وجهة نظر

هيئة التدريس بين خذلان النقابات وضرورة استعادة روح النضال-جلال العناية

   يشهد الحقل التعليمي في الآونة الأخيرة حالة من التراجع المقلق في منسوب النضال داخل صفوف هيئة التدريس، بعد مرحلة حراك قوية قادها الأساتذة تحت لواء التنسيقيات التعليمية المناضلة التي استطاعت ، أن توحد الصفوف وتُسمِع صوت الشغيلة التعليمية. غير أن ما أعقب هذا الحراك كشف عن واقع مؤلم، عنوانه تخلي النقابات التعليمية عن دورها التاريخي في الدفاع عن هيئة التدريس، مقابل انخراطها في حوارات وُصفت من طرف العديد من الأساتذة بأنها “مغشوشة” ولا تستجيب للمطالب الحقيقية للشغيلة التعليمية.

لقد خلف الحراك التعليمي الأخير تضحيات كبيرة، حيث وجد عدد من الأساتذة أنفسهم في مواجهة قرارات التوقيف ، في وقت كان يُنتظر فيه من النقابات أن تصطف إلى جانبهم وتدافع عنهم باعتبارهم العمود الفقري للمنظومة التعليمية. غير أن الصمت الذي طبع مواقف العديد من هذه التنظيمات زاد من إحساس الأساتذة بالخذلان، خاصة بعدما أفضت الحوارات القطاعية إلى تحقيق مطالب لفئات أخرى داخل المنظومة، من متصرفين ومفتشين وغيرهم، في حين بقيت المطالب الأساسية لهيئة التدريس معلقة دون حل.

هذا الوضع خلق شعوراً عميقاً لدى عدد كبير من الأساتذة بأنهم أصبحوا خارج حسابات التمثيلية النقابية، وأن صوتهم لم يعد يجد من يحمله بصدق إلى طاولة الحوار. فبدل أن تكون النقابات إطاراً موحداً للدفاع عن كرامة الأستاذ ومطالبه المهنية والاجتماعية، تحولت في نظر الكثيرين إلى وسيط يهدف أساساً إلى إعادة الأساتذة إلى أقسامهم دون تحقيق مكاسب حقيقية توازي حجم التضحيات التي قدموها.

إن الواقع الحالي يطرح سؤالاً جوهرياً حول مستقبل العمل النقابي في قطاع التعليم، وحول قدرة هيئة التدريس على استعادة زمام المبادرة للدفاع عن حقوقها المشروعة. فالتجربة الأخيرة أظهرت أن وحدة الصف كانت العامل الأساسي الذي منح الحراك قوته وزخمه، وأن أي تراجع أو تشتت لا يخدم إلا استمرار الوضع القائم.

لذلك، بات من الضروري اليوم التفكير في مرحلة جديدة من الفعل النضالي، تقوم على توحيد صفوف الأساتذة من جديد، وتجاوز الخلافات الثانوية التي قد تضعف الجبهة الداخلية. كما أن النقاش أصبح مطروحاً بقوة حول ضرورة تأسيس إطار نقابي حقيقي ينبثق من هيئة التدريس نفسها، ويجعل الدفاع عن الأستاذ وحقوقه أولوية لا تقبل المساومة.

إن الدعوة إلى حراك تعليمي جديد لا تعني البحث عن التصعيد من أجل التصعيد، بل تهدف أساساً إلى إعادة الاعتبار لمطالب عادلة ما تزال عالقة، وإلى التأكيد على أن إصلاح المنظومة التعليمية لا يمكن أن يتحقق دون إنصاف الأستاذ وتمكينه من شروط العمل الكريم والاستقرار المهني.

وفي هذا السياق، يبقى الأمل معقوداً على وعي هيئة التدريس بضرورة استعادة روح التضامن والوحدة التي ميزت مراحل سابقة من النضال، والعمل على بناء قوة تنظيمية قادرة على فرض احترام مطالبها داخل أي حوار مستقبلي. فالتاريخ النقابي يعلمنا أن الحقوق لا تُمنح، بل تُنتزع بالنضال المسؤول والمنظم، وبإرادة جماعية تؤمن بأن كرامة الأستاذ هي المدخل الحقيقي لإصلاح المدرسة العمومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى