وجهة نظر

الدولة الإدارية بين العقلنة البرلمانية والذكاء الترابي: من ضبط القرار إلى إعادة توزيع المعنى

مصطفى المنوزي*
( من وحي “” الدولة الإدارية وحدود الديمقراطية “” لمؤلفه الدكتور رشيد كديرة ، وفي سياق التحضير للمشاركة في ندوة بجامعة إبن زهر يوم 30 أبريل 2026 في نفس التيمة ، وبمداخلة تحت عنوان : ” من الوساطة الترابية إلى سؤال القرار – نحو حكامة تشريعية بين إكراهات الدولة الإدارية وآليات الخوصصة الناعمة ” ؛ أعددت المقال التمهيدي التالي وأهديه لجميع الأصدقاء وكذا كافة المشاركين في الندوة أعلاه )
في النقاش العمومي المغربي، كثيرًا ما تُقدَّم “الدولة الإدارية” بوصفها عائقًا أمام تعميق الديمقراطية، أو كآلية لضبط الفعل السياسي داخل حدود مرسومة سلفًا. غير أن هذا التوصيف، رغم وجاهته الجزئية، يظل اختزاليًا إذا لم يُستكمل بسؤال مضاد: هل يمكن تحويل الدولة الإدارية من جهاز للضبط إلى أداة للعقلنة، ومن منطق مركزي للقرار إلى فضاء لتقاسم الذكاء العمومي، خاصة على المستوى الترابي؟
بين هذين القطبين – العقلنة البرلمانية والذكاء الترابي – يتحدد اليوم أحد أهم رهانات الحكامة في المغرب.
العقلنة البرلمانية، كما استقرت في التجربة الدستورية المقارنة، لا تعني فقط تنظيم العلاقة بين السلط، بل تهدف أساسًا إلى تأطير الفعل التشريعي وضمان استقراره وفعاليته، عبر آليات تحد من التضخم التشريعي أو الانزلاقات الشعبوية. في السياق المغربي، أخذت هذه العقلنة طابعًا خاصًا، حيث تداخلت مع منطق الدولة الإدارية، فأصبحت في بعض الأحيان أقرب إلى ترشيد مضبوط للمبادرة البرلمانية، بدل أن تكون أفقًا لتوسيعها. وهكذا، تكرّس نوع من التوازن غير المتكافئ، تميل فيه الكفة لصالح المبادرة الحكومية، مقابل محدودية فعلية في تأثير مقترحات القوانين.
لكن هذه العقلنة، رغم حدودها، لا تخلو من إمكانات. فهي تتيح، من حيث المبدأ، بناء تشريع أكثر اتساقًا، قائمًا على تقييم الأثر، وضبط الأولويات، وربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن تفعيل هذه الإمكانات يظل رهينًا بقدرة الفاعلين البرلمانيين على تجاوز الدور الإجرائي، والانخراط في إنتاج المعنى التشريعي، لا الاكتفاء بالمصادقة عليه.
في المقابل، يبرز مفهوم الذكاء الترابي كأفق بديل أو مكمل، ينطلق من فرضية بسيطة: أن المجال ليس مجرد وعاء للتنفيذ، بل مصدر للمعرفة، ومنتج للحلول. فالفاعلون الترابيون – وفي مقدمتهم المنتخبون المحليون – يمتلكون رصيدًا من التجربة والمعرفة الميدانية، يمكن أن يشكل قاعدة لإعادة توجيه السياسات العمومية. غير أن هذا الرصيد يظل، في الغالب، غير مُفَعَّل داخل المنظومة التشريعية، بسبب ضعف قنوات الوساطة، وهيمنة المقاربة المركزية، وتغليب الخبرة التقنية المغلقة على المعرفة المعيشة.
غير أن هذا البناء النظري الذي يقوم على التوازن بين العقلنة البرلمانية والذكاء الترابي، يصطدم بمعطى أكثر تعقيدًا، يتمثل في الهيمنة الرمزية لما يُصطلح عليه بالدولة “العميقة”. فهذه الأخيرة لا تُمارس نفوذها فقط عبر التحكم في مراكز القرار أو توجيه السياسات، بل – وهو الأهم – عبر إنتاج منظومة من التمثلات التي تُحدد سلفًا ما يمكن التفكير فيه، وما يجب استبعاده. إنها سلطة ناعمة تُعيد تشكيل الحقول السياسية والقانونية من الداخل، عبر تكريس بداهات غير مُسائلة، مثل أولوية الاستقرار على حساب التداول، أو ترجيح المقاربة التقنية على النقاش العمومي.
ضمن هذا الأفق، لا تعود العقلنة البرلمانية مجرد آلية تنظيمية، بل قد تتحول – في بعض تجلياتها – إلى أداة لإعادة إنتاج هذه الهيمنة الرمزية، حين تُختزل في ضبط المساطر دون مساءلة خلفيات القرار. كما أن الذكاء الترابي، بدل أن يكون قوة اقتراحية بديلة، قد يتم احتواؤه وإعادة توجيهه داخل نفس النسق الرمزي، بحيث يُستثمر كمعطى تقني لا كرافعة لإعادة توزيع السلطة والمعنى.
تتعمق هذه المفارقة مع صعود ما يمكن تسميته بـآليات الخوصصة الناعمة، حيث لا يتم فقط إعادة توزيع أدوار التنفيذ، بل يُعاد تشكيل القرار العمومي ذاته عبر شبكات من الخبرة، ومؤسسات وسيطة، وفاعلين شبه عموميين. في هذا السياق، تصبح الدولة الإدارية وسيطًا مركزيًا في إدارة هذا التعقيد، لكنها قد تتحول أيضًا إلى قناة لإعادة إنتاج اختلالات جديدة: نقل القرار بعيدًا عن الرقابة البرلمانية، وإضعاف الصلة بين التشريع والمجال.
وإذا استحضرنا المقاربة القرارية، فإن السؤال لا يقف عند حدود من يُشرّع، بل يتجاوزها إلى من يملك القدرة على توجيه القرار فعليًا. فالعقلنة البرلمانية، حين لا تُدعَّم بذكاء ترابي حقيقي، قد تُفضي إلى نوع من “العقلنة الشكلية” التي تضبط المساطر دون أن تُحرر الاختيارات. في المقابل، يمكن للذكاء الترابي، إذا ما تم تأطيره مؤسساتيًا، أن يُعيد إدخال البعد التداولي إلى التشريع، وأن يحد من احتكار القرار داخل دوائر ضيقة.
من هنا، يبرز التحدي الحقيقي: ليس في المفاضلة بين الدولة الإدارية والبرلمان، ولا بين المركز والمجال، بل في إعادة تركيب العلاقة بين العقلنة والذكاء. أي في بناء نموذج حكامة تشريعية يقوم على عقلنة برلمانية منفتحة، لا تكتفي بضبط المبادرة، بل تُؤطرها وتغنيها، وعلى ذكاء ترابي مُؤَسْسَن، قادر على تحويل المعرفة المحلية إلى قوة اقتراحية داخل التشريع، وعلى آليات مساءلة تحد من انزلاقات الخوصصة الناعمة، وتُعيد القرار إلى فضائه العمومي.
إن الدولة الإدارية، في هذا الأفق، لا تُلغى ولا تُدان بشكل مطلق، بل يُعاد توجيهها: من جهاز يحتكر القرار إلى بنية وسيطة لتنظيمه وتوزيعه، بما يضمن التوازن بين الفعالية والشرعية، بين التقنية والسياسة، وبين القانون والقرار.
في نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر فقط بإصلاح مؤسساتي، بل بتحول أعمق في الثقافة السياسية: من تصور يرى في الدولة مصدرًا وحيدًا للعقل، إلى تصور يعترف بتعدد مصادر الذكاء داخل المجتمع. حينها فقط يمكن أن تتحول العقلنة البرلمانية من قيد إجرائي إلى أفق ديمقراطي، وأن يصبح الذكاء الترابي رافعة لإعادة بناء المعنى داخل الفعل العمومي، بما يسمح بتفكيك الهيمنة الرمزية، وإعادة وصل القانون بالمجتمع، والقرار بالمساءلة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) رئيس أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى