افتتاحية
العالم العربي في قبضة الاستبداد والتفكك والصراعات: حين تتحول الثروة إلى نقمة
منذ أسبوعين
255 3 دقائق

الحنبلي عزيز
ليس من المبالغة القول إن العالم العربي يعيش اليوم واحدة من أكثر مراحله التاريخية اختناقاً وتعقيداً. فالأزمة لم تعد سياسية فقط، ولا دينية فقط، ولا حتى اقتصادية فقط؛ بل نحن أمام منظومة اختلال شاملة تتغذى من الاستبداد، وتتمدد عبر الطائفية، وتترسخ في التفكك الديني، وتُستغل من قوى إقليمية ودولية، وفي مقدمتها المشروع الصهيوني، بينما يدفع المواطن العربي الثمن من كرامته ولقمة عيشه ومستقبله.
لنبدأ من الحقيقة الصادمة: العالم العربي يمتلك ما يقارب 5% من الناتج الداخلي الإجمالي العالمي، ويضم أكثر من 450 مليون نسمة، أكثر من 60% منهم دون سن 30 سنة. أي أننا أمام طاقة بشرية هائلة، يفترض أن تكون محركاً للتنمية والابتكار. لكن الواقع يكشف مفارقة قاسية: هذه الكتلة الشبابية تحولت في كثير من البلدان إلى خزان للبطالة والإحباط والهجرة.
في بعض الدول العربية، تتجاوز معدلات البطالة لدى الشباب 25% إلى 35%، فيما تعاني دول أخرى من نسب فقر مرتفعة تصل إلى أكثر من 30% من السكان. أما التفاوت في توزيع الثروة، فهو من بين الأعلى عالمياً، حيث تستحوذ فئة محدودة على الجزء الأكبر من الموارد، بينما تعيش الأغلبية في الهشاشة. فكيف يمكن لمنطقة غنية بالنفط والغاز والموارد الطبيعية أن تعجز عن ضمان الحد الأدنى من العيش الكريم لشعوبها؟
الجواب لا يكمن فقط في الاقتصاد، بل في طبيعة الأنظمة السياسية. فالاستبداد لم يعد مجرد خيار سياسي، بل أصبح نمط حكم يعيد إنتاج التخلف. أنظمة تُغلق المجال العام، تُفرغ المؤسسات من مضمونها، وتُحول الدولة إلى جهاز للضبط بدل أن تكون أداة للتنمية. وفي ظل غياب المحاسبة، يتحول الفساد إلى قاعدة، لا استثناء، وتُهدر الثروات في شبكات الزبونية بدل الاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية.
لكن الأخطر هو أن هذا الاستبداد وجد في التفكك الديني والطائفي أداة مثالية للبقاء. فبدل بناء مواطنة جامعة، يتم تغذية الانقسامات: سنة ضد شيعة، مسلمين ضد مسيحيين، أغلبية ضد أقليات. وهكذا، يتحول الدين—الذي يفترض أن يكون عامل وحدة—إلى سلاح سياسي يُستخدم لتقسيم المجتمعات وإضعافها.
ولنكن أكثر صراحة: هذا التفكك لم يعد داخلياً فقط، بل أصبح جزءاً من حروب إقليمية مفتوحة. من غزة التي تعيش تحت الحصار والقصف، إلى جنوب لبنان الذي يقف على حافة الانفجار، إلى اليمن الغارق في كارثة إنسانية، إلى سوريا التي تحولت إلى خريطة نفوذ، إلى العراق الذي لم يخرج بعد من دوامة الطائفية، وصولاً إلى القضية الكردية التي تعكس فشل الدولة الوطنية في استيعاب التنوع.
وفي قلب هذه الفوضى، يبرز عامل لا يمكن تجاهله: الصهيونية. ليس فقط كاحتلال لفلسطين، بل كقوة تستفيد من كل لحظة ضعف عربي. فكلما تفكك الداخل العربي، وكلما اشتدت الصراعات البينية، كلما تعزز موقع إسرائيل إقليمياً. بل إن استمرار الأزمات العربية أصبح، بشكل غير مباشر، أحد عناصر استقرارها الاستراتيجي.
لكن هل الصهيونية وحدها المسؤولة؟ قطعاً لا. فالمأساة الحقيقية هي أن الأنظمة العربية نفسها ساهمت في إضعاف مجتمعاتها، إما بالقمع، أو بسوء التدبير، أو بتغذية الانقسامات. بل إن بعض هذه الأنظمة استخدمت القضية الفلسطينية كشعار، بينما كانت تمارس في الداخل سياسات تناقض أبسط مبادئ العدالة.
أما إيران، فقد استثمرت بدورها في هذا الفراغ، عبر توظيف البعد المذهبي لتوسيع نفوذها في العراق وسوريا ولبنان واليمن. والنتيجة؟ منطقة ممزقة بين مشاريع نفوذ متصارعة، وشعوب عالقة في الوسط.
اقتصادياً، الصورة أكثر قتامة. رغم أن بعض الدول النفطية تحقق ناتجاً داخلياً مرتفعاً، فإن هذا الثراء لا ينعكس بالضرورة على رفاه المواطن. ففي العديد من الدول غير النفطية، لا يتجاوز متوسط الدخل الفردي 4000 إلى 8000 دولار سنوياً، بينما ترتفع معدلات التضخم وتآكل القدرة الشرائية. أما الاستثمار في البحث العلمي، فلا يزال دون 1% من الناتج الداخلي في معظم الدول العربية، مقارنة بأكثر من 2% إلى 3% في الدول المتقدمة.
بمعنى آخر: نحن أمام منطقة غنية… لكنها غير عادلة، شابة… لكنها مُحبطة، موحدة ثقافياً… لكنها ممزقة سياسياً ودينياً.
السؤال الحقيقي اليوم ليس: لماذا تعيش المنطقة هذه الأزمات؟ بل: لماذا تستمر؟
الجواب بسيط وصادم في آن واحد: لأن هناك توازناً غير معلن بين الاستبداد الداخلي، والتفكك المجتمعي، والتدخلات الخارجية. توازن هش، لكنه كافٍ لإبقاء الوضع على ما هو عليه.
الخروج من هذه الدوامة لا يمكن أن يتم بشعارات، ولا بإصلاحات سطحية. المطلوب هو تحول جذري:
-
بناء دولة المواطنة بدل دولة الطوائف
-
توزيع عادل للثروة بدل اقتصاد الريع
-
تحرير المجال السياسي بدل قمعه
-
تحييد الدين عن الصراعات بدل توظيفه




