ثقافة و فن

جمالية الرؤية الإخراجية عند رضوان الإبراهيمي: مسرحية “المتمردة” نموذجا

​متابعة سعيد حمان

​عندما يلتقي مخرج برؤية رضوان الإبراهيمي بنص لـ “رائد الاحتفالية” عبد الكريم برشيد فإننا لا نكون أمام مجرد عرض مسرحي تقليدي بل أمام “حفل مسرحي” يعيد صياغة العلاقة بين الخشبة والجمهور
​اعتمد المخرج رضوان الإبراهيمي في اشتغاله على نص “المتمردة” على سينوغرافيا تتسم بالذكاء والاختزال. فبدلا من إثقال الخشبة بالديكورات الواقعية
اختار ملامح بصرية توحي بالفضاء ولا تحده. هذا التوجه يخدم فلسفة برشيد التي تدعو إلى “المسرح الفقير” بمعناه الإبداعي حيث تتحول قطع الديكور البسيطة إلى أدوات درامية متعددة الاستعمالات .مما يمنح الممثل مساحة أكبر للحركة والتعبير.
كما ​برز إبداع الإبراهيمي في قدرته على قيادة الممثلة… الفنانة نجوى الفيدي…نحو أداء يتجاوز التقمص التقليدي. الممثل في رؤية المخرج هو “محتفل” بالدرجة الأولى يكسر الجدار الرابع ويتواصل مع الجمهور بعينيه وحواسه مما يجسد مفهوم “المسرح داخل المسرح” الذي يتميز به أدب عبد الكريم برشيد.
​النص البرشيدي المتمردة مشحون بالرموز التراثية والأسئلة الوجودية. وقد نجح الإبراهيمي في “عصرنة” هذه الرموز بصريا. حيث مزج بين الأصالة في الحوار والمنطوق وبين الحداثة في التشكيل البصري الإضاءة والمؤثرات الصوتية. هذا المزيج جعل مسرحية “المتمردة” تبدو وكأنها حكاية من الماضي تروى بلسان الحاضر وهو جوهر العملية الاحتفالية.
إسم المسرحية “المتمردة” لم يكن مجرد عنوان بل هو تيمة اشتغل عليها الإبراهيمي إخراجيا من خلال خلق صراع بصري بين “الجمود” الذي تمثله السلطة أو المجتمع وبين “الحركة” التي تمثلها الشخصية المتمردة. استخدم المخرج رضوان الابراهيمي التضاد في الألوان وفي سرعة الإيقاع المسرحي ليبرز هذا التمرد مما أضفى على العرض حيوية درامية جذبت المتلقي منذ اللحظة الأولى.
​خلاصة القول إن اشتغال رضوان الإبراهيمي على نص “المتمردة” هو درس في كيفية احترام النص الأدبي مع ممارسة “الحرية الإبداعية” في الإخراج. لقد استطاع أن يخرج النص من حيز القراءة الصامتة إلى فضاء الفرجة الصاخبة بالمعنى الفكري والجمالي مؤكدا أن المسرح المغربي يمتلك طاقات قادرة على تجديد دماء الاحتفالية
​​كل هذه الجماليات استمتعنا بها وتفاعلت معها الحواس من خلال العرض الذي قدم في افتتاح مهرجان ركح الوطني للمسرح الاحترافي في دورته الثانية بمدينة مراكش. لقد كان العرض لحظة فارقة في المهرجان، حيث نجح الإبراهيمي في تحويل فضاء العرض بمراكش إلى ساحة من السحر الفني التي شدت انتباه الجمهور من اللحظة الأولى وحتى إسدال الستار. ساد صمت الإنصات والدهشة في القاعة.ولم يقطع ذلك الصمت إلا التصفيقات الحارة التي أكدت نجاح العرض في الوصول إلى وجدان المتلقي المراكشي الذواق…
. بقلم : حميد الشرقاوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى