في زمنٍ باتت فيه بعض التحالفات تُدار بمنطق الإملاء لا الشراكة، اختارت إسبانيا أن تقول كلمة نادرة في السياسة الدولية: لا. لا لاستخدام أراضيها وقواعدها العسكرية في حرب لا ترى فيها شرعية سياسية ولا سندًا أمميًا، ولا لتحويل قرارها الوطني إلى ملحقٍ بإرادة خارجية، ولا لابتزازٍ اقتصادي يراد به ا الموقف بعدما رفضت حكومة بيدرو سانشيز السماح باستخدام قاعدتي روتا ومورون في عمليات أمريكية مرتبطة بالهجمات على إيران، بالتوازي مع تهديدات من دونالد ترامب بقطع العلاقات التجارية مع مدريد، وسط تأكيد إسباني أن موقفها منسجم مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. سانشيز لا يمكن اختزاله في مناورة دبلوماسية عابرة، بل هو إعلان سياسي بأن السيادة لا تُؤجَّر، وأن التحالف لا يعني الطاعة، وأن الصداقة بين الدول لا تُقاس بمدى استعداد طرفٍ ما لفتح قواعده وموانئه وأجوائه كلما قررت واشنطن توسيع دائرة النار. لقد فهمت مدريد أن أخطر ما في الحروب ليس فقط الدمار الذي تخلّفه، بل أيضًا تحوّل الدول الحليفة إلى مجرد منصات تنفيذ، تُستدعى عند الحاجة ثم يُطلب منها الصمت لاحقًا.
إن عبارة “لا للحرب” التي رفعها سانشيز ليست مجرد شعار أخلاقي؛ إنها، في جوهرها، رؤية للدولة. دولة تريد أن تقول إن أمنها القومي لا يُبنى بالخضوع، وإن مصلحتها الوطنية لا تتحقق بالتورط في نزاعات مفتوحة، وإن احترام الشرعية الدولية ليس ضعفًا بل شرطٌ للاستقرار. فحين ترفض مدريد الانخراط في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، فهي لا تعلن انحيازًا لمحور ضد محور، بل انحيازًا لمبدأ: أن قرار الحرب والسلم لا يجب أن يُفرض من خارج العواصم الوطنية.
وقد وصفت الحكومة الإسبانية القصف بأنه غير مشروع، فيما شددت على أنها لن تكون “تابعًا” لأي قوة أخرى، كما عبّر مسؤولون إسبان في مواجهة الضغوط الأمريكية. كشف ردّ دونالد ترامب مرة أخرى عن ذهنية تعتبر العلاقات الدولية سوقًا مفتوحًا للضغط والإكراه: من لا يساير واشنطن عسكريًا، يُهدَّد تجاريًا؛ ومن لا يرفع إنفاقه الدفاعي كما تريد الإدارة الأمريكية، يُوسَم بأنه “حليف سيئ”.
وقد ربط ترامب غضبه من مدريد بمسارين واضحين: رفضها التعاون العسكري في الملف الإيراني، ورفضها الانصياع لمطلب رفع الإنفاق الدفاعي في الناتو إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مطلب لطالما أثار توترًا داخل الحلف. شيء، والقدرة على التنفيذ شيء آخر. فحتى لو تحدث ترامب بنبرة من يملك “حق فعل ما يشاء”، فإن الواقع القانوني والسياسي أكثر تعقيدًا.
تقارير حديثة أشارت إلى أن فرض حظر تجاري شامل على إسبانيا يواجه صعوبات جدية، سواء بسبب القيود القانونية داخل الولايات المتحدة أو لأن السياسة التجارية مع مدريد تمرّ عمليًا عبر الإطار الأوروبي الجماعي، لا عبر علاقة ثنائية معزولة. لذلك بدا التهديد الأمريكي، حتى الآن، أقرب إلى سلاح ردع سياسي منه إلى قرار قابل للتنفيذ بسهولة. أن مدريد لم تبدُ معزولة. فالمفوضية الأوروبية أرسلت إشارات واضحة بأنها ستدافع عن مصالح الاتحاد، فيما رفضت أصوات أوروبية مؤثرة فكرة معاقبة إسبانيا بشكل خاص. وهذا يعكس حقيقة أساسية: أن أي ضغط أمريكي على دولة أوروبية كبرى لم يعد يُقرأ فقط كخلاف ثنائي، بل كاختبار لمكانة أوروبا نفسها، وقدرتها على حماية قرارها الاقتصادي والسياسي. دو المسألة مجرد خلاف حول قواعد عسكرية في الجنوب الإسباني، بل معركة أوسع حول معنى الاستقلال داخل التحالفات.
هل يحق للدول الأوروبية أن تختلف مع واشنطن عندما ترى أن الحرب ستقود إلى فوضى أكبر؟ هل يحق لها أن توازن بين التزاماتها الأطلسية ومصالحها الوطنية؟ وهل يمكن لأوروبا أن تكون شريكًا حقيقيًا من دون أن تمتلك حق الاعتراض؟ هذه الأسئلة هي التي جعلت موقف مدريد يتجاوز حدوده الوطنية ليصبح عنوانًا لنقاش أوروبي أكبر: كيف نبقى حلفاء من دون أن نصبح تابعين؟
لقد اختارت إسبانيا، في هذه اللحظة، أن تضع خطًا سياسيًا وأخلاقيًا واضحًا: نعم للشراكة، لا للتبعية. نعم للتعاون، لا للابتزاز. نعم للتحالفات، لا لتحويلها إلى آلية ضغط دائم. وهذا، في حد ذاته، ليس تمردًا عدائيًا على الولايات المتحدة، بل تصحيحٌ ضروري لمعنى التحالف في عالم مضطرب.
في النهاية، قد تنجح واشنطن في رفع منسوب التهديد، وقد تُربك الأسواق، وقد تُدخل العلاقات عبر الأطلسي في واحدة من أصعب أزماتها منذ عقود. لكن ما سيبقى سياسيًا وأخلاقيًا هو أن مدريد قالت ما تفضّل عواصم كثيرة أن تهمس به فقط: لسنا رقمًا في خطة عسكرية تُكتب خارج حدودنا، ولسنا بلدًا يُستدعى إلى الحرب تحت التهديد التجاري.
وذلك، في زمن الاصطفافات العمياء، ليس مجرد موقف عابر، بل درسٌ في معنى السيادة.