Rachid Ait Sagh
تُحبس الأنفاس في جماعة “آيت عميرة” بإقليم شتوكة آيت باها، كلما فُتح ملف العقار؛ هذا الملف الذي تحول مع مرور العقود إلى “قنبلة موقوتة” تختزل صراعاً مريرًا بين ثلاثية متناقضة: ذاكرة الأجداد الممتدة لقرون، الترسانة القانونية التي تفرض وصاية الدولة، والواقع الديمغرافي الذي انفجر ليجعل من المنطقة قطباً بشرياً يتجاوز 113 ألف نسمة.
شرعية الذاكرة مقابل مشروعية القانون
في مقاهي آيت عميرة وبيوت دواويرها، لا يعترف السكان بـ “الرسم العقاري رقم 80/11499” إلا كـ “رقم إداري” جاف. بالنسبة للفلاح البسيط والفعاليات المدنية، هذه الأرض هي “إرث الأجداد” الذي سُقي بالعرق قبل أن تظهر القوانين المنظمة للأراضي السلالية. يرى هؤلاء أن وصاية وزارة الداخلية، رغم استنادها إلى ظهائر قانونية، تصطدم بحق تاريخي وتملك فعلي توارثوه أباً عن جد، مما يخلق هوة سحيقة بين ما تنطق به “المحافظة العقارية” وما تؤمن به “القبيلة”.
هجرة الشغل وفوضى “التجزئة الواقعية”
لم تكن آيت عميرة لتواجه هذا المأزق لولا “الطفرة الفلاحية” التي حولتها إلى قبلة لليد العاملة من كل حدب وصوب. هذا الطلب المتزايد على العمال الزراعيين أنتج سوقاً عقارية موازية منذ ثمانينيات القرن الماضي؛ حيث اضطر العمال إلى اقتناء قطع أرضية صغيرة (بين 50 و70 متراً) بموجب عقود عرفية، لبناء “قبر الحياة” والاستقرار بجوار لقمة العيش.
هذا التوسع العمراني الاضطراري أفرز واقعاً مشوهاً: دواوير دخلت خريطة “إعادة الهيكلة” وأخرى لا تزال تسبح في “اللامكان القانوني”، تفتقر لأبسط شروط الكرامة العقارية رغم أنها تأوي آلاف الأسر.
الوثيقة الرسمية.. صكّ ملكية أم نذير إجلاء؟
عند تحليل شهادة الملكية الأخيرة الصادرة عن المحافظة العقارية، يبرز معطى مثير للقلق للساكنة: “نزع الملكية لفائدة المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي”. هذا التقييد القانوني يعني أن الدولة تمارس حقها السيادي على الأرض بصفتها صاحبة الوصاية، وهو ما يضع مئات البنايات المشيدة تحت مجهر “اللاشرعية”. فالمواطن الذي اشترى “بقعة” بعقد عرفي، يجد نفسه اليوم أمام وثيقة رسمية لا تعترف بوجوده كمالك، بل كمنتفع في أحسن الأحوال، أو كمحتل للملك العام في أسوئها.
نحو “سلم عقاري” ينهي الصراع
إن استمرار المقاربة القانونية الصرفة في آيت عميرة لم يعد ممكناً أمام هول الواقع الاجتماعي. إن الحل يستوجب الانتقال من “منطق الوصاية” إلى “منطق الشراكة”، وذلك عبر:
أنسنة التمليك: تسريع وتيرة تحويل الأراضي السلالية إلى ملكية خاصة لذوي الحقوق والساكنة المستقرة، وفق القوانين الجديدة (17-62)، لإنهاء حالة “الارتباك العقاري”.
المرونة في التعمير: لا يمكن تطبيق معايير المدن الكبرى على منطقة نشأت في سياق “الاستثناء الفلاحي”. يجب أن تراعي مخططات التهيئة المساحات الصغيرة والواقع القائم للدواوير.
العدالة الإجرائية: إشراك الفعاليات الجمعوية والمدافعين عن اراضي الأجداد في الحوار، لضمان أن تمر مشاريع الدولة (نزع الملكية أو الاستثمار) دون المساس بالاستقرار الاجتماعي للساكنة.
آيت عميرة اليوم ليست مجرد أرقام في هكتارات أو مساحات منزوعة الملكية، بل هي كرامة آلاف الأسر المرتبطة بتراب هذه الأرض. إن التحدي الحقيقي أمام مدبري الشأن العام هو تحويل العقار من “عائق للتنمية”، إلى “رافعة للاستقرار” عبر مصالحة تاريخية وقانونية تنهي غربة الإنسان فوق أرض أجداده.