من السجل التاريخي للنشاط البحثي ذاته، تصور يجمع بين التراكم واللاتراكم، ذلك أنَّنا لو نظرنا إلى تاريخ التطور العلمي على أنَّه تراكمي فقط، فستواجهنا مشكلة طالما أرقت مؤرخي العلم وهي تحديد الأسبقية الزمنية بشأن الكشف العلمي، وعلى يد من بالتحديد، والتي خلقت لهم العديد من الصعوبات، إلا أنَّهم اكتشفوا بوصفهم مؤرخين للعلم، على أنَّه عبارة عن أجزاء تراكمية، وأنَّه من العسير الإجابة عن هذه الأسئلة، واكتشف بعضهم الآخر أنَّه من الخطأ طرح هذه الأسئلة أصلاً،” فالعلم قد لا يتطور عن طريق تراكم اكتشافات واختراعات واحدة بعد الأخرى، هذا بالإضافة إلى أنَّ هناك مسألة أصعب سوف تواجههم والتي تتعلق بفصل الأسطورة عن العلم”(كُوْن، 2007، صص51-53)، وذلك إذا كان التطور العلمي تراكميا فقط كما يزعمون.

“تلك الأسطورة التي نظرت إليها التجريبية المنطقية على أنَّها خطأ أو خرافة، يتم إزاحتها عبر التطور الذي يشهده تاريخ العلم، باعتباره أساساً مسجلاً لعمليات إزاحة تدريجية للخرافة والهوى، وغيره من معوقات التقدم العلمي وتتمثل عمليات الإزاحة في إضافات متزايدة باطراد وتوليف للمعارف لتندرج كل فئة من المعارف العلمية الجديدة في إطار المبحث العلمي الخاص بها.”( كُوْن،1992، ص11) يرى غاستون باشلار “بأنَّ الخطأ أساسي وأولي، و يبقى مسيطراً على العقل البشري ما لم يعمل هذا العقل على إزاحته عن مواقعه واحداً بعد الآخر بجهدٍ وكفاحٍ وصراعٍ لا يتوقف بين الجديد والقديم” (شوقي،1997، ص43)، في حين أنَّنا سنجد بأنَّ هذه الأسطورة التي تم النظر إليها على أنَّها خطأ وخرافة سيتم النظر إليها من قبل “توماس كوهن” بمعنى مختلف تماماً.

لقد تم ترجمت مصطلح العلم القياسي إلى معاني مختلفة كلها تدل على المعنى نفسه مثل العلم العادي والعلم القياسي والعلم التقليدي والعلم السوي، وقد أطلقه كوهن على الفترة التي يسود فيها براديغم ما يسيطر على عقول المجتمع العلمي ويحجب عنه الرؤية بحيث لا يرى سواه ولا يخرج عنه، وقد أثرنا هنا استخدام ترجمة شوقي جلال لصفةnormal بالقياسي لأسباب أوضحها شوقي جلال في هامش الفصل الأول من ترجمته لكتاب توماس كُوْن “بنية الثورات العلمية” وهي أن العلم العادي هو ما ألفه الباحثون وجرت العادة به. إلا أن كلمة “عادي” تعني من بين ما تعني التلقائية والانصراف عن إعمال العقل في مدلول السلوك وظاهره. هذا فضلاً عن أن صفة “عادي” باتت على الألسن تحمل الذهن على التفكير في أن المقابل هو “المتميز”. والعلم التقليدي حيث “التقليد” هو الموروث الذي يتجه إليه الناس ويحاكونه قولاً أو فعلاً من غير حجة أو دليل، ويسير فيه الخلف على نهج السلف زمناً.

إن “العلم القياسي” هو أقرب المعاني لغةً لمقصد المؤلف: نقول قياس الشيء بغيره أو على غيره بمعنى قدره على مثال، ومن ثم تحمل الكلمة معنى المطابقة والمماثلة وتنطوي على وعي وإعمال عقل. والقياس في الفكر (في الفلسفة أو الفقه) حمل فرع على أصل لعلة مشتركة بينهما، وهذا هو أقرب المعاني إلى قصد المؤلف، حيث أنه يسوق عبارة العلم القياسي بمعنى البحث الملتزم بحدود وإطار نموذج إرشادي معترف به بين الباحثين المتخصصين في مجال العلم بذاته، وأي خروج عن هذا الإطار نشوز وشذوذ يفضي تكراره إلى الشعور بالأزمة، أي يكون بداية لأزمة تنتهي بتحول ثوري في هذا الإطار المرسوم. فالعلم هنا يجري قياساً على قواعد وحدود مرسومة مسبقاً ضمن الإطار.

إن التطور الجدلي الذي قسمه “توماس كوهن” إلى ثلاث مراحل متعاقبة، “يبدأ بمرحلة أطلق عليها اسم مرحلة ما قبل البراديغم والتي لا تظهر إلا مرة واحدة في تحقيبه التاريخي للعلم، تعقبها مرحلة العلم القياسي التراكمية” (شوقي،1997، ص304)؛ والتي عرَّفها في الرد على منتقديه، “بأنَّها مجموعة من النظريات المعتمدة كبراديغم لدى مجموعة من الباحثين العلميين في عصر بذاته، علاوة على طرق البحث المميزة لتحديد وحل المشكلات العلمية وأساليب فهم الوقائع التجريبية.”((Brickhouse, 1990, pp.51-62يمثل العلم القياسي برأيه الصورة الأولى التي التمسها للتطور العلمي الذي يتفاوت في سرعة تقدمه، “لكنه دائماً في صراع جدلي بين القديم والجديد، فالعلم من وجهة نظره لا يسير دائماً وفقاً لهذه الصورة التراكمية القياسية، كما أن اكتساب الجديد لا يأتي عن طريق التراكم بل من خلال نوع آخر من المشاريع” (كُوْن، 2007، صص184-185)، أطلق عليه اسم العلم غير التراكمي أو الثوري غير القياسي الذي يظهر مع “بزوغ أو انبثاق نظرية جديدة أو اكتشاف جديد”(كُوْن، 1992، ص22)، تسبقها فترة نزاع بين أعضاء المجتمع العلمي، يسميها توماس كوهن بالأزمات.

وبهذا فإنَّ التطور العلمي عنده يسير بخطى متلاحقة إلى الأمام، فتتراكم معارفه إلى أن تصل إلى الدرجة التي تشرع وقائع جديدة تتطلب إعادة النظر في المعارف القديمة وظهور نظرة جديدة أكثر استجابةً لمتطلبات العصر والمجتمع، بحيث تكون هذه البراديغمات الجديدة نتيجة لامنطقية ولا تجريبية للنظريات السابقة عليها، وهي لاقياسية وحقائقها نسبية، “ومع كل ثورة علمية تكون السيادة لبراديغم له الغلبة في تاريخ العلم الواحد، ويختلف عن البراديغم السابق بشكل جذري ويحل محله على مدى مسار التطور التاريخي للمعرفة العلمية”(كُوْن، 1992، ص12(.

وبذلك يقدم توماس كوهن وجهة نظر جديدة وثورية في التطور العلمي تجمع بين”الاتصال”و”الانفصال” والتي تم النظر إليها على أنَّها أشبه بعملية تنقيحية أكثر منها تراكمية، ذلك أنَّها تؤدي إلى تعديل في النظريات المعمول بها أو استبدالها نتيجة اكتشاف فئة جديدة من البيانات غير المألوفة من قبل باستخدام أدوات جديدة، “فأحيانا تنمو المعرفة العلمية من خلال الثورات، وأحيانا تتطور من خلال التراكم في ظل العلم القياسي” ((Brickhouse, 1990, pp.51-62، إلا أنَّ بحثه في تاريخ العلم لم يكن من أجل تقديم نظرية جديدة للتطور العلمي، بقدر ما كان يهدف إلى كشف الحركة الداخلية للعلم مع وإعطاء أهمية بالغة للبعد السوسيولوجي في تاريخ تطور العلم، الذي يتمثل في العمل الذي يقوم به المجتمع العلمي عبر التاريخ العلمي، في وضع النظريات العلمية وتراكمها في المرحلة التي عبَّر عنها بمصطلح العلم القياسي من ناحية، ودوره الأساسي من ناحية ثانية في إحداث التغير في النظر إلى هذه النظريات في مرحلة تختلف تماما عن المرحلة السابقة التراكمية، وهي مرحلة العلم اللاتراكمي، بالإضافة إلى دوره في مرحلة الأزمة والتي تمثل مرحلة المخاض في تاريخ التطور العلمي. تؤدي الثورات العلمية إلى خسارات عديدة في مقابل المكتسبات الجديدة حيث يميل العلماء إلى غض الطرف عن تلك الخسارات.

ويشاطرموقف كوهن هذا، العديد من الدارسين الذين ساروا على نفس خطاه وفي الطريق البوبري اللاوضعي، معرضين عن منطق تبرير المعرفة العلمية، ومعنيين بمنطق الكشف والتقدم العلمي تأكيدًا وتوطيدًا لتيار الوعي التاريخي، وفي طليعتهم إمري لاكاتوشImre Lakatos الذي تبنى نفس التصورات مع بعض الاختلافات العرضية على مستوى المفاهيم المستعملة. يعتبر “لاكاتوش” بأن المؤرخ لا يعرف من تاريخ العلم إلا ما يفرضه عليه، بمعنى إعادة بناء تاريخ العلم وإضفاء الصورة العقلية عليه عن طريق فلسفة العلم أو نظرياتها الميثودولوجية.

اكتسبت الميثودولوجيا مع “لاكاتوش” فعالية وحركية تاريخية، أما النظريات العلمية ذاتها فهي عند “لاكاتوش” برامج أبحاث، لذلك فإن فلسفة العلم هي “ميثودولوجيا مناهج البحث العلمي” وهذا هو عنوان كتابه الرئيسي. ففي هذا الكتاب ينظر “لاكاتوس” إلى التقدم العلمي في سياق برامج البحث التي يتبناها العلماء في أبحاثهم، وتشتغل وفق ميكانيزمين أساسيين: الأول، وهو ما يدعوه “لاكاتوس” بالكشافة السلبية heuristique négative، والتي تتجلى في انغلاق برنامج البحث على نفسه وعلى نواته الصلبة دون أن يسمح بإحداث تغييرات أو تعديلات عليها، وهو ما سماه كوهن بالالتزام البراديغمي، ثم الكشافة الإيجابية وهي الآفاق التي يفتحها برنامج من أجل تنمية وتوسيع مجالات الدراسة، إذ يعتبر في هذا الصدد أن الكشافة الإيجابية تقوم في سلسلة من القضايا المصاغة صياغة جزئية أو من الإشارات المتعلقة بكيفية إجراء التحويلات وبكيفية تنمية وتطوير الحزام الواقي.

وفق “لاكاتوش”، “إن مفهوم القطيعة بين القديم والجديد لا يظهر بتكذيب النظريات العلمية فقط، بل بتنافس “برامج البحوث” القائمة في المجتمع العلمي كما هي، حيث تمثل الثورة العلمية في نظره تفوق برنامج بحث على آخر، ويعد هذا البرنامج متقدماً على غيره إذا كان نموه النظري متقدماً على نموه الإمبريقي(التجريبي)، وكان لديه تنبؤات ناجحة إلى حد ما، بينما يكون البرنامج متدهورا إذا تخلف نموه النظري عن نموه الإمبريقي، وأعطى تفسيرات بَعدية إما لاكتشافات عشوائية أو لوقائع مفسرة مسبقاً من قِبَّل برنامج بحثي آخر.”(فقيه، http://www.Ssrcaw.org)

يؤكد “لاكاتوس” أن التقدم العلمي لا يتأتى من نظرية معينة أو حتى من مجموعة نظريات، بل بالانتقال من برنامج بحث علمي أصبح متدهورًا إلى برنامج بحث آخر يبدو تقدميًّا. يقوم برنامج البحث العلمي على نظريات أو مبادئ علمية تشكل النواة الصلبة التي ينمو عليها هذا البرنامج وبها يتطور. ويذهب “لاكاتوس” أبعد من كوهن بخصوص الالتزام الضمني بقواعد البراديغم؛ فهو يقر بوجود قرارات ميثودولوجية صريحة تتخذها الشخصيات المركزية لهذا البرنامج بشأن عدم تجاوز الحزام الواقي الذي يبرز حدود البحث التي يجب الوقوف عندها، بيد أنه وعلى العكس من كوهن، فقد حاول تحديد معيار دقيق لتصنيف برامج البحث حسب فاعليتها، حيث يشير في هذا الصدد، إلى شرطين ضروريين لوصف برنامج البحث بالفعَّال، أولهما تماسكه الداخلي، وثانيهما أن يؤدي إلى اكتشاف ظواهر جديدة.

تلك هي نظرته لتاريخ العلم الداخلي عبر حركية برامجه، أو هي محاولة لإعادة بنائه من حيث هو معرفة عقلانية متنامية. فكل فلسفة للعلم، فيما يؤكد “لاكاتوش”، هي بمثابة إعادة بناء عقلانية لتاريخ العلم الداخلي. لم تعد فلسفة العلم، أو ميثودولوجيته بمصطلحاته، قواعد وطرقًا لحل المشاكل العلمية كما كان يأمل فلاسفة القرن التاسع عشر، ولم تعد مجرد تبرير للمعرفة العلمية، وإنما هي نظريات في العقلانية العلمية ومعايير لتمييز العلم أو تعريفه، ومحكات لقبول ورفض النظريات العلمية التي تحاول أن تعطي صياغة لنمو المعرفة العلمية الموضوعية، أي للتطور العقلي الخالص؛ لذلك كانت فلسفة العلم أو ميثودولوجياته صياغة لعقلانية التقدم العلمي، أي نموه الإبستمولوجي الذي هو تطور عقلاني خالص. ولما كانت فلسفة العلم تزودنا بتفسير عقلاني لنمو المعرفة الموضوعية العلمية، فهي إذن تزودنا بنظريات منهجية أو ميثودولوجية معيارية تشكل إطارًا نظريًّا، في حدوده يستطيع المؤرخ إعادة بناء التاريخ الداخلي للعلم الذي هو تاريخ العقلانية. “كل فلسفة للعلم هي ميثودولوجيا، هي محاولة لإعادة بنائه عقلانيًّا، هي خطوط معيارية ترشد مؤرخ العلم وتوجه خطاه.”(طريف الخولي، 2014، ص406(

من الملاحظ أن “لاكاتوس” من خلال ميثودولوجيا برامج البحث، لم يخرج عن الإطار العام الذي وضعه كوهن؛ فكلاهما يقر بوجود متحد علمي إما في شكل براديغم أو في شكل برنامج بحث، بل ويجعلانه شرطا ضروريا للتقدم، كما أنهما يجمعان معا على البعد الثوري في تطور المعرفة العلمية، وهو ما يجعل تاريخ العلم تاريخ انفصال وقطائع، لكن كوهن و”لاكاتوس” قاما بدراسة العلم باستئصاله عن سياقه الطبيعي كعلم يملك وجودا مستقلا بذاته بعيدا عن الفاعليات الإنسانية الأخرى. فهل يملك العلم فعلا مثل هذه الاستقلالية أم إنه جزء من الثقافة الإنسانية يتطور بتطورها وينكص بنكوصها؟ هل يمكن تصور التقدم العلمي على مراحل ما بعد ظهور البراديغمات؟ أم إنه تقدم ضارب في عمق التاريخ الإنساني؟ كيف يمكن للإنسان أن يصبح بمجرد انتمائه إلى براديغم معين، آلة مبرمجة مسلوبة الحرية والإرادة؟

2) حدود مفهوم البراديغم

شكلت الأسئلة السابقة محورا للعديد من الانتقادات التي وُجهت لنظرية “توماس كوهن” وأتباعه حول ميكانيزمات اشتغال وتطور المعرفة العلمية، حيث سنعرض لموقفين أساسيين من العلم؛ يتعلق الأول بموقف “باول فييراباند”، الذي سنحاول من خلاله، إبراز حدود موقف كوهن من داخل العلم نفسه بمناقشة البنية الداخلية للتطور العلمي. أما الموقف الثاني، فهو موقف “بريكوجين”، والذي سنتطرق من داخله إلى البحث في الحدود الخارجية لهذا التطور.

تقوم نظرية “باول فييراباند” Feyrabendالميثودولوجية على “التعددية المنهجية” التي هي ذاتها الفوضوية أو اللاسلطوية المعرفية، التي ترفض بشدة النظرية التقديسية للعلم التي ازدادت جمودًا وتحجرًا على يد فلسفات العلوم الوضعية التي ترفع العلم فوق التاريخ. ترفض هذه النظرية تنصيب السلطة المعرفية لمنهج محدد، وتعتبر أن التقدم المعرفي يأتي عن طريق إطلاق طاقات الإبداع والخلق والابتكار، وليس البتة بالتشديد على اتباع منهج معين، أو اقتفاء خطى نظام معرفي محدد دون سواه. ليس العلم نظاما معرفيّا مقدسا، إنه نظام عقلاني وجب أن ينمو ويزدهر وسط الأنظمة المعرفية الأخرى.

وفي هذا الإطار يرى “باول فييراباند” في كتابه “ضد المنهج”، أن الفكرة القائلة بأن العلم يمكن له أن ينتظم وفقا لقواعد ثابتة وشمولية، هي في آن واحد فكرة طوباوية وذات بريق خادع، هي طوباوية، لأنها تتضمن تصورا مفرطا في البساطة حول استعدادات الإنسان وقدراته وحول الظروف التي تشجعها على النمو، وهي براقة خادعة من حيث إن محاولة فرض مثل تلك القواعد، لا يخلو من جعل الزيادة في كفاءاتها لا يكون إلى على حساب إنسانيتنا.علاوة على ذلك، فإن فكرة كتلك تخل بالعلم لأنها تهمل الشروط الفيزيائية والتاريخية المعقدة التي تؤثر تأثيرا واضحا في التغير العلمي، إنها تجعل علمنا أقل قابلية للتكيف وأكثر دوغمائية. انطلاقا من أن الشمولية لأي قاعدة من القواعد المنهجية، وكل الميثودولوجيات لها حدودها، فالقاعدة الوحيدة التي تبقى وتحيا هي كل شيء حسن.

يحرص باول فييراباند “على احترام إنسانية العالِم مهما كانت اختصاصاته، فهذا الأخير يبقى إنسانا يجب أن يتمتع بكامل حريته الفكرية بشكل يجعله قادرا على التعامل مع الظواهر والمستجدات بمرونة، وهنا تتجلى فوضوية العلم التي تشكل جوهر فلسفة فييراباند، الذي يؤكد على ضرورة إعطاء حرية للإنسان في التعامل مع أي علم وبأية منهجية أراد بعيدا عن كل محاولات مأسسة العالم” (الشاوي،2019، https://www.mominoun.com/articles) ذلك “علينا أن نحرر المجتمع من علم تم تحجيره بصورة إيديولوجية لدرجة أصبح معها يخنق أنفاس هذا المجتمع ذلك تماما كما حررنا أجدادنا سابقا من قوة الخنق التي تحملها الديانة الصحيحة الوحيدة.”Feyrabend, P348)، أورده الشاوي(

لقد حاول فييراباند من خلال فوضوية العلم تحرير الباحث من تلك القيود الوهمية التي نسجها “توماس كوهن”، إذ أن الباحث يبقى سيدا لنفسه ولعلمه، ولننتظر منه إمكانية تغيير موقفه في أية لحظة دونما حاجة الانتظار شذوذ علمي ثم أزمة فثورة فعلم سوي جديد، “إنه العالم-الإنسان الذي يتحدث عنه فييراباند، وليس العالِم الآلة الذي تحدث عنه توماس كوهن. إنها بعض من العيوب الداخلية لنظرية كوهن حول تطور المعرفة العلمية كما ساقها فييراباند، والتي يمكن تلخيصها في محاولة كوهن الوضعية صياغة قانون موحد للتطور العلمي متجاهلا التنوع الذي يزخر به العقل البشري، ثم في تعامله مع البراديغمات كمؤسسات علمية تملك قدرة خارقة على سحر عقول باحثيها وجعلها آلات مبرمجة للقيام بمهمات محدودة دون تجاوزها، فضلا عن حديثه عن العوامل الداخلية للعلم وإهمال مجموعة من الميادين المعرفية الأخرى، والتي غالبا ما لعبت دورا مهما في تطور العلم ذاته؛ فالعلم عنصر من عناصر إنتاج الثقافة الإنسانية لا بد وأن يدخل في عمليات تأثير متبادل وتفاعلي مع كل مكونات هذه الثقافة من دين وفلسفة وفنون وآداب.”(الشاوي،2019،https://www.mominoun.com/articles)

إن العلم لا يمكن أن ينفصل عن المناخ الفكري العام، “فمنه يستلهم مسلماته ومضامينه الأنطولوجية، لذلك يقول “بريكوجين” في كتابه “الارتباط الجديد””la nouvelle alliance” ، إن المشاكل التي تميز الثقافة تملك تأثيرا على مستوى محتوى وتطور النظريات العلمية. فمشكلة الزمن مثال في علاقته مع الطبيعة، والتي أثارتها النسبية كانت أساسا بدافع ثقافي” Feyrabend, p.348)، أورده الشاوي)، فهو يعتقد أن التحولات الكبرى في العلم تتبلور بداية داخل النسيج الثقافي قبل أن تجد طريقها نحو العلم، لتتحول إن هي وجدت التقنيات والأدوات اللازمة إلى نظرية علمية بذاتها.

إن العلم من منظور الارتباط الجديد يجب أن يتشبع بالحرية والعفوية، لأنهما السبيل الوحيد نحو فتح مؤسساته على إمكانيات تلاقح جديدة تقوده إلى الانصهار مع مجموع التيارات الفكرية والفنية والدينية السائدة، وأن النظريات العلمية هي استجابة للسياق الثقافي والإيديولوجي أو بعبارة أفضل، فهي تعبير عن انفتاح العلم على المحيط الذي احتضن تطورها. هذا العلم حينما سيكف عن اعتبار ذاته نسقا متميزا ومنفردا وينزل من أبراج عقلانيته المتصلبة، ليعانق انشغالات وتساؤلات المجتمع آنذاك يمكنه أن يرقى إلى مستوى الكونيةL’universelبهذا الطرح يؤسس بريكوجين لنسق علمي مخالف تماما لذلك الذي تعامل معه كتاب “بنية الثورات”. فإذا كان كوهن قد نظر إلى العلم كبنية مستقلة بذاتها تحمل آليات تطوير ذاتية خاصة بها، فإن “الارتباط الجديد” يجعل ذلك النسق العلمي نسقا مفتوحا بكل الأشكال أمام الحركية العامة التي تطبع المجتمع الإنساني، ليصبح مجرد نسق من بين أنساق أخرى عديدة تنطق باحتياجات المجتمع واهتمامه “كذا يتأكد اليوم أن العلم هو قبل كل شيء، علم إنساني صنعه أناس من أجل خدمة الناس في حضن مجتمع غني بممارسات معرفية أخرى.” Feyrabend, p.281)، أورده الشاوي(

3) خاتمة

انطلق “كارل بوبر” من نقد الوضعية المنطقية التي كانت مهيمنة وسائدة، كان محور فلسفته مشكلة تمييز العلم في حركيته وتقدمه، عن طريق معيار القابلية للتكذيب، وهذا بدوره سوف يطرح أمام فلسفة العلم في القرن الحادي والعشرين آفاقًا مستقبلية مستجدة، نقلتنا الإبستمولوجيا من منطق التبرير إلى منطق الكشف عن منطق التقدم المستمر الذي هو فعلًا صلب طبيعة العلم. إن الفكرة الجوهرية في فلسفة غاستون باشلار هي القطيعة الإبستمولوجية، إلا أنَّ هذه القطيعة من وجهة نظره لا تعني بالضرورة هدم القديم في العلم كليةً وتجاوزه، بل التوسع والاكتمال وتصويب الأخطاء التي يزخر بها تاريخ العلم، وتفسير الظواهر بشكل أوسع من الفكر العلمي السابق له، وهذا يتضح من خلال الهندسات اللاإقليدية (non-Euclidean) التي قامت على هامش الهندسة الإقليديةEuclidean))، في حين يرفض لاري لودان(L.Laudan)  الاستمرارية والتراكمية في العلم، ويرى بأنَّ القطيعة يجب أن تكون تامة، ذلك أنَّنا لا نستطيع الاحتفاظ بالمحتوى المنطقي أو الإمبريقي للنظرية حينما تحل محلها نظرية أخرى، ورفض تماماً ما ذهبت إليه التجريبية المنطقية، من “أنَّ التقدم يتم عن طريق التأييد، ورفض رأي بوبر القائل بالتكذيب، وذهب إلى أنَّ التغير الذي يحدث في النظريات غالباً ما يكون في المستوى المفاهيمي لا الإمبريقي، وأنَّ التقدم في العلم لا يتجه نحو فهم أو مطابقة حقيقة العالَم بل يتم من خلال قدرة النظرية الجديدة على حل مشكلات عجزت النظرية السابقة عن حلها، مما يعني حدوث قطيعة تامة بين النظريات العلمية.”(فقيه،http://www.Ssrcaw.org)

تمثَّل موقف توماس كوهن من تاريخ التطور العلمي في رفضه لكل النظريات التي سبقته، موضحاً أنَّ تاريخ التطور العلمي يشهد على “أنَّ العلم ليس تراكمياً بالكامل كما ذهب إليه دعاة التراكم، كما أنَّه ليس في ثورة دائمة كما أكده دعاة الاتجاه الثوري، بل هو تطور جدلي يسير بخطى متلاحقة بحيث يجمع بين التراكم واللاتراكم، وبذلك تضمنت نظريته في التطور هدم كل النظريات السابقة عليه ولم يُبق منها إلا على أيقونة “الثورة” التي التقطها من بوبر”(طريف الخولي، المرجع نفسه، ص97)، وأيقونتي “القطيعة الإبستمولوجية” و”الصراع” من باشلار، ومن الماركسية القول بعدم وجود هدف يسعى إليه التطور، وقد عثر في المؤلفات اللاتينية القديمة على مصطلح البراديغم فعمل على صياغته ضمن محتوى جديد يتناسب والفكرة الأساسية التي عمل على تطويرها فيما بعد؛ وقد يعني به: “مجموعة القوانين، والتقنيات، والأدوات المرتبطة بنظرية علمية والمسترشدة بها، والتي يمارس الباحثون عملهم ويديرون نشاطاتهم من خلالها” (كُوْن، 2007، .ص340) في كل مرحلة من مراحل التطور العلمي.

قراءة الهوامش:

  • محمد الشاوي، الثورة العلمية وفوضوية العلم، 30 يوليوز 2019، https://www.mominoun.com/articles

  • جلال شوقي، مرجع سبق ذكره، ص52.

  • أورده، عبد الله، مفهوم تاريخ العلوم:مقاربةأولية6/3/2009.http://www.anfasse.org/portail/index.php/

  • منى طريف الخولي، مرجع سبق ذكره، ص128.

  • Marcum,Thomas Kuhn’s Revolution: an Historical Philosophy of Science, p.87.

  • كُوْن، توماس، بنية الثورات العلمية، تر: حيدر إسماعيل، منظمة الوحدة العربية للترجمة، ط1، بيروت، 2007. صص51-53.

  • كُوْن، بنية الثورات العلمية، تر: شوقي جلال، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد168، ديسمبر، 1992. ص19. (مقدمة المترجم) ص11.

  • شوقي جلال، مرجع سبق ذكره، ص43.

  • أنظر: كُوْن، توماس، بنية الثورات العلمية، تر:شوقي جلال.(هامش الفصل الأول، ص304).

  • كُوْن، بنية الثورات العلمية، تر: شوقي جلال. (مقدمة المترجم) ص11.

  • Martinich, Aloysius, Sosa, David ‏ (Eds.), A Companion to Analytic Philosophy ,p.371.

  • كُوْن، بنية الثورات العلمية، تر: حيدر حاج إسماعيل. صص184-185.

  • كُوْن، بنية الثورات العلمية، تر: شوقي جلال. ص22.

  • المصدر نفسه. ص12.

  • Brickhouse, Nancy W. “Teachers Beliefs The Nature of Science of Their Relationship to Classroom Practice”, Journal of Teaching Education, 41(3) (1990), pp. 53-62

  • فقيه، عدنان محمد، مسيرة التقدم العلمي، جامعة الملك عبد العزيز، http://www.Ssrcaw.org>

  • يمنى طريف الخولي، مرجع سبق ذكره، ص406.

  • محمد الشاوي، الثورة العلمية وفوضوية العلم، 30 يوليوز 2019، https://www.mominoun.com/articles

  • Feyrabend : Contre la méthode, 348أورده محمد الشاوي، المرجع نفسه

  • محمد الشاوي، المرجع نفسه.

  • Brigogine, La nouvelle alliance, 19 أورده محمد الشاوي، مرجع سبق ذكره .

  • Brigogine, La nouvelle alliance, p.

  • قطب، منطق التقدم العلمي، ص113.

  • فقيه عدنان محمد، مسيرة التقدم العلمي، جامعة الملك عبد العزيز، <http://www.Ssrcaw.org>

  • الخولي، فلسفة العلم في القرن العشرين، ص97.

  • كُوْن، بنية الثورات العلمية، تر: حيدر حاج إسماعيل. ص340.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى