قصة التطرف والجماعات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء (الجزء الثاني)

أحمد رباص ـ تنوير
في 4 أكتوبر 2017، سقط أعضاء الولايات المتحدة في فرقة عمل العمليات الخاصة في كمين رتبته جماعة تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية في تونجو تونجو بالنيجر، مما أدى إلى مقتل أربعة جنود. وما تزال الولايات المتحدة أيضا أكبر المانحين بلمساعدة الإنسانية؛ واستمرت في تقديم التدريب العسكري، مثل برنامج فلينتلوك؛ وسلمت للمنطقة بلغت تكلفتها ملايين الدولارات.
ورغم المشاركة الدولية المتزايدة، فقد تسببت الحملة ضد المسلحين بدلاً من ذلك في انتشار التشدد إلى البلدان عبر الساحل. هذا الفشل المقترن بتآكل شعبية فرنسا في مستعمراتها السابقة قاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للإعلان يوم 13 يوليو 2021 أن عملية برخان ستنتهي في الربع الأول من عام 2022. وفي فبراير 2022، أعلنت فرنسا وحلفاؤها الأوروبيون المنتمين إلى فرقة العمل تاكوبا عزمهم على سحب جميع قواتهم من مالي، منهين بذلك تدخلهم الذي دام قرابة عقد من الزمن.
استغل المتطرفون العنيفون الفراغ الأمني الناتح عن ذلك فتصاعدت الهجمات عبر منطقة الساحل. شهدت الأشهر الستة الأولى من عام 2022 زيادة دراماتية في الهجمات، خاصة في منطقة ليبتاكو-غورما وامتدت إلى ساحل غرب إفريقيا. أكثر من ألفي مدني قُتلوا خلال هذه الفترة، بزيادة قدرت بأكثر من 50٪ مقارنة بعام 2021. وقد استهدفت العديد من الهجمات على وجه التحديد بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي، والتي أطلق عليها اسم “الأمم المتحدة ذات المهمة الأكثر خطورة لحفظ السلام”. وبدلاً من الدعم الفرنسي، طلب المجلس العسكري المالي المساعدة الأمنية من مجموعة فاغنر، وهي منظمة مرتزقة روسية تشارك في سياقات هشة أخرى بما في ذلك جمهورية إفريقيا الوسطى وليبيا وموزمبيق والسودان وسوريا وأوكرانيا. منذ دخولها إلى القارة السمراء في ديسمبر 2021، نشرت مجموعة فاغنر ألف مرتزق في مالي متمركزين في خمسة عشر موقعا استيطانيا، بما فيها القواعد الفرنسية السابقة. كان شهر مارس 2022 هو الشهر الأكثر دموية الذي سجله مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاع المسلح منذ عام 1997، بالتزامن مع تجدد النشاط من قبل تنظيم الدولة الإسلامية على طول الحدود بين النيجر ومالي ومذبحة مورا في وسط مالي. وفي 23 مارس، أطلق جنود ماليون برفقة مرتزقة روس من مجموعة فاغنر هجوما لمدة خمسة أيام على البلدة للقضاء على المسلحين الإسلاميين، مما أسفر عن مقتل أكثر من ثلاثمائة مدني.
تدهورت آفاق جهود محاربة الإرهاب الإقليمية والدولية بشكل أكبر في ماي 2022 عندما قامت الحكومة المالية رسميا بإنهاء العمل بمعاهدة التعاون الدفاعي مع فرنسا إلى جانب اتفاقية وضع القوة التي كانت تحكم فرنسا سابقا وعمليات الاتحاد الأوروبي في البلاد. وانسحبت الحكومة العسكرية في مالي أيضا من منطقة دول الساحل الخمس (G5)، وبذلك قللت بشكل كبير من قدرة المنظمة على مكافحة الإرهاب.
في يونيو، قتلت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين 132 قرويا في وسط مالي، بعد هجوم كان الأكثر دموية من نوعه على المدنيين منذ الانقلاب.
وفي يونيو 2023، طالبت حكومة مالي برحيل بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي، وهي قوة أممية لحفظ السلام. وافقت الأمم المتحدة على ذلك وانسحبت في غضون ستة أشهر، مما أثار مخاوف من فراغ في السلطة وانتكاسات في انتقال مالي إلى الحكم المدني؛ الشيء الذي طالب به المجلس العسكري مراهنا على استفتاء يونيو 2023 كخطوة أولى على هذا المشوار. ولعبت البعثة المتكاملة أيضا دورا رئيسيا في تهدئة الانفصاليين الطوارق، الذين حذروا من أن رحيل الأمم المتحدة سيوجه ضربة قاتلة لاتفاقية السلام.
أدت الأزمة الإنسانية الحادة إلى تفاقم التهديد الذي شكله التطرف العنيف على الاستقرار الإقليمي. هرب من النزاع خلال العقد الأخير 2.6 مليون مدني في ليبتاكو جورما و 2.8 مليون في حوض بحيرة تشاد، مع تدفق مئات الآلاف من اللاجئين إلى البلدان المجاورة.
تعتبر دول الساحل باستمرار من بين دول العالم التي تعاني من معضلات معقدة كالفقر وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع معدلات البطالة وأسرع نمو سكاني في العالم. لطالما تم الاعتراف بأزمة حوض بحيرة تشاد باعتبارها موطنا لواحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم بسبب الضرر الجسيم لتغير المناخ وسوء الحكامة في المناطق القروية. درجات الحرارة في منطقة الساحل آخذة في الارتفاع بوتيرة فاقت سرعتها المتوسط العالمي بمرة ونصف، مما أضر بشكل مباشر بسبل عيش الملايين الذين يعتمدون على الموارد الطبيعية. وقد أدى تناقص موارد الأراضي والمياه إلى تزايد التوترات والاشتباكات بين مجتمعات الرعي والزراعة وصيد الأسماك. ولم تساعد المنظمات المتطرفة العنيفة في تفاقم الظروف الإنسانية فحسب، بما في ذلك عن طريق استهداف العاملين في المجال الإنساني، بل استغلت أيضا ظروفا غير آمنة لتجنيد السكان والسيطرة عليهم في منطقة الساحل. وبالإضافة إلى ذلك، تزايدت الاقتصادات الهشة وانتشر النشاط غير المشروع للمتطرفين العنيفين والمنظمات الإجرامية في المنطقة، مما ساهم بشكل أكبر في عدم الاستقرار.
في يناير 2023، دعا خبراء الأمم المتحدة إلى إجراء تحقيق مستقل في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المحتملة التي ارتكبتها القوات الحكومية ومجموعة فاغنر في مالي. وأثبت الخبراء أن “مناخ الإرهاب والإفلات التام من العقاب” هو ما ميزت أنشطة مجموعة فاغنر في البلاد، مشيرين إلى مجزرة مورا في مارس 2022.
أصبح مستقبل فاغنر في غرب إفريقيا أقل تأكيدا بعد تمرد الجماعة الفاشل في يونيو 2023 في روسيا، لكن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف قال إن روسيا تسمح باستمرار عملياتها الإفريقية. في يوليوز 2023، اتهمت الولايات المتحدة زعيم مجموعة فاغنر يفغيني بريجوزين بكونه يتولى تنسيق قرار مالي بطرد بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي لتعزيز مصالح فاغنر. من جهتها، نفت بوركينا فاسو المجاورة تعاقدها مع مجموعة فاغنر، لكن الرئيس المؤقت قال إن دولة روسيا استراتيجي.
في غضون نفس السنة، واجهت قوات الأمن في مالي وبوركينا فاسو محاولات للكشف عن مسؤوليتها عن مذابح ذهب ضحيتها مدنيون. أولاً، في إبريل، ألقى الناجون من مذبحة في بوركينا فاسو اللوم على الجيش لقتله 136 مدنيا. ثم، في شهر ماي، أصدرت الأمم المتحدة تقريراً اتهمت فيه الجنود الماليين والمقاتلين الأجانب بتصفية أكثر من خمسمائة مدني في عملية مارس 2022. وفي الوقت نفسه، كثفت الجماعات المسلحة الهجمات على القوات التطوعية المدنية سيئة التدريب. انسحاب الأمم المتحدة من مالي زاد من مخاطر أعمال العنف ضد المدنيين، حيث حاولت الجماعات المتطرفة الاستيلاء على المراكز الحضرية كما فعلت في بوركينا فاسو.
وجه انقلاب 26 يوليوز في النيجر، التاسع في غرب أفريقيا خلال السنوات الثلاث الماضية، ضربة قوية لجهود مكافحة الإرهاب وتحقيق الاستقرار في منطقة الساحل. تصدت حكومة النيجر لمحاولة انقلاب في مارس 2021، قبل يومين من تولي الرئيس المنتخب محمد بازوم منصبه، لكن محاولة الانقلاب الأخيرة نجحت في الإطاحة به. ورغم الضغط من جانب الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، بالإضافة إلى العقوبات والتهديد بالتدخل العسكري، رفض قادة الانقلاب التنازل عن السلطة معلنين حكومة جديدة.
وأعلن أعضاء المجلس العسكري منذ ذلك الحين أنهم سيحاكمون بازوم بتهمة الخيانة؛ علما بأنه يقبعىحاليا في مكان غير معلوم بعد هروب فاشل من منزله في نيامي. ردا على ذلك، قام الاتحاد الأفريقي بتعلق عضوية النيجر، في أول اتصال له بالمؤسسة منذ انعقادها مباشرة بعد الانقلاب. وقد دعمت الأنظمة العسكرية القريبة، غينيا وبوركينا فاسو ومالي، المجلس العسكري الذي تعهد مع المجلسين الآخرين بالتعامل مع التدخل العسكري في النيجر باعتباره “إعلان حرب”. وفي 16 سبتمبر، وقع القادة العسكريون في مالي وبوركينا فاسو والنيجر اتفاق دفاع مشترك، يعزز تحالفهما ضد التدخل الخارجي.
أصبحت النيجر آخر رائد في الغرب شريكا في محاربة الإرهاب في منطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة بعد سلسلة من الانقلابات في الدول المجاورة، لكن الاستيلاء يهدد بقلب وضعها كقوة حصن ضد فراغ السلطة المتوسع. بعد وقت قصير من الاستيلاء على السلطة، توقف قادة الانقلاب عن التعاون العسكري مع فرنسا التي نقلت قواتها إلى النيجر عام 2022 عندما تدهورت علاقاتها مع مالي. في 22 أكتوبر، أكملت فرنسا انسحاب قواتها من النيجر وأتمت عودتها إلى أرض الوطن، فيما تم نقل المعدات عبر تشاد والكاميرون.
وفي المقابل، أشارت الولايات المتحدة إلى أنها ستواصل إقامة علاقات عملية مع المجلس العسكري في النيجر. جاء ذلك بعد فترة وجيزة من تصنيف الولايات المتحدة رسمياً للاستيلاء العسكري على السلطة على أنه انقلاب، مما استلزم تعليق الولايات المتحدة لأكثر من 500 مليون دولار من المساعدات الاقتصادية والعسكرية. وما تزال الولايات المتحدة تحتفظ بنحو ألف جندي في البلاد، وقد استأنفت مؤخراً طلعات الطائرات المسيّرة وعمليات محاربة الإرهاب التي تُدار من قواعدها الموجودة هناك. ومع ذلك، يتزايد القلق من أن مجموعة فاغنر الروسية “تستغل” حالة عدم الاستقرار في النيجر لتوسيع نفوذها الإقليمي، كما حذر وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن بعد الانقلاب.
في غضون ذلك، تصاعدت وتيرة العنف المتطرف في منطقة الساحل. وشهدت الأشهر السبعة الأولى من عام 2023 مقتل ما لا يقل عن 7800 مدني، في ارتفاع ملحوظ مقارنةً بعام 2022، وفقا لمشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة. وتتناقض هذه البيانات مع مزاعم المجالس العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر بأنها عالجت انعدام الأمن بفعالية.
تقف مالي على حافة حرب أهلية مع تعزيز الجماعات الإسلامية ومتمردي الطوارق لسلطتهم في شمال البلاد. ويتزامن تصاعد العنف مع انسحاب قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، حيث تضاعفت الهجمات أكثر من مرتين منذ انتهاء المرحلة الأولى من انسحابها في غشت. وقد استغلت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الانسحاب بشكل خاص لشن هجوم جديد، حيث فرضت حصارا على مدينة تمبكتو الشمالية ونفذت سلسلة من الهجمات على أهداف عسكرية ومدنية. في الوقت نفسه، أعادت مالي نشر قواتها في الشمال الشرقي مع تصاعد حدة الاشتباكات مع متمردي الطوارق المنتمين إلى تحالف حركات أزواد. ويُقال إن مجموعة فاغنر تقود الهجوم المالي للسيطرة على معقل المتمردين في كيدال.
امتدت أعمال العنف الأخيرة في مالي إلى بوركينا فاسو والنيجر المجاورتين. ففي الخامس من سبتمبر، قُتل سبعة عشر جنديا وستة وثلاثون مقاتلا متطوعا في اشتباكات مع مسلحين إسلاميين في شمال بوركينا فاسو. وبعد أقل من شهر، قُتل تسعة وعشرون جنديا في هجوم شنه تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى (داعش-الغرب) في غرب النيجر. وقد أدى تفاقم عدم الاستقرار إلى تراجع متزايد في الديمقراطية، حيث تكافح الحكومات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر لاستعادة السيطرة في أعقاب تراجع الدعم الدولي.
(انتهى)



