محمد جرو/تنوير/
عقدت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل برلمانها الوطني اليوم الأحد خامس ابريل بالمقر المركزي بالعاصمة الإقتصادية للملكة ،في ظل سياقات وطنية وعالمية،وقد قدم الكاتب العام لأكبر مركزية نقابية خالد علمي لهوير كلمة باسم المكتب التنفيذي،في أول دورة للمجلس الوطني بعد المؤتمر الوطني السابع، وبعد استكمال بناء الأجهزة الوطنية، في محطة تنظيمية وسياسية ونضالية تكتسي أهمية خاصة. وتنبع أهمية هذه الدورة ليس فقط من موقعها بعد المؤتمر، بل أيضا من طبيعة المرحلة التي تنعقد فيها، بما يطبعها من تحولات جيوسياسية عميقة وتحديات متزايدة، وضغوط كبيرة على أوضاع الطبقة العاملة والمتقاعدين و عموم الفئات الشعبية.
ذات المتحدث ،أكد في نفس الكلمة ،أن الدورة “ليست مجرد موعد تنظيمي عادي يندرج في السير المعتاد لمؤسسات منظمتنا، بل هي لحظة جماعية لتثبيت مخرجات المؤتمر الوطني السابع، واستحضار اختياراته الكبرى، وترجمة توجهاته إلى مهام عملية واضحة، سياسية وتنظيمية ونضالية”
لهوير باسم المكتب التنفيذي ،أضاف أن دورة المجلس الوطني هو مناسبة لتدقيق أولويات المرحلة، وتقوية وحدتنا الداخلية، ورفع جاهزية منظمتنا، حتى تواصل الكونفدرالية الديمقراطية للشغل أداء دورها التاريخي في الدفاع عن الطبقة العاملة وعموم الجماهير الشعبية، وفي صيانة خطها النقابي الكفاحي الديمقراطي المستقل.
الكلمة تضمنت رسائل لمن يهمهم الأمر ،حيث قال لهوير ،بأن »كدش» ليست فقط تنظيما نقابيا من بين باقي التنظيمات، بل هي تجربة نضالية راكمت عبر عقود طويلة حضورا وازنا في المجتمع، وساهمت في تأطير الطبقة العاملة، وفي الدفاع عن الحقوق والحريات والكرامة، وفي ربط النضال الاجتماعي بالنضال الديمقراطي، وهي مدرسة نضالية تأسست على الاستقلالية، وعلى الديمقراطية الداخلية، وعلى التقدمية، وعلى الجماهيرية، وعلى الإيمان بأن النقابة ليست جهازا إداريا ولا ملحقة لأية جهة، وإنما إطار كفاحي حر، منحاز بوضوح لمصالح العمال والعاملات وسائر الكادحين. إن الوفاء لهذه المرجعيات ليس ترديدا لشعارات، بل هو تمثل حي لمعناها في الممارسة وفي الموقف، وفي طريقة قراءة الواقع، وفي كيفية بناء التنظيم، وفي طبيعة علاقتنا بالشغيلة وبالمجتمع”
ومن بين ما أشار له الكاتب العام ل”سيديتي” أن استكمال الهياكل بعد المؤتمر ليس نهاية مسار، بل عملية تراكمية، فالمؤتمر السابع لمنظمتنا فتح الأفق، لكن الأجهزة النقابية بكل مستوياتها هي التي تعطي لذلك الأفق أدواته و مضمونه الفعلي الذي يتحدد بمدى قدرتنا على تحويل مخرجات المؤتمر إلى ممارسة يومية، وإلى تأطير وتعبئة وإلى مبادرات نضالية وتنظيمية، وإلى حضور أقوى في مواقع العمل والإنتاج والخدمات، وإلى تواصل دائم مع الطبقة العاملة وداخل المجتمع.
كلمة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل ،لم تنسى أن دورة برلمان النقابة ينعقد والعالم يعيش على وقع حروب إمبريالية صهيونية متسعة (الحرب على إيران، وبالأمس على العراق وغدا على من يأتيه الدور)، وتوترات جيوسياسية متفاقمة، وصراعات على النفوذ والثروات، وعودة قوية لمنطق الهيمنة و التدخل العسكري، في وقت تتعمق فيه اللامساواة بين الدول وداخل المجتمعات، وتتزايد فيه هشاشة الفئات العاملة والفقيرة، وتشتد فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على الشعوب .يقول خالد علمي لهوير ..
وأضاف ،ولسنا أمام أحداث معزولة أو ظرفية، بل أمام مشهد عالمي مضطرب يعاد فيه تشكيل موازين القوة، وتتقدم فيه المصالح الكبرى للرأسمال العالمي والقوى المهيمنة على حساب حاجات الشعوب وحقها في السلم والكرامة والتنمية والعدالة، وفي خرق للقانون الولي.
واستطرد الزعيم النقابي في كلمته أمام الكونفدراليات والكونفدراليين “أن الحركة النقابية لا يمكن أن تنظر إلى ما يجري في العالم وكأنه شأن بعيد لا يمسها. لأن ما يقع خارج الحدود ينعكس سريعا على أوضاع الشغيلة داخل كل بلد. الحروب لا تنتج فقط الدمار والمآسي الإنسانية، بل تؤدي أيضا إلى اضطراب الأسواق، وارتفاع أسعار الطاقة، وغلاء النقل، وارتفاع كلفة التأمين والإنتاج، واختلال سلاسل التوريد، وتفاقم الضغوط التضخمية. وفي نهاية المطاف، فإن الذي يؤدي الفاتورة الكبرى ليس هو الرأسمال الكبير، بل الطبقة العاملة والفئات الوسطى والفقيرة، التي تجد نفسها مرة أخرى مطالبة بتحمل كلفة أزمات لم تصنعها”.
ليخلص نفس المتحدث ،إلى أن موقف المركزية النقابية ، من الحروب والعدوان والتدخلات الخارجية ليس موقفا إنسانيا مجردا فقط، والعدالة الدولية ليست قضية سياسية مجردة، بل جزء من معركة أوسع ضد الاستغلال والهيمنة ونهب الثروات وفرض التبعية.
وفي صميم هذا الوعي، تظل القضية الفلسطينية حاضرة في وجدان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل باعتبارها قضية مبدئية عادلة، وقضية تحرر وطني وإنساني لا تقبل المساومة أو الحياد. ونجدد التأكيد على موقفنا الثابت في دعم ومساندة الشعب الفلسطيني في مقاومته وكفاحه المشروع، وتمسكه بحقوقه الوطنية والتاريخية كاملة غير منقوصة، وفي مقدمتها حقه في التحرر، وإنهاء الاحتلال، وبناء دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، ونجدد رفض منظمتنا القاطع لكل أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني، القائم على الاحتلال والعدوان والاستيطان واغتصاب الأرض والحقوق. كما ندين القرار الخطير الذي اتخذه الكيان الصهيوني المجرم والقاضي بسنّ تشريع يفرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين، بما يشكله ذلك من تصعيد إجرامي وعنصري وانتهاك صارخ للقانون الدولي ولأبسط مبادئ العدالة والحق في الحياة.
وفي حديثه عن تداعيات السياق الدولي على الأوضاع بالمغرب ،قال خالد علمي لهوير ،”إذا كانت هذه بعض ملامح السياق الدولي بما يحمله من حروب وتوترات واختلالات كبرى، فإن المغرب ليس بمنأى عن تداعياته وانعكاساته. فجزء مهم من الضغوط التي يعرفها الوضع الوطني يتغذى من هذا المناخ الدولي المضطرب، لكن أثره يتضاعف أيضا بفعل اختيارات داخلية لم تنجح في حماية المواطنات و المواطنين من كلفة الأزمات. ولذلك فإن قراءة أوضاعنا الوطنية تقتضي الربط بين ما تفرضه التحولات الدولية من ضغوط، وبين ما يكشفه الواقع الداخلي من اختلالات اجتماعية واقتصادية وسياسية متراكمة”.
مضيفا في نفس السياق ،”أننا أصبحنا أمام مفارقة صارخة بين خطاب رسمي يروج للدولة الاجتماعية، و واقع يومي مأزوم يعيشه المغاربة: أجور ومعاشات لاتواكب الأسعار، بطالة مرتفعة تمس الشباب والنساء والفئات الهشة، تفويت وسلعنة الخدمات العمومية، اتساع الفوارق، و الإقصاء والتهميش والاستغلال.
إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة معيشية، بل هو أيضا أزمة اختيارات وسياسات. لأن الغلاء ليس قدرا أعمى، وإنما له أسباب بنيوية واضحة، فعندما ترتفع الأسعار بشكل مستمر، وتتآكل القدرة الشرائية، وتتسع الهوة بين الدخول وكلفة الحياة، بينما تستفيد بعض المصالح من وضع الأسواق ومن المضاربات ومن أشكال الاحتكار والريع و تضاعف ثرواتها، فإننا نكون أمام اختلال عميق في أولويات السياسات العمومية وفي كيفية توزيع المجهود الوطني والثروة. وعندما يصبح الأجير هو الحلقة الأضعف التي يُطلب منها دائما أن تتحمل، وأن تصبر، وأن تتكيف، بينما تتوسع هوامش الربح والامتياز لدى فئات محددة، فإن الأمر لم يعد يتعلق فقط بالسوق، بل بطبيعة الدولة ووظيفتها الاجتماعية.
وفي شق الأوضاع المحلية ،جاءت كلمة المكتب التنفيذي للكدش لتتحدث عن أن “معركة القدرة الشرائية” بحسب كلمته ،”تظل في قلب أولوياتنا النضالية، ليس لأنها مطلب ظرفي، بل لأنها تمس جوهر الكرامة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات، فالمواطن المغربي أصبح في كثير من الأحيان يعيد ترتيب الضروريات نفسها. الغذاء، السكن، النقل، العلاج، التعليم، الطاقة، كل هذه الحاجات الأساسية أصبحت أكثر كلفة، في الوقت الذي لم تعرف فيه الأجور والمعاشات تحسنا كافيا يواكب هذا الارتفاع. وهذا يعني أن فئات واسعة من الأجراء والمتقاعدين وعموم ذوي الدخل المحدود والمتوسط أصبحت تعيش ضغطا يوميا ثقيلا، ينعكس على الاستقرار الأسري، وعلى الصحة النفسية والاجتماعية، وعلى الإحساس بالأمان والثقة في المستقبل”.
ولهذا فإن مطالبتنا بالزيادة في الأجور والمعاشات، وتخفيف العبء الضريبي، واتخاذ إجراءات فعلية للحد من الغلاء، هي مطالب عادلة وواقعية وضرورية حتى لا تبقى الطبقة العاملة والفئات الشعبية هي التي تدفع دائما ثمن الأزمات والاختلالات، بينما تظل الأرباح الكبرى والامتيازات غير المشروعة والاحتكارات والمضاربات في مأمن من المساءلة و الزجر الفعلي، وحتى تتحمل الدولة مسؤوليتها في مهامها الاجتماعية.
وربطا لجدلية النقابي بالسياسة ،كانت الأوضاع الإجتماعية في صميم كلمة الكدش ،بحيث أكدت على أن “الوضع الاجتماعي لا يمكن فصله عن الوضع السياسي العام، كما لا يمكن عزله عن القضايا الوطنية الكبرى لبلادنا. فنحن نعيش اليوم أزمة ثقة عميقة، و انسدادا للأفق السياسي وتراجعا في منسوب الأمل، وإحساسا متزايدا لدى فئات واسعة بأن المؤسسات والسياسات العمومية لا تستجيب للحاجات الحقيقية للمواطنين. كما يتأكد يوما بعد يوم تغول الرأسمال الريعي الاحتكاري، واتساع نفوذ المصالح الخاصة، واستفحال زواج المال بالسلطة، وتضارب المصالح، واستمرار الفساد بمختلف مظاهره، في وقت تحتاج فيه بلادنا، أكثر من أي وقت مضى، إلى مؤسسات ذات مصداقية، وإلى مشاركة شعبية أوسع، وإلى إنصاف فعلي، وإلى تحصين الجبهة الداخلية بما يمكن من مواجهة مختلف التحديات الدولية والوطنية الآنية والمستقبلية. وفي هذا الإطار، نؤكد أن الدفاع عن وحدتنا الترابية يظل قضية وطنية جامعة ومسؤولية جماعية، تقتضي مزيدا من التماسك الداخلي، وبناء ديمقراطية حقيقية، وإقرار عدالة اجتماعية ومجالية فعلية، كما أن الاستحقاقات التشريعية المقبلة ينبغي أن تشكل محطة سياسية فعلية تفرز مؤسسات ذات مصداقية، معبرة بحق عن الإرادة الشعبية، وقادرة على إعادة الاعتبار للفعل السياسي ولجدوى المشاركة، بما يقطع مع التزوير وصناعة الأغلبيات والفساد و الإفساد ومع إفراغ المؤسسات من مضمونها التمثيلي”.
وأضافت ،الكونفدرالية الديمقراطية للشغل،أنها بحكم تاريخها وموقعها و هويتها التي لا تفصل بين الاجتماعي والسياسي، ولأنها على “وعي بأن أوضاع الشغيلة لا تتحدد فقط داخل المقاولة أو الإدارة أو المؤسسة العمومية، بل تتحدد أيضا بطبيعة السياسات الاقتصادية، وبكيفية توزيع السلطة و الثروة، وبمستوى الحريات، وبالاختيارات الكبرى التي توجه البلاد. فإننا نعتبر أن المعركة الاجتماعية ترتبط عضويا بالمعركة من أجل بناء ديمقراطي حقيقي، كما ترتبط أيضا بضرورة تحصين الوحدة الوطنية وتقوية الجبهة الداخلية. ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى أفق سياسي ديمقراطي ، وإلى تقوية حضور اليسار الديمقراطي التقدمي المنحاز لقضايا الشغيلة وعموم الفئات الشعبية، باعتبار ذلك جزءا من معركة أوسع من أجل التغيير الديمقراطي والعدالة الاجتماعية وبناء مؤسسات ذات مصداقية تعبر فعلا عن تطلعات الشعب ومصالحه.”.
جوهر كلمة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل ،تجلت في طرح قضية الحريات النقابية نفسها باعتبارها قضية مركزية،والتي ركزت على أن الحرية النقابية ليست مطلبا ثانويا يمكن تأجيله أو التعامل معه بانتقائية، بل هي جزء لا يتجزأ من الحريات العامة. فالحق في التنظيم النقابي ليس امتيازا ممنوحا، بل حق أساسي مضمون بموجب كل المواثيق الدولية و الدستور. لكن واقع الممارسة اليومية يكشف استمرار أشكال متعددة من التضييق على العمل النقابي، سواء عبر استهداف المناضلين، أو محاصرة المكاتب النقابية، أو طرد أعضائها، أو رفض السلطات تسلم وصولات الايداع، أو التمييز ضد النقابيين، أو الالتفاف على دور التنظيمات التمثيلية، أو محاولة إفراغ الحوار الاجتماعي من محتواه الفعلي. إن المجتمع الذي يُراد فيه إضعاف النقابة المناضلة والمستقلة هو مجتمع يُراد فيه إضعاف كل أشكال التنظيم الجماعي والتعبير الديمقراطي والاحتجاج السلمي، فلا ديمقراطية بدون حريات نقابية، ولا استقرار اجتماعي حقيقي بدون احترام الحق في التنظيم. ونحن نرفض كل محاولة لتدجين النقابات، أو تحجيمها، أو التعامل معها كواجهة شكلية تُستدعى عند الحاجة وتُهمش عند اتخاذ القرار أو عند تنفيذ الالتزامات، لهذا دعا المكتب التنفيذي كل تنظيماتنا إلى اتخاذ كل الأشكال النضالية للدفاع عن الحريات النقابية.
ولأن الدورة تعقد على مرمى حجر من جولة أخرى من جولات الحوار الإجتماعي بين الفرقاء النقابيين والحكومة ،فقد اعتبرت كلمة كدش أن صلب هذه القضايا يطرح موضوع الحوار الاجتماعي نفسه. فالكونفدرالية الديمقراطية للشغل كانت دائما طرفا مسؤولا في المبادرة والتفاوض، وفي إبرام الاتفاقات، لأنها تؤمن بالحوار باعتباره أداة لتدبير الصراع الاجتماعي، وانتزاع الحقوق وتحقيق المكاسب، وبناء الاستقرار على قاعدة الإنصاف والاحترام المتبادل. لكننا في الوقت نفسه نرفض أن يتحول الحوار الاجتماعي إلى مجرد واجهة شكلية، أو إلى تقنية لتدبير الزمن السياسي، أو إلى وسيلة لامتصاص الاحتقان من دون نتائج ملموسة. خاصة ونحن أمام نهاية ولاية حكومية، وعلى أبواب استحقاقات انتخابية، بما يفرض مزيدا من الوضوح والمسؤولية، ويطرح في الآن نفسه سؤال المخاطب السياسي والحكومي القادر فعلا على الالتزام والتفاوض واتخاذ القرار في هذه المرحلة الدقيقة، بعيدا عن منطق تصريف الأعمال أو تأجيل الملفات الاجتماعية إلى ما بعد الانتخابات.
لذلك أكدت كلمة المكتب التنفيذي ،على أنه من جديد تطرح مسألةالثقة في الحوار التي لا تُبنى بالتصريحات، بل تُبنى بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، وباحترام آجال الالتزامات، وبجعل التفاوض آلية حقيقية لتحسين أوضاع الشغيلة والدفاع عن حقوقها. واتخاذ الإجراءات الضرورية عند الأزمات.
وأضافت ، أن الحوار الاجتماعي ينبغي أن يكون متعدد المستويات، لايقتصر على المستوى المركزي فقط، بل يمتد إلى القطاعات وإلى الجهات و أماكن العمل، وفي هذا السياق، فإننا نعتبر أن الاستجابة للمطالب الملحة التي يفرضها السياق الحالي، وعلى رأسها تحسين الأجور والمعاشات، وتخفيف العبء الضريبي، واحترام الحريات النقابية، وتنفيذ الالتزامات السابقة التي لم تعد قابلة لمزيد من التأجيل والتسويف، لا تحتمل مزيدا من الانتظار، والشغيلة لا يمكن أن تبقى رهينة لوعود متجددة من دون أثر ملموس.
ومن هذه النافذة تقول كدش أن المنطق الذي سيحكم تعاملها في جولة أبريل المقبلة من الحوار الاجتماعي رغم قناعتها بعدم “الرهان عليه كثيرا”،
لأن كل هذه المؤشرات تؤكد الحاجة إلى أفق جديد، إلى رؤية جديدة لعلاقة الدولة بالمجتمع، ولعلاقة الاقتصاد بالعدالة، ولعلاقة النمو بالإنصاف، ولعلاقة العمل بالكرامة،ومن هنا تطرح المركزية النقابية وبوضوح الحاجة إلى عقد اجتماعي جديد، وهو شعار فاتح ماي باعتباره ضرورة وطنية وتاريخية. لأن استمرار الأوضاع على ما هي عليه، واستمرار الفجوة بين الخطاب والواقع، وبين الثروة والفقر، وبين الحقوق والحاجات، لا يمكن أن يقود إلا إلى مزيد من الاحتقان والتفكك وفقدان الثقة.إن العقد الاجتماعي الجديد الذي ندعو إليه يجب أن يقوم على أسس واضحة،أن ينطلق من بناء ديمقراطي حقيقي، يضمن الإرادة الشعبية، ويؤسس لمؤسسات ذات مصداقية، ويكرس ربط المسؤولية بالمحاسبة، ويوسع مجال الحريات والحقوق، ويرد الاعتبار للأجر العادل والعمل اللائق، ويعتمد سياسات عمومية تنطلق من العدالة الاجتماعية والمجالية، ويؤسس لحوار اجتماعي مؤسساتي حقيقي، و يحقق عدالة جبائية فعلية، ويعيد الاعتبار للخدمات العمومية، ويضع حدا لتغول الريع والاحتكار والمضاربة، ويضمن التوزيع العادل للثروة الوطنية. ويقطع مع كل أشكال الفساد.
ومن أجل ذلك كله تقول كدش ،أن أول ما يحتاج إليه الكونفدراليات والكونفدراليون اليوم هو تقوية الجبهة الداخلية للكونفدرالية. ليس فقط عبر معالجة بعض الاختلالات التنظيمية، بل أساسا عبر ترسيخ ثقافة مؤسساتية ديمقراطية ومسؤولة تقوم على احترام الهياكل ووضوح المسؤوليات وحسن تدبير الاختلاف والربط بين حرية النقاش و الرأي ووحدة القرار و واجب الالتزام الجماعي به والمزيد من التضحيات.
إضافة أيضا إلى تعزيز الوحدة الكونفدرالية على قاعدة الديمقراطية الداخلية باعتبارها بناء جماعيا واعيا، يقوم على تغليب المصلحة العليا للتنظيم، وعلى الإيمان بأن ما يجمع المناضلات والمناضلين داخل هذا البيت الكونفدرالي أكبر من كل الاعتبارات الثانوية. واعتبرت الكلمة أن وحدتها (كدش) هي شرط من شروط قوتنا، وهي الضمانة الأساسية لمصداقية خطابنا ولمكانتنا وسط الشغيلة .كما أن المرحلة تفرض علينا رفع مستوى التأطير والتواصل والتعبئة حيث توجد الشغيلة، في مواقع العمل، وفي القطاعات التي تعرف الاستغلال وتراجع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وفي الجهات، وفي الأقاليم، وفي الفضاءات الاجتماعية والتي تتشكل فيها المطالب والتوترات. ومن هنا فإن تقوية الاتحادات المحلية والجهوية والقطاعات الكونفدرالية ليست مسألة تنظيمية تقنية فقط، بل خيار استراتيجي يحدد قدرة الكونفدرالية على الفعل والتأثير في ميزان القوى.
كلمة المكتب التنفيذي تناولت كذلك المهام المطروحة عليها والمتمثل في توسع الامتداد الكونفدرالي داخل عالم الشغل المتغير،لأنها أمام تحولات عميقة في طبيعة العمل وفي تركيبة الفئات العاملة. هناك توسع للهشاشة، واتساع للاقتصاد غير المهيكل، وصعود لأشكال جديدة من التشغيل المؤقت والموسمي، وتزايد للعمل في المناولة، وظهور لأنماط من العمل المرتبط بالمنصات والوسائط الرقمية، إلى جانب استمرار أوضاع قاسية في العديد من القطاعات والخدمات والحرف والمهن المختلفة.
وهذا الواقع يفرض على الكدش أن تجدد أدواتها التنظيمية، وأن تطور خطابها وأساليب عملها، وأن تنفتح بشكل أكبر على الشباب، وعلى النساء العاملات، وعلى الفئات الهشة، وعلى من هم خارج التغطية النقابية، وعلى العمالة المهاجرة، وعلى الباحثين عن العمل.
فمستقبل النقابة لا يُبنى فقط بالحفاظ على المواقع التقليدية، بل أيضا بالقدرة على التمدد داخل الفضاءات الجديدة لعالم الشغل، وبالقدرة على تقديم التنظيم النقابي باعتباره فضاء للتضامن والتأطير والدفاع الجماعي عن الحقوق.وذلك لن يتأتى لها إلا بربط بين الوفاء لمبادئ التأسيس وبين القدرة على قراءة التحولات الجديدة واستيعابها والتفاعل معها تنظيميا ومطلبيا ونضاليا.
ختام كلمة خالد علمي لهوير ،الكاتب العام للكدش ،خلال دورة المجلس الوطني ،دعت منتسبيها ومنخرطيها إلى مواصلة النضال والكفاح ،بإرادة جماعية وروح كفاحية عالية الرفع من مستوى التعبئة والجاهزية للقيام بالمهام التي تنتظرهم في مواصلة البناء التنظيمي بإشراك الشباب والنساء، وإنجاح معركة فاتح ماي، وخوض كل الأشكال النضالية مع تحديد شكلها وتوقيتها، والتحضير الواعي والمسؤول للانتخابات المهنية المقبلة.