افتتاحية
الدكتور عمر الشرقاوي والوطنية التي لا تُقاس بالتخوين: لماذا يحتاج المغرب إلى خطاب ديمقراطي يحمي الاختلاف؟ الحنبلي عزيز

#الحنبلي عزيز
في كل مرة يشتد فيها التوتر السياسي أو الإقليمي، يطفو على السطح خطابٌ يحاول تقسيم المغاربة إلى وطنيين “حقيقيين” وآخرين مشكوك في وطنيتهم، فقط لأنهم يختلفون في ترتيب الأولويات أو في التعبير عن مواقفهم من القضايا العادلة. هكذا تُختزل السياسة في أوصاف نفسية جارحة، ويُختزل المواطن في تهمة جاهزة، بدل أن يُناقَش رأيه وحجته وموقعه من القانون. والحال أن دولة الحق والقانون لا تُبنى بالتصنيفات الإقصائية، بل بالاعتراف بأن الاختلاف جزء من الحياة العامة، وأن الوطنية لا يحتكرها أحد.
الدستور المغربي نفسه لا يؤسس لدولة الصوت الواحد، بل لدولة المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة، ويجعل النظام الدستوري قائما على فصل السلط وتوازنها وتعاونها وعلى الديمقراطية المواطنة والتشاركية. كما يكفل حرية الفكر والرأي والتعبير وحق نشر الأخبار والأفكار والآراء بكل حرية. والمجلس الوطني لحقوق الإنسان شدد بدوره على أن حرية التعبير والتجمع السلمي من أسس المشاركة والديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون والتعددية.
ومن هذه الزاوية بالذات، تبدو النقاط العشر المتداولة المنسوبةً إلى الدكتور عمر الشرقاوي خطابا مربكا لروح النضال الوطني المغربي. فالحركة الوطنية، بحسب الأدبيات الرسمية المغربية نفسها، لم تربط معركة الاستقلال فقط بالسيادة الترابية، بل ربطتها أيضا بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وبناء دولة يسودها سلطان القانون. معنى ذلك أن الوطنية المغربية، في أصلها، ليست نقيضا للحرية، بل حاضنة لها؛ وليست خصما للتعدد، بل إطارا لتنظيمه.
أول ما يلفت في هذه النقاط هو أنها تجعل من الوطنية معيارا أخلاقيا مغلقا: من لا يرى الأشياء كما نراها يُتَّهم بالعدمية، ومن لا يرتب القضايا كما نرتبها يُشتبه في ولائه. وهذا منطق خطير، لأن الوطنية لا تُقاس بالصمت، ولا بالتصفيق، ولا برفض التضامن مع قضايا خارج الحدود. يمكن للمغربي أن يكون وفيا لبلده، وفي الوقت نفسه منحازا أخلاقيا إلى قضايا التحرر والعدالة، من دون أن يفقد ذلك انتماءه الوطني أو يتحول إلى “كائن سياسي مغترب”.
كما أن وصف المخالف بأنه “خائن” أو “متصهين” أو “عميل” لا ينتمي إلى لغة السياسة الديمقراطية، بل إلى لغة التشهير والإعدام الرمزي. فالديمقراطية لا تطلب من المواطن أن يذوب في الإجماع، وإنما تضمن له الحق في النقد والمساءلة والاختلاف. ومن ثم، فإن تخوين كل من يقدّم قراءة مغايرة للمصلحة الوطنية لا يحمي الوطن، بل يضعف المجال العمومي، ويحوّل النقاش من صراع أفكار إلى تبادل للنعوت.
أما الحديث عن “انتقائية المظالم” و”العنف اللفظي” و”الهروب من الواقع المحلي”، ففيه جزء قد يصح على بعض الخطابات المتطرفة كيفما كان موقعها، لكنه لا يجوز أن يتحول إلى حكم جماعي على كل من يتضامن مع فلسطين أو ينتقد السياسات الرسمية أو يرفع سقف الاحتجاج. ذلك أن وجود مبالغات أو تناقضات في بعض الخطابات لا يبرر شيطنة تيار اجتماعي أو سياسي بكامله، ولا يبرر تحويل الاختلاف المدني إلى مرض نفسي أو عطب وطني.
ثم إن التضامن مع فلسطين، أو مع أي قضية عادلة، لا ينبغي أن يُقدَّم بوصفه نقيضا للإصلاح الداخلي. هذا فصلٌ تعسفي بين مستويين يمكن أن يجتمعا: الدفاع عن الكرامة هنا، والتضامن مع المظلوم هناك. بل إن الوعي الحقوقي الحقيقي هو الذي يرفض الظلم أينما كان، من دون أن يسقط في ازدواجية المعايير، ومن دون أن يجعل من القضية الوطنية شماعة لإسكات كل صوت معارض، أو يجعل من القضايا الخارجية ذريعة لاحتقار مؤسسات بلده.
وفي مسألة “الولاء القانوني”، نعم، لا يمكن لأي ممارسة سياسية أن تكون فوق القانون، لكن القانون في الدولة الديمقراطية ليس أداة لإسكات الضمائر، بل إطار لتنظيم الحريات وضمان التوازن بين الحقوق والواجبات. لهذا شدد المجلس الوطني لحقوق الإنسان على أن حرية التعبير حق دستوري، وأن الحق في التجمع السلمي مكفول، مع رفض العنف والتحريض عليه. هذا هو المعيار السليم: لا التخوين، ولا الفوضى، بل حرية مسؤولة داخل سقف القانون.
إن الدور الحقيقي للنضال الوطني من أجل الديمقراطية ودولة الحق والقانون هو أن يحمي المجتمع من هذا النوع من الخطابات الإقصائية، وأن يرسخ فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: الوطن يتسع للاختلاف، والدولة القوية ليست التي تُخرس مواطنيها، بل التي تضمن لهم حق الكلام والاحتجاج والنقد، وتحاكم الأفعال بالقانون لا النوايا بالتصنيف. فحين يتحول الخلاف السياسي إلى معجم من الوصم والاشتباه، نخسر جميعا: تخسر السياسة معناها، ويخسر الوطن أحد أهم شروط قوته، وهو تعدد الأصوات داخل وحدة الانتماء.
# مدير نشر و باحث في العلوم السياسية




