وجهة نظر

من نظرية المساعدة إلى الملكية البرلمانية: قراءة نقدية في خطاب عبد الإله بنكيران-بوشعيب شكير

  لا تُقاس قوة الأنظمة السياسية فقط بما تتضمنه دساتيرها من نصوص، بل بمدى وضوح هندسة السلطة داخلها: من يقرر؟ من ينفذ؟ ومن يُحاسَب؟ ذلك أن أي غموض في توزيع هذه الوظائف لا ينتج مجرد ارتباك نظري، بل يُفضي عمليًا إلى اختلال في معنى الفعل السياسي ذاته.
ضمن هذا الأفق، يبرز خطاب عبد الإله بنكيران بوصفه حالة دالة على هذا الالتباس، سواء من خلال ما اصطلح عليه بـ“نظرية المساعدة”، أو عبر موقفه الرافض للملكية البرلمانية. وهو خطاب يبدو، في ظاهره، حريصًا على الاستقرار، لكنه في العمق يعيد إنتاج غموض بنيوي في العلاقة بين السلطة والمسؤولية، ويؤجل الحسم في سؤال جوهري: من يحكم فعلاً؟
تقوم “نظرية المساعدة” على تصور ضمني مفاده أن الحكومة لا تمارس سلطة تقريرية مستقلة، بل تتحرك داخل إطار قرار يُحسم خارجها، لتقتصر وظيفتها على التنفيذ أو “المساعدة”. قد يبدو هذا الطرح، في حدوده الدنيا، توصيفًا لعلاقات القوة داخل النظام، لكنه يتحول إلى إشكال بنيوي حين يُقدَّم كتصور ناظم لوظيفة الحكومة داخل البناء الدستوري.
ذلك أن دستور 2011، الذي جاء في سياق لحظة سياسية مشحونة بدينامية الشارع ومطالب الإصلاح، لم يكن مجرد تعديل تقني، بل محاولة لإعادة توزيع السلطة داخل النسق السياسي، من خلال تعزيز موقع رئيس الحكومة وربط المسؤولية بالمحاسبة. وعليه، فإن اختزال دور الحكومة في “المساعدة” لا ينسجم مع روح هذا التحول، بل يعيد إنتاج فصل خطير بين السلطة والمسؤولية، بما يُفرغ المقتضيات الدستورية من مضمونها العملي.
ولا يقف هذا الإشكال عند المستوى النظري، بل ينعكس مباشرة على جدوى العملية السياسية. فإذا كانت الحكومة لا تقرر، فما معنى أن تُحاسَب؟ وإذا كانت البرامج الحزبية مجرد امتداد لبرنامج “قار”، فما جدوى التنافس الانتخابي؟ هنا يتحول الفعل الحزبي إلى ممارسة شكلية، وتغدو الانتخابات آلية لإعادة إنتاج نفس الاختيارات بدل أن تكون أداة للاختيار بينها.
ويزداد هذا التناقض حدة حين نستحضر تجربة بنكيران في رئاسة الحكومة، حيث دافع عن قرارات كبرى مثل إصلاح نظام التقاعد وإلغاء الدعم عن المحروقات، وقدمها باعتبارها اختيارات حكومية جريئة تحملت كلفتها السياسية. غير أن هذا الخطاب يصطدم بتصريحات لاحقة يؤكد فيها أن “الذي يحكم هو الملك”. وهنا يبرز سؤال لا يمكن القفز عليه: لمن تُنسب هذه القرارات؟ للحكومة التي اتخذتها، أم لسلطة أخرى يُقال إنها صاحبة القرار الفعلي؟ إن الجمع بين الاعتزاز بالفعل ونفي مصدره يكشف خللاً في تحديد المسؤولية السياسية، ويحوّلها إلى معطى متغير بحسب السياق، لا إلى قاعدة مؤسساتية مستقرة.
ويمتد هذا الالتباس إلى موقفه من الملكية البرلمانية، حيث يتم اختزالها في خطاباته في فكرة “ملك لا يحكم”، بل وتقديمها كخطر على الدولة. غير أن هذا التبسيط المخل يتجاهل أن الملكية البرلمانية، في التجارب المقارنة، لا تعني إلغاء دور الملك، بل إعادة تنظيمه داخل بنية توازن بين الاستمرارية الرمزية والنجاعة الديمقراطية: ملك يسود، وحكومة تحكم، وبرلمان يُراقب.
بهذا المعنى، لا تُعد الملكية البرلمانية تهديدًا للملكية، بل هي الصيغة التاريخية التي سمحت بتكييف الملكية الوراثية مع متطلبات الديمقراطية الحديثة، عبر إخضاع القرار العمومي لمنطق المساءلة دون المساس بوحدة الدولة واستمراريتها.
غير أن المفارقة لا تقف عند حدود سوء الفهم، بل تمتد إلى مستوى الممارسة والخطاب معًا. فبنكيران لم يكتفِ برفض هذا الأفق، بل جعل من مهاجمة الأحزاب والتيارات التي تتبناه جزءًا من خطابه السياسي، في مفارقة لافتة، بالنظر إلى أن وصوله إلى رئاسة الحكومة سنة 2011 تم في سياق دينامية مجتمعية كان من بين شعاراتها الدفع نحو ملكية برلمانية. أي أن نفس الشروط التي مهدت لصعوده، أصبحت لاحقًا موضوع رفضه.
ولم يتوقف هذا المنحى عند حدود الخصوم السياسيين، بل امتد إلى داخل حزبه. فقد تعرّض عبد العالي حامي الدين لانتقادات بعد مواقف عبّر فيها، في سياق نقاش داخلي أعقب انتكاسة الحزب في انتخابات 2021، عن كون الشكل الحالي للملكية يشكل عائقًا أمام التطور الديمقراطي، داعيًا إلى إصلاح تدريجي في إطار سلمي. وهو ما يكشف أن النقاش حول طبيعة النظام لم يعد خارجيًا فقط، بل أصبح موضوع توتر حتى داخل نفس المرجعية الحزبية.
في المقابل، يكتسب تصريح المستشار الملكي عبد اللطيف المنوني، الذي أكد أن المغرب يسير “في اتجاه ملكية برلمانية”، دلالة خاصة، لأنه يعكس تصورًا إصلاحيًا ينبع من داخل التفكير المؤسساتي نفسه، ويؤكد أن هذا الأفق ليس طرحًا عدائيًا، بل مسارًا تدريجيًا لتطوير النظام.
هنا تتبلور المفارقة بوضوح: إشارات متعددة، من داخل المؤسسة ومن داخل الحقل الحزبي، تذهب في اتجاه تطوير الطابع البرلماني للنظام، مقابل خطاب يقدّم هذا الأفق كخطر يجب مقاومته، ويعمل في الآن ذاته على تقليص دور الحكومة عبر “نظرية المساعدة”. والنتيجة واحدة: تعميق الغموض في تحديد من يمارس السلطة ومن يتحمل المسؤولية.
ولا يقف أثر هذا الخطاب عند حدود الالتباس النظري أو التناقض السياسي، بل يمتد إلى تداعيات رمزية ومؤسساتية أعمق؛ إذ إن تصريحات وخرجات بنكيران، وهو يقدّم نفسه كمدافع عن الملكية، تنتهي، بشكل مفارق، إلى الإساءة إلى صورة المؤسسة الملكية نفسها، حين تربطها بخطاب ينفي عن باقي المؤسسات دورها ويُفرغ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة من مضمونه. كما تسيء في الآن ذاته إلى دينامية ديمقراطية ناشئة، تحتاج إلى وضوح في توزيع السلطة لا إلى إعادة إنتاج الغموض تحت غطاء الدفاع عن الاستقرار.
إن هذا التوتر في الخطاب لا يمكن فهمه إلا في ضوء إشكال أعمق يرتبط بشروط تحقق الديمقراطية الكاملة full democracy، التي لا تقوم فقط على الانتخابات، بل على وضوح مراكز القرار، وإمكانية التنافس الفعلي بين البرامج، وتطابق السلطة مع المسؤولية. كما يرتبط بجوهر العقد الاجتماعي، الذي يفترض تفويضًا واضحًا للسلطة مقابل مساءلة واضحة، لا توزيعًا ضبابيًا للأدوار.
ختامًا، لا يتعلق الأمر بموقف سياسي عابر، بل بطريقة في بناء المعنى السياسي نفسه. فحين يُقال إن الحكومة لا تحكم، ويُطلب منها في الوقت ذاته أن تُحاسَب، وحين يُهاجَم أفقٌ إصلاحي ساهمت شروطه الموضوعية في تمكين نفس الفاعل من الوصول إلى السلطة، فإننا نكون أمام خطاب يعيد إنتاج الالتباس بدل تجاوزه، بل ويقع في مفارقة صارخة.
فهل نحن أمام خطاب يصف واقعًا معقدًا، أم أمام خطاب يساهم في تعقيده؟ وهل يمكن لنفس الفاعل أن يستفيد من دينامية مطلب سياسي ثم يعمل على نزع شرعيته؟ ثم، إلى أي حد يمكن لأي نظام أن يواصل التقدم في مسار الانتقال الديمقراطي، دون حسم هذا السؤال البسيط في ظاهره، العميق في نتائجه: من يحكم فعلاً، ومن يُحاسَب، وعلى أي أساس؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى