الحنبلي عزيز -متابعة
في يومها الحادي عشر، لم تعد الحرب الدائرة ضد إيران مجرد مواجهة عسكرية محصورة بين دولتين متخاصمتين، ولا حتى مجرد تصعيد جديد في سلسلة الأزمات التي اعتاد عليها الشرق الأوسط. نحن أمام لحظة إقليمية فارقة تتجاوز طهران وتل أبيب وواشنطن، وتمتد آثارها إلى بيروت والخليج والممرات البحرية وأسواق الطاقة، بل وإلى مستقبل الدولة الوطنية في المنطقة كلها. فالغارات الإسرائيلية على إيران مستمرة، والولايات المتحدة ترفع مستوى انخراطها العسكري والسياسي، فيما أعلن المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف أنه يرجح زيارة إسرائيل الأسبوع المقبل، بينما تتواصل الضربات على لبنان وتتوسع التداعيات الإنسانية والاقتصادية بشكل ينذر بانفجار أكبر من حدود الجبهات الحالية.
المشكلة في هذه الحرب ليست فقط في حجم النار، بل في طبيعة الأوهام التي تُدار بها. هناك وهم أول يقول إن بالإمكان إخضاع إيران عبر الضربات المركزة، ثم الانتقال بسلاسة إلى “اليوم التالي” كما لو أن إسقاط القدرة العسكرية أو النووية لدولة بحجم إيران يشبه تفكيك منشأة صناعية أو إسكات منصة إطلاق. وهناك وهم ثانٍ لا يقل خطورة، وهو أن المنطقة قادرة على امتصاص هذا الزلزال من دون انهيارات متتالية في لبنان والعراق والخليج وسوق الطاقة العالمي. وبين الوهمين، يظل المدنيون هم الحقيقة الوحيدة الثابتة: أسر تهرب من القصف، مدن تختنق بالدخان، اقتصادات ترتجف، وحدود تتحول إلى خطوط انتظار طويلة للخوف.
إن أخطر ما في هذه الحرب أنها تُخاض بلا أفق سياسي واضح. فبينما يصر وزير الخارجية الإسرائيلي على أن بلاده لا تسعى إلى “حرب أبدية”، عبّر المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن قلقه من غياب خطة واضحة لإنهاء سريع للنزاع، وهو قلق لا يعبّر عن حساسية أوروبية فحسب، بل عن إدراك متزايد بأن الحرب بدأت تتجاوز خطاب “الضربة الضرورية” إلى منطق الاستنزاف المفتوح. وعندما تغيب إستراتيجية الخروج، تصبح كل ضربة عسكرية بداية لسلسلة جديدة من الضربات، لا خطوة على طريق إنهاء الحرب.
ثم إن المبرر النووي الذي يُستخدم لتسويق هذه الحرب لا يبدو، في حد ذاته، حاسماً بالقدر الذي يُراد له أن يظهر. فبحسب المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، لا يزال جزء كبير من اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة 60% يُرجح وجوده في مجمع أنفاق قرب أصفهان، كما أن الوكالة ما زالت تؤكد أنها لا تملك دليلاً موثوقاً على وجود برنامج منسق لصنع سلاح نووي، رغم خطورة المخزون الحالي وإشكالات الرقابة والتفتيش. معنى ذلك أن القصف قد يعطل منشآت، لكنه لا يصنع نظام تحقق، ولا يبني ثقة، ولا يقدّم بديلاً للدبلوماسية الصلبة التي وحدها تستطيع أن تُحوّل الملف النووي من أزمة دائمة إلى ملف مضبوط بقواعد دولية واضحة.
بكلمات أخرى، نحن أمام حرب تدمر أكثر مما تحل. فالقنابل تستطيع أن تفتح فجوات في الإسمنت والحديد، لكنها لا تستطيع أن تملأ الفراغ السياسي الذي ينشأ بعدها. ولعل هذه هي المعضلة الكبرى في المقاربة الأمريكية الإسرائيلية الحالية: فهي تتصرف وكأن تدمير البنية العسكرية أو النووية الإيرانية كافٍ بذاته لإنتاج شرق أوسط أكثر أمناً، بينما تجارب المنطقة كلها، من العراق إلى ليبيا إلى غزة ولبنان، تقول العكس تماماً. الأنظمة قد تُضعف، الجيوش قد تتفكك، البنى التحتية قد تُسحق، لكن الفراغ الذي يلي ذلك لا يملؤه “الاستقرار”، بل تملؤه الفوضى والميليشيات والاقتصاد الأسود والحدود الرخوة وأحقاد الأجيال.
والأدهى أن الحرب لم تعد إيرانية-إسرائيلية فقط؛ لقد أصبحت حرباً إقليمية بالمعنى الفعلي للكلمة. فلبنان يدفع الثمن سريعاً وبقسوة، إذ تواصل إسرائيل استهداف مناطق عدة، بينها الضاحية الجنوبية لبيروت، فيما تتحدث الأمم المتحدة ووكالاتها عن مئات القتلى وآلاف الجرحى وأكثر من 667 ألف نازح خلال أيام معدودة، مع خروج مستشفيات ومراكز صحية عن الخدمة. هذا ليس “أثراً جانبياً” لصراع بعيد، بل دليل صارخ على أن الجبهات الفرعية في الشرق الأوسط لا تبقى فرعية طويلاً؛ فهي سرعان ما تصبح ساحات مستقلة للخراب.
أما في إيران نفسها، فإن صورة “الحرب النظيفة” تنهار بالكامل أمام الوقائع. فقد أدت الضربات على منشآت النفط والتكرير قرب طهران إلى سحب دخانية سوداء كثيفة ومخاوف بيئية وصحية كبيرة، بينما قال السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة إن عدد القتلى المدنيين بلغ 1332 حتى 6 مارس، وهو رقم إيراني رسمي يحتاج دائماً إلى التعامل معه باعتباره تقديراً صادراً عن طرف في الحرب، لكنه يظل مؤشراً على حجم الكارثة الإنسانية الجارية. وفي كل الأحوال، حين تتحول العاصمة إلى هواء مسموم، لا يعود الحديث عن “ضربات دقيقة” أكثر من تعبير بارد لا يلامس حقيقة البشر الذين يتنفسون الرماد.
ثم هناك مضيق هرمز، أي الشريان الذي يذكّر العالم كله بأن الشرق الأوسط ليس مجرد جغرافيا صراعات، بل جغرافيا أعصاب الاقتصاد العالمي. فالمضيق يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، وأي اضطراب واسع فيه لا يبقى مسألة إقليمية، بل يتحول فوراً إلى أزمة عالمية في الأسعار والشحن والتأمين وسلاسل التوريد. وقد حذرت أرامكو من “عواقب كارثية” إذا استمر إغلاق المضيق، فيما تعمل بريطانيا مع حلفائها لدعم الملاحة التجارية، وتقول تقديرات صناعية إن نحو 1.9 مليون برميل يومياً من طاقات التكرير في الخليج تعطلت بالفعل بسبب الحرب. هنا تحديداً يتجلى فشل الرؤية العسكرية الضيقة: فكل من يظن أنه يعاقب إيران فقط، يجد نفسه يهدد الاقتصاد الدولي بأكمله.
وهذا ما يجعل الحرب الحالية مختلفة نوعياً عن جولات التصعيد السابقة. ففي الماضي، كان يمكن احتواء النار عند حدود “الردع المتبادل” أو الرسائل المدروسة. أما اليوم، فهناك انتقال واضح إلى منطق استنزاف طويل النفس. رويترز نقلت عن تقديرات وتحليلات أن إيران تراهن على القدرة على الاحتمال وإرباك الطاقة العالمية واستنزاف خصومها سياسياً واقتصادياً، حتى وهي تتلقى ضربات قاسية. هذه النقطة بالذات تستحق التوقف: الدولة التي تبدو ضعيفة عسكرياً قد تكون ما تزال قادرة على جعل كلفة الحرب على الجميع مرتفعة جداً. ومنطق “الخصم ينهار قريباً” كثيراً ما كان في تاريخ الحروب بوابة إلى تورط أطول وأغلى.
ومن داخل إيران، يبدو أن الحرب لا تُنتج بالضرورة الانهيار الذي يراهن عليه خصوم طهران، بل قد تُنتج العكس: مزيداً من التشدد والانغلاق الأمني. فقد عبّرت تطورات الأيام الأخيرة، ومن ضمنها انتقال موقع المرشد الأعلى إلى مجتبى خامنئي بعد مقتل علي خامنئي وفق التقارير المتداولة، عن تماسك الدائرة الصلبة للنظام أكثر مما عبّرت عن تفككه. وحتى إن ظل هذا التماسك هشاً أو مفروضاً بقوة الأجهزة، فإنه يكفي لإسقاط الفرضية الساذجة التي تقول إن القصف الخارجي سينتج تلقائياً انفتاحاً سياسياً أو “تحريراً” داخلياً. كثيراً ما تنتج الحروب الخارجية أثراً معاكساً: تتراجع السياسة، ويصعد الأمن، وتُؤجَّل الأسئلة الإصلاحية أمام خطاب “البقاء أولاً”.
ولهذا تبدو قراءة باحثين مثل سنم وكيل في “تشاتام هاوس” بالغة الأهمية: اللحظة الحالية، في تقديرها، لحظة حرجة ستعيد تشكيل المنطقة وستؤثر بعمق في إيران نفسها، كما أن الإيرانيين سيكونون من سيدفع الثمن الأكبر، لأن ما يجري بالنسبة لطهران لم يعد مجرد جولة تصعيد قابلة للتجميد، بل أصبح حرب بقاء لا تبدو مرشحة لأن تنتهي سريعاً. هذا التقدير لا يبرئ أحداً، لكنه يضع الإصبع على الحقيقة المركزية: من يفتح باب الحرب على مصراعيه في الشرق الأوسط، لا يستطيع أن يحدد وحده أين تتوقف الريح.
إن أكثر ما يثير القلق أخلاقياً وسياسياً هو هذا الاستخفاف بفكرة “اليوم التالي”. ماذا بعد تدمير البنية الإيرانية؟ من سيدير دولة كبرى متعددة الأعراق والمراكز والقوى؟ من سيمنع الانزلاق إلى تفكك أمني أو اقتصادي أو إلى موجات نزوح ضخمة؟ من سيضمن ألا تتحول إيران المنهكة إلى مصنع أزمات يصدّر الخوف إلى جوارها القريب والبعيد؟ الأوروبيون قلقون من هذا السيناريو، ليس فقط خوفاً على الطاقة، بل أيضاً خوفاً من نسخة جديدة من الفوضى الممتدة التي خبرها الإقليم في العقود الأخيرة. ومن المفارقة أن الذين يرفعون شعار “الأمن” قد يكونون، بسياساتهم نفسها، بصدد صناعة أكثر البيئات خصوبة لانعدام الأمن.
ومن جهة أخرى، لا يمكن تجاهل أن هذه الحرب تمنح إسرائيل والولايات المتحدة مكاسب تكتيكية آنية، لكنها قد تُغرقهما في خسائر إستراتيجية بعيدة المدى. نعم، يمكن تدمير مواقع وإضعاف شبكات وإرباك القدرات الصاروخية والبحرية الإيرانية، لكن ماذا عن الشرعية السياسية؟ ماذا عن صورة الغرب في أعين شعوب المنطقة؟ ماذا عن الرسالة التي تصل إلى أجيال عربية وإيرانية كاملة وهي ترى أن لغة القوة لا تزال تتقدم على القانون الدولي والمفاوضات والضمانات المتبادلة؟ إن الحروب لا تُقاس فقط بعدد الأهداف التي تُدمَّر، بل أيضاً بعدد الأحقاد التي تُولدها، وعدد الراديكاليات التي تُغذيها، وعدد السنوات التي تحتاجها المنطقة لتتعافى من آثارها النفسية والسياسية.
لهذا أرى أن الحرب على إيران، بصيغتها الحالية، ليست طريقاً إلى شرق أوسط أكثر استقراراً، بل وصفة لتفكيك ما تبقى من توازناته الهشة. إنها حرب تخلط بين الردع والانتقام، وبين الملف النووي ومشروع إعادة هندسة المنطقة بالقوة، وبين الأهداف العسكرية المعلنة والرغبات السياسية المستترة. وهي، فوق ذلك كله، حرب تكشف مرة أخرى أن المنطقة ما زالت تُدار في لحظات الأزمات الكبرى بعقلية النار أولاً، ثم التفكير لاحقاً، مع أن “لاحقاً” في الشرق الأوسط يأتي دائماً محملاً بالأنقاض والجثث والفواتير المفتوحة.
ما تحتاجه المنطقة اليوم ليس مزيداً من القصف، بل وقفاً سريعاً للتصعيد، وفتحاً لمسار سياسي جاد حول الملف النووي والأمن الإقليمي والممرات البحرية، بضمانات دولية واضحة وآليات رقابة قابلة للتنفيذ. قد يبدو هذا الكلام مثالياً في لحظة تمتلئ بالدخان والصواريخ، لكنه في الحقيقة أقل كلفة وأكثر واقعية من وهم الحسم العسكري. فالحسم في الشرق الأوسط نادراً ما يكون حسماً؛ إنه غالباً اسم آخر لتأجيل الانفجار التالي.
وفي النهاية، ليست المسألة أن إيران بريئة، ولا أن إسرائيل أو الولايات المتحدة تتحركان خارج منطق مصالحهما؛ المسألة أن المنطقة كلها تُدفع مرة أخرى إلى حافة هاوية يعرف الجميع كيف يبدأ السقوط إليها، ولا أحد يعرف كيف يخرج منها. وهذه، في تقديري، هي الخلاصة الأصدق: الحرب على إيران قد تمنح بعض العواصم شعوراً لحظياً بالقوة، لكنها تسرق من الشرق الأوسط سنوات جديدة من الاستقرار، وتدفع شعوبه ثمناً جديداً لحسابات الكبار. وما لم يتوقف هذا الجنون، فإن التاريخ لن يذكر هذه الحرب باعتبارها “حلاً”، بل باعتبارها فصلاً جديداً في صناعة الفوضى باسم الأمن.